تُعرف محافظة إدلب بأنها من أكبر مناطق إنتاج الزيتون في سوريا بعد حلب وريفها. فقد تجاوزت المساحات المزروعة بالزيتون قبل سقوط النظام 120 ألف هكتار، وبإنتاج يبلغ أكثر من 180 ألف طن سنوياً في أفضل المواسم، حسب تقديرات سابقة لمديرية الزراعة.
اليوم، وبعد أكثر من عقد من دوران آلة الحرب التي خربت معظم القطاعات الحيوية ومنها قطاع الزراعة، تقلص الإنتاج بأكثر من النصف، فيما تراجع مردود الأشجار بسبب الجفاف والحرائق والإهمال ونقص الدعم الفني.
ومع انطلاق موسم قطاف الزيتون في محافظة إدلب، يعيش المزارعون لحظات تختلط فيها المشاعر بين الفرح والحذر، الفرح بالعودة إلى أراضيهم التي حُرموا منها لسنوات، والحذر من موسم ضعيف لم ترحمه قسوة الجفاف ولا آثار الدمار الطويل.
اقرأ أيضاً: اتفاق ينهي الاشتباكات بين الأمن الداخلي و”كتيبة الغرباء” بريف إدلب – 963+
حال المحاصيل جنوب وشرق إدلب
في قرى ريف إدلب الجنوبي والشرقي، عاد عشرات المزارعين هذا العام إلى حقولهم التي هجروها منذ أكثر من خمس سنوات.
“بحسرة وألم” يتجول المزارع الستيني سعيد المحمد، وهو يتجول بين بقايا أشجاره في من بلدة سراقب بريف إدلب الشرقي.
ويقول المحمد لـ”963+” إن قوات النظام عمدت لتخريب جميع الأشجار وكأن لها ثأر معها، إلا أن العروق الصغيرة عادت لتنمو فوق بقايا الجذور التي لم يستطعوا اقتلاعها “هذه الأشجار ورثتها عن والدي الذي ورثها عن والده.. هي أكبر من عمري”.
كلمات المحمد تختصر مأساة مئات المزارعين في ريف إدلب، ممن فقدوا أراضيهم أو أشجارهم، في وقتٍ تُقدّر فيه تكلفة إعادة تأهيل كل شجرة بنحو 75 دولار سنوياً، بينما تحتاج أشجار الزيتون المقطوعة إلى أكثر من 15 عاماً لتعود إلى إنتاج مقبول.
ويقول أسامة (52 عاما) من أهالي قرية عابدين بريف إدلب الجنوبي لـ”963+”: “تمكّنا من العودة إلى أراضينا التي حُرمنا منها منذ أن تهجرنا أواخر العام 2019، أذكر حينها أننا كنا نتهيأ لبدء موسم القطاف، لكن القصف المكثّف أجبرنا على النزوح نحو الشمال”.
عاد الرجل ولحسن حظه كما يقول إنه وجد معظم أشجار الزيتون لا تزال واقفة رغم تكسر بعضها إلا أنها “متعبة”، ولكنها تحتاج إلى رعاية طويلة لتعود كما كانت.
ويضيف أسامة أن منزله ما زال مدمّراً كحال معظم منازل القرية لذلك لم يتمكن من العودة إليه، إلا أنه ومنذ سقوط النظام بات يزور أرضه بشكل دوري ليعتني بالأشجار التي تعتبر الكنز الذي تعيش من خيرها العائلة.
ويوضح الرجل أنه لا يتوقع موسما وفيراً لهذا العام، إلا أنه يشعر بسعادةٍ كبيرة لأنه استطاع العودة إلى أرضه التي ظنّ أنه فقدها إلى الأبد، وأنها ستتحسن مع العناية المكثفة أملاً أن تعود أفضل من قبل.
أراضي على حدود التماس
يروي محمد حسن العلي في بلدة النيرب بريف إدلب الشرقي، أنه خلال السنوات الماضية لم يتمكن من الوصول إلى أرضه الواقعة قرب نقاط تمركز قوات النظام، خوفاً من القنص والخطر.
ويقول لـ “963+” إن أرضه كانت تضم نحو 300 شجرة زيتون، ولم يتمكن من رؤيتها منذ تقدم قوات النظام للمنطقة مطلع العام 2020، ويضيف العلي أنه وجد قسماً منها قد احترق، والآخراقتُلع بالكامل.
موضحاً أن الأشجار المتبقة ضعيفة الإنتاج بسبب سنوات من الإهمال، ولن يزيد إنتاجها عن ربع الكمية المعتادة، كما أن أسباب إضافية كالجفاف وشحّ المياه لربما تضعف الإنتاج لعامين قادمين.
