لم تقتصر الفوضى التي عاشتها سوريا خلال السنوات الماضية على دمار الأحياء والمباني، بل تسللت إلى السجلات الرسمية التي تحفظ حياة الناس ومماتهم. ومع تغيّر إدارة مؤسسات الدولة بعد سقوط النظام، بدأت تظهر قضايا قانونية معقدة تتعلق بتسجيل الوفيات بتواريخ غير دقيقة، وما ترتب عليها من إشكالات في الإرث والملكية.
تسجيلات متأخرة وأملاك ضائعة
في ريف دمشق، حيث كانت مدنٌ محاصرة لسنوات، واجه الأهالي صعوبة كبيرة في تسجيل الوقائع المدنية، سواء كانت ولادة أو وفاة.
ففي ظل غياب الدوائر الرسمية وانقطاع التواصل مع مؤسسات الدولة، لجأ كثيرون إلى تسجيل البيانات بعد انتهاء الحصار أو عبر وسطاء، ما أدى إلى خلط في التواريخ وتأخير أو تقديم بعض الوفيات، أحياناً عن غير قصد، وأحياناً لتسيير المعاملات الضرورية.
يقول أحمد لـ “963+” وهو عائد من لبنان إلى مدينته داريا، إنه تفاجأ عندما ذهب لاستخراج وثيقة “حصر إرث” لأملاك والده المتوفى خلال الحصار، بأن أملاك والده سُجلت باسم جده المتوفى قبل سنوات، وتم توزيعها على أبناء الجد وأحفاده ضمن معاملة امتدت لعشرات الأشخاص.
ويضيف: “الخطأ ناتج عن تقديم تسجيل وفاة والدي على وفاة جدي بشهرين فقط، رغم أن جدي توفي قبل أبي بسنوات، لكن لم نتمكن حينها من توثيق الوفاة بسبب الحصار”.
ويتابع أحمد أن موظف النفوس رفض تصحيح الخطأ دون “شهادة وفاة موثقة”، رغم استحالة استخراجها في تلك الظروف، فيما عرض عليه أحد المحامين العاملين في المبنى “حلّ المشكلة خلال أيام مقابل 400 دولار فقط، وبدون تقديم وثائق جديدة”.
وثائق مفقودة وميراث معلق
قصة مشابهة يرويها ماهر (37 عاما) من مدينة إدلب، اكتشف أثناء إجراءات الإرث أن والده المعتقل في سجون النظام سُجِّلت وفاته بعد أربع سنوات من وفاة شقيقه، وفق السجلات الرسمية.
يقول لـ”963+”: “طلبوا مني أجيب شهادة وفاة بالتاريخ الصحيح، بس والدي كان معتقل، وما منعرف وقت مات بالضبط غير التاريخ اللي وثقه النظام”.
ويضيف: “هلأ بدهم شهود أو تنازلات من الورثة، بس العيلة متفرقة بين دول ومناطق، وكل واحد عنده وجعه”.
وهذه الأخطاء تمتد إلى مناطق عديدة كانت خارج سيطرة النظام، وأخرى تتعلق بالمفقودين في سجونه، حيث غابت التوثيقات الرسمية واضطر الناس للاعتماد على شهادات شفهية أو تقديرات تقريبية للتواريخ.
وتُوفي زوج السيدة وفاء كامل (47 عاماً) خلال الحملة العسكرية على داريا عام 2013، وتقول: “لم أتمكن من النظر في عيني زوجي قبل دفنه.. استشهد في جبهة القنال ودفنه رفاقه حيث كانوا”.
وتضيف: “ما قدرنا نوثّق الوفاة وقتها، ولا حتى نطلع شهادة وفاة، وكل شي تأجل، الإرث، الملكية، حتى دفتر العيلة”.
وبعد سنوات، عندما حاولت تصحيح الوضع القانوني، اصطدمت بواقع معقد: “قالولي لازم شهود ووثائق رسمية من وقت الوفاة، بس وقتها ما في لا مستشفى ولا مختار ولا حتى نفوس. يعني بدهم شي مستحيل”.
تتنهد أم خالد وتضيف بنبرة خافتة: “أولادي صاروا كبار، وكل واحد عم يشتغل ليعيش، بس أملاك أبوهم بعدها باسم الجد. لما رحنا نراجع، طلع الجد متوفي بعده بالورق، فكل شي صار باسم غيرنا. حتى ورقة تثبت حقنا مو قادرين نجيبها”.
المعاناة التي تتحدث عنها السيدة رافقت عشرات العوائل وبشكل أخص ذوي القتلى الذي شاركوا في معارك ضد النظام وعاشوا في مناطق كانت خارجة عن سيطرته، حيث يوضح تقرير صدر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان في أواخر العام 2024، أن النظام حوّل الحصول على الوثائق المدنية من حق طبيعي إلى وسيلة ابتزاز للمواطنين، مستخدماً مؤسسات الدولة لفرض السيطرة والتمييز السياسي.
