في خضمّ التداعيات السياسية والإنسانية التي خلّفتها أكثر من عقد من النزاع في سوريا، اتَّسمت مواقف الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا، بالتحوّل الحادّ تجاه ملفّ اللاجئين السوريين.
في كانون الأول/ديسمبر 2024، أعلن المستشار الألماني أولاف شولتس أن السوريين “الذين اندمجوا جيداً، ويعملون في ألمانيا، ويتحدّثون الألمانية، بإمكانهم البقاء” رغم تغيّر الأوضاع في بلدهم. ومع ذلك، شدّد على أن النقاش الجاري يتعلق بحقّ العودة الطوعية، وأن الوضع في سوريا لا يزال “غير مؤكد”.
من جهته، قال وزير الداخلية الألمانية نانسي فايزر إن “قوانيننا تفرض على مكتب الهجرة في ألمانيا مراجعة أو إلغاء حالات الحماية إذا لم يعد هناك سببٌ لها، بسبب أن الوضع في سوريا استقرّ” – في إشارة واضحة إلى احتمال إعادة النظر في وضع مئات الآلاف من اللاجئين السوريين داخل ألمانيا.
في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2025، تقدّم الموقف الألماني خطوة إلى الأمام، حين أعلن المستشار فريدريك ميرتس أن “الحرب الأهلية في سوريا انتهت، وليس هناك بعد أي سبب لمنح حقّ اللجوء في ألمانيا” – مضيفاً أن “العودة التطوعية للاجئين السوريين لموطنهم باتت ممكنة، وما من سببٍ يدعو للاحتفاظ بحمايتهم هنا”.
ويرى مراقبون أن هذه التصريحات تعكس ضغطاً سياسياً متزايداً داخل ألمانيا ودولٍ أوروبية أخرى تجاه قضيّة إعادة اللاجئين إلى سوريا، في وقت تشترط فيه معايير كثيرة – درءاً لتجميد الحماية أو انتهاك مبدأ “عدم الإعادة القسرية” – أن تكون العودة “آمنةً وطوعيةً وكريمةً”. وأشار المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) إلى أن الظروف في سوريا ما تزال غير مؤهّلة بعد لعودة جماعية واسعة، بما في ذلك ضعف البنية التحتية وانتشار الاحتياج الإنساني.
وفي السياق العربي، كانت الدعوات إلى تهيئة “بيئة العودة” للمُهجّرين السوريين حاضرة في بيانات خليجية وعربية، بربط فكرة إعادة الإعمار بمسار العودة الطوعية اللائق، مع تحذير من أن اعتبارات الأمن والاستقرار والخدمات لا تزال تمثل عقبة كبيرة أمام مسار العودة الفاعل.
عوامل محفّزة للعودة
يؤكد المستشار علي القدومي، الباحث والخبير في شؤون الهجرة والمقيم في بريطانيا لـ”963+”، أن العوامل الضاغطة على اللاجئين السوريين تتزايد بشكل ملحوظ، موضحاً أن هذه العوامل تشمل تضييق الإقامة والعمل في دول الجوار، وخطر الترحيل أو الاعتقال، وانخفاض المساعدات الإنسانية، وارتفاع تكاليف المعيشة والسكن.
ويشير إلى أن العوامل المشجعة على العودة تبقى محدودة للغاية، إذ تقتصر غالباً على رغبة بعض الأسر في لمّ الشمل أو الإحساس بتحسن نسبي في بعض المناطق داخل سوريا. لكنه يلفت إلى أن معظم حالات العودة تتم تحت ضغط مادي أو قانوني أو أمني، مما يجعلها – بحسب قوله – عودة اضطرارية أكثر من طوعية.
ويضيف أن العودة لا تعدّ طوعية وفق القانون الدولي إلا إذا كانت ناتجة عن قرار حرّ ومستنير ومن دون أي تهديد أو إكراه مباشر أو غير مباشر. لذلك، كما يوضح، فإن كثيراً من حالات العودة الحالية لا تستوفي شروط الطوعية الكاملة، بل تعكس ما يصفه بـ “سياسات طرد غير معلنة” تتبناها بعض الدول.
