تتزايد المؤشرات على دخول المرحلة المقبلة من الصراع الإقليمي بين الولايات المتحدة وإيران مساحة أكثر حساسية، خصوصاً مع ازدياد النشاط العسكري الأميركي في سوريا وتنامي المخاوف من ردود الفعل عبر الحدود.
وفي السياق، جاء إبلاغ واشنطن لبغداد مسبقاً بعمل عسكري داخل الأراضي السورية، ما أثار اهتماماً سياسياً وأمنياً واسعاً، لكونه يُعد خطوة غير اعتيادية تحمل رسائل مباشرة للعراق وترسم ملامح مرحلة جديدة من التنسيق الميداني وتجنّب الاحتكاك.
وفي وقت سابق، قال ثابت العباسي، وزير الدفاع العراقي، إن الولايات المتحدة أبلغت بغداد مسبقاً بوجود عمليات أو ضربات داخل الأراضي السورية. وأضاف أن الجانب الأميركي حذّر من تدخل الفصائل العراقية أو حدوث احتكاك غير مقصود. مشيراً إلى أن العراق تلقى الإشعار باعتباره مسألة تنسيق أمني، وليس مشاركة أو دعماً للعملية. وأكد الوزير أن العراق ليس طرفاً في العمليات داخل سوريا، وأن الإبلاغ هدفه منع سوء الفهم وحماية القوات العراقية على الحدود.
وقد تزامنت هذه الخطوة مع حالة من القلق الإقليمي بشأن احتمالات توسع المواجهة بين الولايات المتحدة والفصائل المرتبطة بإيران، الأمر الذي يزيد من حساسية أي تحرك عسكري قرب الحدود المشتركة. وعلى وقع هذه التحولات، تباينت قراءات الخبراء الذين أكدوا أن الإبلاغ الأميركي ليس إجراءً بروتوكولياً بل جزء من مشهد سياسي وأمني أوسع يربط الملف السوري بالاستقرار داخل العراق.
اقرأ أيضاً: بين سوريا والعراق.. مخاوف من تصاعد التوترات
رسائل متعددة
يقول الباحث السياسي مجاشع التميمي في حديثه لـ”963+” إن إبلاغ الولايات المتحدة للعراق مسبقاً بعمل عسكري داخل سوريا يحمل دلالات أمنية وسياسية بالغة الأهمية للبلدين، مؤكداً أنه يعكس حرص واشنطن على تجنّب أي احتكاك مع القوات العراقية أو الفصائل المنتشرة قرب الحدود وكذلك الحشد الشعبي.
ويضيف التميمي أن هذه الخطوة تؤكد في الوقت نفسه أن العراق لا يزال يمثل حلقة تنسيق أساسية في المعادلة الأمنية الإقليمية، مشيراً إلى أن الرسالة الأميركية لبغداد واضحة: ضرورة الحفاظ على التواصل وتحييد العراق عن أي رد فعل محتمل من الفصائل الموالية لإيران خشية اشتباكات تؤدي إلى تدهور الأوضاع الأمنية.
ويمضي التميمي موضحاً أن أي عملية أميركية في العمق السوري قد تغيّر موازين القوى ميدانياً، خصوصاً إذا استهدفت مواقع لفصائل مدعومة من طهران أو مخازن أسلحة داخل العراق قريبة من البوكمال السورية، وهو ما سيضعف خطوط الإمداد العابرة نحو الأراضي العراقية ويحدّ مؤقتاً من خطر تهديد الحدود.
ويردف أن الجيش الأميركي يتحرك “بكل أمان وأريحية بين الحدود السورية–العراقية”، وفي المقابل قد يدفع مشهد كهذا بعض الفصائل العراقية إلى الرد داخل العراق، مما يفرض على بغداد موقفاً حذراً ومتوازناً.
كما يشير إلى أن تحذير واشنطن من تدخل الفصائل العراقية يعكس خشيتها من تصعيد إقليمي، خاصة في ظل الأزمة المستمرة بين إيران والولايات المتحدة والتهديدات بعودة المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة ضد طهران، لكنه يلمح في الوقت نفسه إلى احتمال وجود نية لعملية نوعية حساسة ضد أهداف مرتبطة بإيران أو “داعش”.
ويضيف التميمي أن التوجه نحو تأسيس قاعدة عسكرية أميركية جديدة في سوريا، في حال تحقق، سيؤثر مباشرة على الأمن العراقي، إذ سيعيد رسم خرائط التعاون الاستخباري والعسكري في البادية المشتركة ويضع بغداد أمام واقع أمني جديد يحتاج تنسيقاً متعدد الأطراف.
اقرأ أيضاً: العلاقات العراقية-الأميركية بين التوازن الداخلي والتوترات الإقليمية
إدارة احتكاك لا تغيير سياسة
يوضح صباح زنكنة، رئيس مركز الخبراء للدراسات الاستراتيجية، لـ”963+” أن إبلاغ واشنطن بغداد مسبقاً بعمل عسكري داخل سوريا يحمل رسالة مزدوجة. ويقول إن الرسالة الأولى تتعلق بمحاولة تقليل مخاطر الاصطدام بين القوات الأميركية والفصائل العراقية المسلحة عبر إشعار رسمي يحمّل بغداد مسؤولية منع أي تدخل.
بينما تكمن الرسالة الثانية في إشعار سياسي يهدف إلى شرعنة الخطوة أمام شركاء إقليميين وإدارات أمن الحدود. ويضيف زنكنة أن هذا السلوك يعكس رغبة أميركية في إدارة الاحتكاك وليس بالضرورة تغييراً جذرياً في سياسة التنسيق، وفق قوله.
ويمضي زنكنة مشيراً إلى أن التأثير المحتمل للعملية على موازين القوى في سوريا وأمن الحدود العراقية يرتبط بطبيعة الهدف وحجمه؛ فعملية محدودة قد تضعف قدرات الفصائل المسلحة المحلية وتقلل التهديدات العابرة للحدود، بينما عملية واسعة قد تزيد التوتر وتدفع الفصائل إلى الرد أو تعزيز وجودها على الحدود، في ظل غياب موقف رسمي واضح من بغداد وواشنطن، ما يجعل المشهد ضبابياً ويفتح الباب أمام سيناريوهات تمتد من التقييد المحلي إلى التصعيد الإقليمي.
ويضيف أن التحذير الأميركي من تدخل الفصائل العراقية قد يكون بالفعل تخوفاً من تصعيد إقليمي، لكنه قد يشير أيضاً إلى احتمال تنفيذ عملية نوعية عالية الحساسية تتطلب عزل ساحة العمليات عن أي طرف ثالث.
كما يربط زنكنة ذلك بتعقيدات الملف السوري وتشابك مصالح واشنطن وإيران ودمشق، ما يجعل التحذير وسيلة لتقليل مخاطر الاحتكاك الشديد أثناء تنفيذ مهام دقيقة.
ويختم بأنه من المحتمل أن تكون التحذيرات تمهيداً لعمل نوعي ضد تنظيم “داعش” في البادية السورية، وهو احتمال “وارد بقوة”، على حد قوله، لافتاً إلى أن سيناريو المناورات أو التدريب المشترك مع وحدات من الجيش السوري بدعم غربي قد يكون قابلاً للتحقق إذا اكتملت التفاهمات السياسية.
ويشير إلى أن تقاطع التقارير حول برامج تدريب سابقة وحالية مع استعدادات أميركية قائمة يجعل من هذين السيناريوهين، ضربة ضد “داعش” أو عمليات تنسيق وتدريب، أقرب إلى الواقع.