ويوثق التقرير أن أجهزة الأمن تتدخل في منح أو رفض الوثائق، بما فيها شهادات الوفاة وتسويات الميراث، عبر اشتراط الموافقات الأمنية وفرض رشاوى ضخمة، الأمر الذي جعل الفساد منتشراً داخل مؤسسات التسجيل المدني.
كما يشير إلى أن حرمان عائلات المعتقلين والمختفين من الحصول على وثائق الوفاة يهدف لإخفاء جرائم القتل خارج نطاق القانون، ويؤكد أن فقدان الوثائق الرسمية أدى إلى حرمان ملايين السوريين من التعليم والرعاية الصحية والملكية.
تجميد السجل العقاري بعد سقوط النظام
أصدرت وزارة العدل في الحكومة الانتقالية في كانون الأول 2024 قراراً بتجميد العمل في السجل العقاري، شمل تعليق تسجيل عقود البيع والشراء، وتجميد تحديثات الملكية في مختلف المحافظات، وذلك بهدف إعادة تنظيم الملكيات المرتبطة بالنظام السابق والتثبت من شرعيتها.
إلا أن هذا القرار قيّد قدرة الأفراد على إثبات ملكياتهم أو نقلها قانونياً، حتى في الحالات ذات التوثيق السليم. كما عطّل القرار مهل الطعن في قضايا الملكية العالقة، مما جعل آلاف القضايا القضائية متوقفة، وساهم في تعقيدات قانونية، خصوصاً في المناطق التي شهدت موجات نزوح أو تغيّب طويل للمالكين الأصليين.
وزاد الأمر تعقيداً أن إتمام معاملات الإرث، بما في ذلك فرز الحصص وتثبيت الملكيات بين الورثة، كان يتطلب الحصول على “براءة ذمة مالية” من الدوائر المختصة، وهي الوثيقة التي توقّف إصدارها طوال فترة التجميد، ما أدى إلى تراكم كبير في ملفات الإرث وعدم قدرة الورثة على استلام أو تسجيل حصصهم رسمياً.
ومنذ 21 حزيران/ يونيو الفائت، أعلنت الوزارة استئناف عمليات نقل الملكية العقارية، إلا أن قضايا الإرث وتقسيم الممتلكات لا تزال تواجه تعقيدات كبيرة على أرض الواقع، لاسيما بسبب فقدان الكثير من الأوراق الثبوتية وعقود الملكية ما جعل المسألة أكثر صعوبة، ويضطر الأشخاص للجوء إلى المخاتير والجيران لتحصيل شهادتهم لإثبات ملكية ما.
إجراءات قانونية معقدة
ويشرح المحامي جلال شعيب لـ”963+” أن مثل هذه القضايا ليست جديدة، بل بدأت بالظهور منذ عام 2018 مع عودة بعض المؤسسات للعمل.
ويقول: “الإجراء القانوني لتصحيح الخطأ يُعرف بدعوى تصحيح واقعة وفاة، وهي تحتاج إلى شهود عدول أو مستندات رسمية تثبت التسلسل الزمني، وغالباً ما تكون مكلفة ومعقدة”.
ويضيف: “التكلفة اليوم باتت معقولة بحسب اتعاب القضية ولكنه مرهقة لذوي العائلة المدعية، بينما كانت قبل سقوط النظام تصل إلى أكثر من 1000 دولار، بحسب الوسيط والمنطقة”.
ويشير شعيب إلى أن المشكلة الأساس هي الانقطاع الطويل للمؤسسات الرسمية عن الناس خلال الحرب، إضافة إلى ضعف التنسيق بين دوائر النفوس والمحاكم الشرعية، وضياع كثير من السجلات الورقية في تلك الفترة.
ويرى أن معالجة هذه الملفات تحتاج إلى هيئة عدلية مستقلة تتولى مراجعة السجلات المدنية والعقارية المتأثرة بالحرب، وتوثيق الوفيات بأثر رجعي عبر لجان قضائية تعتمد شهادات المجتمع المحلي والبيّنات الواقعية، بدلاً من الاقتصار على وثائق يصعب الحصول عليها.
وتبقى هذه القصص شاهداً على حجم الفوضى التي خلّفتها الحرب، ليس فقط في الحجر والحياة اليومية، بل حتى في أبسط الحقوق الإنسانية: أن يحصل المرء على تاريخ وفاته، وأن يورّث أبناءه ما تبقّى من اسمه وملكه في سجلاتٍ لم تعد تعترف بالزمن ولا بالعدالة.