ويشرح أنه قبل العودة، يفترض توفير وثائق سفر قانونية وتعهد بعدم الملاحقة الأمنية أو التجنيد الإجباري، إلى جانب معلومات دقيقة عن المنطقة المقصودة. أما بعد العودة، فينبغي أن تتوفر حرية الحركة، والحماية من الاعتقال التعسفي، وإمكانية استعادة الممتلكات أو الحصول على سكن بديل، إضافة إلى الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء والصحة والتعليم.
غير أن القدومي يشير إلى أن التقارير الدولية تؤكد عدم كفاية هذه الضمانات في معظم المناطق السورية، إذ يواجه كثير من العائدين انتهاكات أمنية ومشاكل في الملكية وصعوبات معيشية خطيرة. ويؤكد أن الظروف الحالية لا تلبي معايير “العودة الآمنة والكريمة والمستدامة” التي تنص عليها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.
ويضيف أن حكومات دول الجوار تتخذ إجراءات مختلفة لتقليل أعداد اللاجئين، مثل تشديد الإقامة أو فرض قيود على العمل، ما يخلق ضغطاً غير مباشر على اللاجئين للعودة. في المقابل، يوضح أن المنظمات الدولية، وخاصة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، لا تشجع على العودة الجماعية، بل تتابع حالات العودة بعد التأكد من أن القرار حرّ ومستنير، كما تقدم استشارات قانونية ومساعدات محدودة بعد العودة.
أما منظمات المجتمع المدني، فيشير القدومي إلى أنها تقوم بتقديم التوعية القانونية والدعم النفسي، وتوثق انتهاكات العودة القسرية.
شروط ومعايير
يشرح القدومي أن المعيار الفاصل بين العودة الطوعية والترحيل القسري، مبيناً أن العودة الطوعية تعني أن اللاجئ اختار الرجوع دون تهديد أو حرمان من المساعدة وبعد معرفة كاملة بالظروف، في حين أن الترحيل القسري هو أي عودة تتم نتيجة ضغط أو تهديد أو توقيف أو ربط للمساعدات بالعودة، وهو ما يعد انتهاكاً لمبدأ عدم الإعادة القسرية.
وعن تأثير العودة في دول الجوار، يوضح القدومي أن خروج اللاجئين قد يخفف الضغط على الخدمات العامة اقتصادياً، لكنه يضر بقطاعات اعتمدت على العمالة السورية الرخيصة. أما اجتماعياً وأمنياً، فيقول إن التوترات السكانية قد تنخفض مؤقتاً، لكن حملات التضييق والترحيل قد تؤدي إلى زيادة التوتر والعنف المجتمعي.
أما داخل سوريا، فيشير إلى أن العائدين يواجهون مشكلات سكن وفقدان الممتلكات وضعف الخدمات الأساسية وغياب فرص العمل والمخاطر الأمنية، مضيفاً أن بعضهم يضطر للنزوح الداخلي مرة أخرى.
ويختم بالتأكيد على أن العودة لا تكون مستدامة إلا بتوافر الأمن الفعلي والعدالة القانونية والخدمات الأساسية وفرص العمل، مشدداً على أن غياب هذه المقومات يجعل معظم حالات العودة الحالية غير مستدامة، وقد يؤدي إلى نزوح متكرر.
من جهته، يوضح المعتصم الكيلاني، المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان والمقيم في باريس لـ”963+”؛ أن مفهوم الطوعية الحقيقية في العودة يعني – كما يقول – قدرة اللاجئ على الاختيار بين بدائل قابلة للحياة، سواء البقاء القانوني والعيش الكريم في بلد اللجوء أو العودة المأمونة إلى بلده الأصلي، وذلك مع توافر معلومات محايدة وضمانات حماية قبل وأثناء وبعد العودة. ويشير الكيلاني إلى أنه حين تنتزع هذه البدائل أو يمارس الضغط والترهيب على اللاجئين، تتآكل الطوعية وتقترب العملية من الترحيل القسري.