اقرأ أيضاً: الكرفان.. مأوى مؤقت لعائدين إلى إدلب – 963+
مقارنة بين الأمس واليوم
الخبير الزراعي عبد الكريم غزال يرى أن موسم هذا العام يعكس مرحلة انتقالية بين الدمار والتعافي، ويوضح في حديث لـ”963+” أن موسم الزيتون لهذا العام تأثر بقلة الأمطار ما أدى لتراجع حجم الثمار ونسبة الزيت فيها.
يقول غزال إنه “لولا أن بعض المزارعين لجؤوا إلى الري منذ نيسان الفائت لما وصلت الثمار إلى الحجم المناسب. وهذا سيؤثر على نسبة الزيت خصوصاً في الحقول التي لم تُروَ أبداً.”
ويضيف أن فقدان أكثر من 1.5 مليون شجرة زيتون في شمال غرب سوريا نتيجة الحرق والاقتلاع جعل التعويض صعباً للغاية. لكن عودة الأهالي إلى أراضيهم، رغم ضعف الإمكانات، شكّلت دافعاً كبيراً لاستعادة النشاط الزراعي تدريجياً.
ويشير إلى أن الاستقرار الأمني ساهم بإعادة الحقول إلى أصحابها، وهذا سينعكس على المدى المتوسط بزيادة الإنتاج تدريجياً، لكن هذا الموسم بالتحديد سيكون دون التوقعات، إذ لا يتجاوز 60% من الطاقة المعتادة بسبب الجفاف.
ويؤكد غزال أن أبرز التحديات التي تواجه المزارعين اليوم هي فقدان العائد السنوي من الزيتون، الذي كان يشكّل ما بين 70 و80% من دخل نصف العائلات الريفية.
وأما من الناحية الفنية، فقد قدّم الخبير نصائح لضمان أفضل جودة للزيت رغم ضعف الإنتاج، من أهمها عصر الثمار مباشرة بعد القطاف، وتهويتها في سلل بلاستيكية مفتوحة، وتجنب الطرق التي تُسبب جروحاً للأغصان، واستخدام المعاصر الحديثة التي تراعي درجات الحرارة المناسبة أثناء فصل الزيت، إضافة إلى تخزين الزيت في تنكات مطلية بمادة عازلة بعيدًا عن الرطوبة والضوء.
مديرية الزراعة: موسم ضعيف ولكن واعد بالتحسن
وبحسب مديرية زراعة إدلب فإن إنتاج الزيتون لهذا الموسم يُقدّر بنحو 46.528 طناً فقط، مقارنةً بـ 132.465طناً في العام الماضي، وهو انخفاض حاد سببه الرئيسي شح الأمطار وتدهور خصوبة التربة.
ويوضح مدير المكتب الإعلامي في المديرية الزراعة، عبد الغني زبيدة، لـ “963+”، أن الكثير من الحقول التي كانت ضمن مناطق سيطرة النظام سابقاً تعرّضت لاقتلاع الأشجار وحرقها وطالت أكثر من 1.5 مليون شجرة زيتون؛ ما أدى إلى تراجع كبير في الإنتاجية، لافتاً أن إعادة تأهيل هذه الأراضي تحتاج لسنوات من العمل المتواصل.
وبعد استعادة المناطق في ريف إدلب الجنوبي والشرقي، عادت آلاف الهكتارات إلى أصحابها، إلا أن أسباب أخرى أثرت على الإنتاج وفق الزبيدة كارتفاع تكاليف السقاية التي تعتمد على الكهرباء أو مولدات خاصة أو منظمات الطاقة الشمسية، والتي تعتبر ذات تكاليف تشغيل مرتفعة.
ويضيف أن المساحات المزروعة حالياً تبلغ نحو 118.577 هكتاراً، معظمها بحاجة لإعادة تسميد وريّ، فيما تواجه الزراعة عقبات إضافية كضعف البنية التحتية للري وتدمير الطرق الزراعية ونقص الأيدي العاملة في موسم القطاف، إضافة إلى ارتفاع تكاليف تشغيل المعاصر، لافتاً إلى ضرورة تأمين غراس جديدة لتعويض الأشجار المفقودة، وتوفير الدعم اللوجستي والفني عبر منظمات زراعية محلية ودولية.
وبحسب الزبيدة فإن المديرية تعمل بالتعاون مع بعض المنظمات على تفعيل مختبر لتحليل الزيت بهدف تحسين الجودة وزيادة فرص التسويق الخارجي، لافتاً إلى أن الزيت السوري ما يزال يحافظ على سمعته العالية ويُعد من أجود الأنواع المصدّر إلى عدة دول.
وكانت وزارة الزراعة قد حددت مواعيد بدء موسم قطاف الزيتون في المحافظات السورية وفق الظروف المناخية وتقديرات الإنتاج، حيث ينطلق الموسم في إدلب (جسر الشغور وأريحا) في 15 تشرين الأول/ أكتوبر وبباقي المناطق بالمحافظة مع منتصف تشرين الثاني القادم.










