بعد أكثر من عقد من القطيعة، يجلس الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع اليوم، وجهاً لوجه في البيت الأبيض، في زيارةٍ توصف بالتاريخية، لكنها تطرح سؤالاً أساسياً ما زال يتردد في أروقة السياسة والإعلام وهو: ما الذي تريده أميركا من الحكومة الانتقالية السورية؟ وما الذي تريده الأخيرة من واشنطن؟
وبين رغبة أميركية في إعادة صياغة المشهد الإقليمي وفق توازنات جديدة، وطموح سوري للخروج من العزلة الدولية ورفع العقوبات الثقيلة، يتشكّل مشهد تفاوضي دقيق، يُنتظر أن يحدد ملامح العلاقة المقبلة بين دمشق وواشنطن، وربما مستقبل المنطقة بأكملها.
تطبيع مشروط
تدخل الإدارة الأميركية هذا اللقاء وهي محمّلة بقائمة طويلة من المطالب، تعكس مقاربة تقوم على مبدأ “التطبيع المشروط”.
وبحسب مصادر قريبة من فريق التفاوض، ترى واشنطن أن على الحكومة السورية الانتقالية أن تُظهر خطوات ملموسة في ملفات تعتبرها أساسية لأمنها ومصالح حلفائها.
وتتركّز المطالب الأميركية حول خمس نقاط رئيسية: “تفكيك مخزون الأسلحة الكيماوية والانضمام رسميًا إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. إبرام تفاهم أمني مع إسرائيل يضمن وقف الغارات المتبادلة وإنشاء مناطق منزوعة السلاح في الجنوب السوري، على أن تُراقب أميركيًا دون أن يُترجم ذلك إلى تطبيع سياسي كامل. ضمان حقوق الأقليات ومشاركتها في الحكم بوصفها مدخلًا إلى استقرار سياسي دائم. خفض النفوذ الإيراني والروسي داخل الأراضي السورية وضبط الحدود مع دول الجوار. التعاون في ملف المفقودين الأميركيين وتبادل المعلومات الاستخبارية حول التنظيمات المتطرفة”.
ويرى مراقبون في واشنطن أن هذه المطالب تهدف إلى تحويل دمشق من “مشكلة أمنية” إلى “شريك مراقَب”، يلتزم بالخطوط العريضة للسياسة الأميركية في المنطقة، مقابل رفع تدريجي للعقوبات واستعادة جزء من الدور السوري في الإقليم.
رفع العقوبات أولاً واستعادة الشرعية الدولية
على الجانب الآخر، يدخل الرئيس الانتقالي الشرع إلى البيت الأبيض حاملاً هدفاً واحداً وهو إنهاء العزلة الاقتصادية والسياسية التي أثقلت بلاده منذ اندلاع الحرب.
ويعتقد الشرع، وفق مصادر مقربة من وفده، أن مفتاح أي استقرار حقيقي يبدأ من رفع العقوبات، ولا سيما قانون “قيصر” الذي جمد الاقتصاد السوري وأوقف مشاريع الإعمار.
ويدور في الكونغرس نقاش حول الإلغاء الكامل للعقوبات، حيث عبّر النائب الجمهوري برايان ماست، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، عن تحفظه على الإلغاء الكامل، بينما دعا السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام – المقرّب من ترامب – إلى ربطه بجملة من الشروط، منها ضمان أمن وحقوق الأقليات الدينية والإثنية، والحفاظ على علاقات سلمية مع دول المنطقة، بما فيها إسرائيل، وإخراج المقاتلين الأجانب من مؤسسات الدولة والأمن.
ويُعتقد أن رفع العقوبات بالكامل قد يشجّع الدول المقربة من سوريا على المساهمة في عملية إعمارها. وقد قدّر البنك الدولي أن هذه العملية ستتطلب أكثر من 200 مليار دولار. إلا أن دولًا خليجية، وعلى رأسها قطر، ما تزال مترددة بسبب العقوبات.
وتتمثل أبرز مطالب دمشق في: “رفع كامل وفوري للعقوبات الأميركية لفتح الطريق أمام التعافي الاقتصادي والاستثمار الدولي. الاعتراف بالقيادة الانتقالية كسلطة شرعية تمثل سوريا في النظام الدولي الجديد. الحصول على دعم مالي ومساعدات لإعادة الإعمار، تُقدّر كلفتها بأكثر من 200 مليار دولار. تعاون أمني مرن مع إسرائيل والولايات المتحدة يضمن السيادة السورية ويوقف الاعتداءات الجوية. التأكيد على استقلال القرار الوطني ورفض أي ترتيبات تنتقص من سيادة الدولة أو تضعها تحت وصاية خارجية”.
من وجهة نظر السلطات السورية الانتقالية، فإن الانفتاح الأميركي يجب ألا يكون “اختباراً سياسياً” بل فرصة لشراكة اقتصادية وسيادية تُعيد بلاده إلى الخارطة الدولية وتُنهي سنوات العزلة الطويلة.
بين الاستقرار والسيادة
تلتقي المطالب الأميركية والسورية عند شعارٍ واحد هو “الاستقرار”، لكن الطريق إليه مليء بالمقايضات.
فالولايات المتحدة تشترط الإصلاحات السياسية والأمنية مقابل رفع العقوبات، بينما تردّ دمشق بأن رفع العقوبات هو الخطوة الأولى التي تتيح تنفيذ الإصلاحات نفسها.
وترى واشنطن أن التعاون الأمني مع إسرائيل هو بوابة التطبيع التدريجي، في حين تصرّ دمشق على أن أي تفاهم أمني يجب أن يقتصر على وقف الغارات وحماية السيادة، من دون تطبيع كامل.
وتشير تقارير صحفية إلى أن “لقاء اليوم يمثل اختباراً مزدوجاً للطرفين: اختباراً لقدرة أميركا على صياغة تسوية غير عسكرية في الشرق الأوسط، واختباراً لقدرة السلطات السورية الانتقالية على إثبات أنها شريك مسؤول يمكن الوثوق به”.
ولا يقف اللقاء بين ترامب والشرع عند حدود البروتوكول؛ بل يفتح الباب أمام أسئلة أعمق: “هل ترفع واشنطن عقوباتها عن دمشق دون مقابل سياسي واضح؟ وهل تستطيع الحكومة السورية الانتقالية أن تلبّي الشروط الأميركية من دون أن تفقد سيادتها أو شرعيتها في الداخل؟” فما تريده أميركا واضح: ضمان أمنها وأمن حلفائها عبر تطبيعٍ مراقَب مع دمشق. وما تريده دمشق هو: رفع العقوبات واستعادة الاعتراف الدولي كمدخل للعودة إلى العالم.