ويضيف أن التدفقات العائدة إلى سوريا ازدادت منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، إلا أن مخاطر أمنية وقانونية وخدمية كبيرة ما تزال قائمة. كما يلفت إلى أن المنظمات الأممية والحقوقية تميل إلى الحذر في التعامل مع هذه العودة، مؤكدة على شرط الطوعية الصارمة وإجراءات الحماية. ويرى أن استدامة العودة تعتمد على تحسن أمني ملموس، وآليات فعّالة لرد المظالم – خصوصاً في قضايا السكن والأرض والملكية (HLP) – إلى جانب الاستثمارات في الخدمات وسبل العيش.
تحديات العودة
يشير الكيلاني إلى أن هناك عوامل ضاغطة متزايدة في دول الجوار، موضحاً أن لبنان يشهد حملات أمنية وعمليات “دفع” نحو الحدود تشمل توقيفات وترحيلاً وإخلاءات قسرية، ما يجعل – بحسب قوله – الاختيار بالعودة مقيداً بالخوف من الاعتقال أو فقدان سبل العيش، وهو ما وثقته منظمات حقوقية مراراً. كما يضيف أن برامج “العودة الطوعية” في تركيا التي تقدمها السلطات على أنها “عودة طوعية وآمنة” إلى شمال سوريا، تواجه تشكيكاً متكرراً من جهات مراقبة في مدى طوعيتها الحقيقية، خصوصاً مع تباين الأرقام بين المصادر الرسمية والحقوقية.
وفي العراق، يلفت الكيلاني إلى أن 93% من اللاجئين السوريين لا ينوون العودة خلال 12 شهراً بسبب انعدام الأمان وفرص الرزق والخدمات ومخاطر التجنيد الإجباري، مضيفاً أن اتجاهات مماثلة تظهر في مسوح أممية إقليمية. كما يوضح أن التغير السياسي في دمشق في كانون الأول/ديسمبر 2024 أدى إلى موجات عودة أكبر عدداً، غير أن البيئة الأمنية والخدمية الهشة تجعل طوعية القرار موضع شك، خصوصاً حين تتزامن العودة مع تضييقات في دول اللجوء.
ويؤكد أن المعايير الدولية التي وضعتها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تشترط أن تكون العودة قرارا حرا ومستنيرا، وأن تتم بأمان وكرامة، مع احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، مشيراً إلى أنها تمثل المرجعية الأساسية لأي تقييم لعمليات العودة. ويضيف أن المفوضية، رغم تقديمها دعما لوجستيا محدودا لمن اختار العودة، ما تزال تؤكد أن العودة يجب أن تكون طوعية وآمنة وكريمة، موضحاً أنها لا تشجع العودة العامة إلى سوريا بسبب استمرار المخاطر.
وفي ما يخص سلامة العائدين، يلفت الكيلاني إلى أن تقارير موثقة خلال عامي 2024 و2025 أظهرت استمرار الاعتقالات التعسفية والانتهاكات ضد العائدين، حتى في ظل “التسويات الأمنية”. كما يشير إلى أن مراجع رسمية أوروبية أكدت أن الحصول على “موافقة أمنية” لا يضمن السلامة الفعلية للعائدين.
وحول الوضع الخدمي داخل سوريا، يقول الكيلاني إن تقديرات حديثة تشير إلى أن كلفة إعادة الإعمار تبلغ نحو 216 مليار دولار، في ظل هشاشة شديدة في البنى التحتية والخدمات العامة وارتفاع مستويات الاحتياج الإنساني، مما يجعل الاستقرار طويل الأجل للعائدين أمراً بالغ الصعوبة في الوقت الراهن.
ويضيف أن المفوضية وشركاءها أطلقوا في عام 2025 إطاراً عملياً للعودة، يركز على المشورة القانونية والتحقق من الاختيار الحر ومراقبة المعابر وتقديم المساعدة بعد الوصول. كما بدأت المفوضية بتقديم دعم لوجستي محدود يشمل النقل والمنح النقدية للعائدين الذين سجلوا رغبتهم بحرية.
أما بالنسبة إلى حكومات دول الجوار، فيشير الكيلاني إلى أن بعضها يدير “آليات تسجيل” و”قوافل” عودة، بينما تحذر المنظمات الحقوقية من أي ترتيبات قد تقنع الإعادة القسرية أو تقيد قدرة اللاجئين على البقاء قانونياً، خاصة في لبنان وتركيا. ويضيف أن المعيار الفاصل في نظر هذه المنظمات يتمثل في وجود بدائل واقعية للبقاء، وإمكانية رفض العودة دون عقاب، وتوافر معلومات محايدة عن الأوضاع داخل سوريا، مع متابعة للحماية بعد الوصول.
ويتابع موضحاً أن المدنيين والمنظمات المحلية يقدمون توعية قانونية ودعماً في توثيق الحقوق المدنية وحقوق السكن والأرض والملكية (HLP)، لضمان أن قرار العودة يكون مستنيرا وأن استرداد الممتلكات ممكن فعلاً.
وفيما يتعلق بالوضع في تركيا، يوضح الكيلاني أن سوق العمل والخدمات تعرضت لضغوط كبيرة منذ عام 2014، رغم سياسات الدمج والتنمية المدعومة من البنك الدولي. ويقول إن عودة أعداد كبيرة من اللاجئين قد تخفف الضغط المحلي لكنها تخلق في الوقت ذاته احتياجات دعم انتقالية وتتطلب متابعة للحماية، خاصة إذا كانت العودة غير مستقرة في شمال سوريا.
أما في لبنان، فيشير إلى أن الاقتصاد المنهك والأزمة الممتدة دفعت السلطات إلى تشديد الإجراءات بحق السوريين، على خلفية حزم أوروبية وتمويل مشروط بإدارة الهجرة، مما زاد من مخاطر الإعادة القسرية. ويضيف أن أي عودة غير مستدامة قد تؤدي إلى حركية ذهاب وإياب محفوفة بالمخاطر.
وفي الأردن، يلفت إلى أن السلطات تعمل على تحسين فرص العمل والخدمات للسوريين والمجتمع المضيف، لكن عوائق قانونية واقتصادية وإدارية ما تزال تحد من رغبة كثيرين في العودة. ويشير إلى أن الآلاف عادوا “طوعياً” في عامي 2024 و2025، لكنه يشدد على ضرورة مراقبة استدامة هذه العودات بعد دخول الأراضي السورية.
أما في العراق، وخاصة إقليم كوردستان، فيوضح أن النيات بالعودة منخفضة جداً (93% لا ينوون العودة خلال عام) لأسباب أمنية ومعيشية داخل سوريا، مشيراً إلى أن الأثر المحلي في العراق يرتبط أكثر بإدارة اللجوء المستمر لا بموجات عودة واسعة.
ويختتم الكيلاني حديثه بالإشارة إلى الأوضاع داخل سوريا في مناطق الوجهة، مبيناً أن رغم تغير السلطة في ديسمبر/كانون الأول 2024، ما تزال الانتهاكات والاعتقالات والتقلّبات الأمنية مستمرة، بما في ذلك تجاوزات من فاعلين مسلحين محليين في بعض المناطق. كما يوضح أن قضايا السكن والأرض والملكية (HLP) ما تزال معقدة بسبب صعوبة استرداد الوثائق وتراكم النزاعات والاحتلالات، الأمر الذي يعيق إعادة الاندماج ويغذي مخاطر النزوح مجدداً.
ويضيف أن الجهود الأممية والمدنية تعمل حالياً على وضع أطر للتعويض واسترداد الحقوق، لكنها ما تزال في مراحلها الأولى. ويؤكد في الختام أن الفجوات الكبيرة في الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب كلفة الإعمار الضخمة، تجعل استدامة العودة مرهونة باستثمارات واسعة وتحسن ملموس في الخدمات والحماية.










