يشير مفهوم أو مصطلح “الدولة العميقة” إلى القوى أو المجموعات أو الشخصيات المؤثرة وغير الرسمية التي تعمل خلف الكواليس وتضم عاملين في المؤسسات العسكرية أو الأمنية أو مسؤولين حكوميين ليسوا ضمن الصف الأول في الدولة حيث تتواجد هذه الظاهرة في العديد من الدول حول العالم ويمتد تاريخها إلى عقود طويلة من الزمن.
وتؤثر “الدولة العميقة” على السياسة العامة للدولة أو الحكومة مع قدرتها على إعادة تأهيل نظام الحكم ورسم سياسات الدولة الأساسية الداخلية والخارجية بشكل غير معلن وهو ما حدث في العديد من الدول بما فيها الولايات المتحدة الأميركية وتركيا وإيران ومصر وغيرها من الدول في المنطقة وعلى مستوى العالم.
وفي حوار خاص لـ “963+” مع المستشار القانوني حسن الحريري تحدث من خلاله عن تاريخ “الدولة العميقة” في سوريا وخطورتها بالإضافة إلى حقيقة تغلغلها داخل الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص ومدى ارتباط “الدولة العميقة” بأزمة التحول السياسي والديموقراطي في دول المنطقة.
وفي ما يلي الحوار كاملاً:
ما حقيقة وجود “الدولة العميقة” في سوريا وما هو تاريخها وخطورتها؟
إذا تحدثنا عن النظام السوري السابق بالفعل كان هناك دولة عميقة في حقبة حكم حافظ الأسد وابنه بشار حيث لم يكن هناك مفهوم دولة بالمعنى الحقيقي أو مؤسسات دستورية تخضع لسيادة القانون، كان هناك مجموعة من الأشخاص مسيطرين على الدولة لدرجة تحولت فيه هذه الدولة إلى ملكية خاصة. هذا يقودنا إلى خطورة المشهد من حيث انهيار الدولة التي تضم مؤسسات من المفترض أن تخضع لسيادة القانون والرقابة وأدواتها وهو ما كان غير موجود الأمر الذي يؤكد وجود الدولة العميقة في سوريا قبل التحرير وكل ما تحدثت به ينطبق أيضاً على العديد من دول العالم التي تعاني من تحكم مجموعة من الأشخاص النافذين بمصير الدولة بشكل كامل وهو ما شاهدناه بأمثلة كثيرة حول العالم خلال العقود الماضية وصولاً إلى سوريا التي استطاع فيها الشعب من إسقاط النظام بعد ثورة امتدت منذ عام 2011.
هل هناك ارتباط مباشر بين “الدولة العميقة” وأزمة التحول السياسي والديموقراطي في دول المنطقة؟
بالتأكيد هناك ارتباط وثيق بين وجود الدولة العميقة وأزمة التحول السياسي والديموقراطي وذلك لأن مجموعة الأشخاص الذين يشكلون الدولة العميقة لا تناسبهم ولا تنسجم معهم تطلعات الشعب في الحرية والديموقراطية وسيادة القانون والدولة المدنية. وهنا عندما تتعارض مصالح هؤلاء الأشخاص مع أهداف الشعب يتم تحويل هذه الدولة إلى دولة عبارة عن كانتون مغلق تتحكم فيها مجموعة محددة تقوم برسم سياسات معينة للبلد بما يتناسب مع مصالحها الشخصية بعيداً عن مصالح الشعب والدولة نفسها.
هل وجود “الدولة العميقة” يقتصر على الأنظمة الاستبدادية فقط؟
ليس بالضرورة، فهناك دول تضم مجموعة من المنظرين هؤلاء يقومون بتقديم النصح والإرشادات ويملكون مساحة واسعة من الفكر والبعد السياسي والإلمام بالتالي يقومون بدور إيجابي من أجل خدمة بلادهم وهذا يقود للقول بأن الدولة العميقة يفترض أن تكون بالمعنى الإيجابي وليس بالمعنى السلبي كما تشهده دول المنطقة وهو ما يقودنا نحو مفهوم ليس شائع بشكل كبير بالنسبة للدولة العميقة التي يمكن أن تعمل للصالح العام وليس لمصالحها الشخصية والخاصة.
هل الحكومات هي مجرد خيال ودول العالم تسير عبر “شبكة سرية” من بيروقراطيين وعسكر؟
قولاً واحداً وبالتأكيد خاصة مع وجود “الدولة العميقة” في العديد من الأنظمة على مستوى العالم والتي تقوم بتسيير مسؤولي الحكومة. النظام الدولي في الكثير من الأحيان قائم على إنتاج مجموعات ومؤسسات وأنظمة دولية ديكتاتورية وهو ما حدث بعد انتصار الدول الكبرى في الحرب العالمية الثانية حيث تم إنتاج نظام دولي يتوافق مع أهدافها ومصالحها وعلى سبيل المثال مجلس الأمن وحق النقض (الفيتو) الذي يتم استخدامه للمصالح الخاصة لهذه الدول بعيداً عن الأهداف التي وجد بالفعل من أجلها والمتمثلة في الحفاظ على الأمن والسلم الأهلي العالمي حيث نجد استمرار بؤر التوتر والصراعات في العالم وخاصة في منطقة الشرق الأوسط لكن في الوقت نفسه نلاحظ محاولة الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب وقف الصراعات والحروب في العالم الأمر الذي يبشر بالخير والاستقرار الذي يرغب به كافة سكان العالم.
كيف تنظر إلى تغلغل “الدولة العميقة” في الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص؟
“الدولة العميقة” ليست حكراً أو إنتاج الدول والأنظمة العربية التي ولدت حديثاً بعد اتفاقية “سايكس بيكو” لكن قبل الدول العربية ودول الشرق الأوسط كان هناك دول كثيرة ظهرت فيها “الدولة العميقة” كبريطانيا والدول الأوروبية. هذا المصطلح والمفهوم المسمى بـ “الدولة العميقة” ليس منتج تم اختراعه في المنطقة العربية ولكن تم ظهوره قبل ذلك في مناطق أخرى حول العالم فالأمر مرتبط بشكل رئيسي بمدى قدرة سكان هذه الدولة أو تلك على المحافظة على قيم الديموقراطية والعيش المشترك والعكس صحيح فتصاعد نفوذ “الدولة العميقة” يأتي مع وجود التوترات الداخلية سواء كانت اقتصادية أو معيشية أو سياسية.
هل تتجه “الدولة العميقة” على مستوى العالم نحو الزوال والتفكك أم لا؟
هذا المشهد يرتبط بالقانون بمعنى في حال تفعيل القوانين بما ينسجم مع الدساتير والعقود الاجتماعية التي تنظم الدول سيكون هناك أجهزة رقابة على عمل مؤسسات الدولة الإدارية أو المالية بالتالي ستخفض سيطرة واستئثار “الدولة العميقة” على كافة مناحي ومجالات الحياة ومن هنا يكون من الصعب بل المستحيل قيادة تحول سياسي أو ديموقراطي للدولة والبقاء على نظام حكم يمتد لعقود كما حدث ومازال يحدث في منطقتنا العربية ودول الشرق الأوسط على وجه التحديد والخصوص أما فيما يتعلق بالجانب الآخر لا أعتقد أن “الدولة العميقة” ستزول أو تختفي خلال الفترة الحالية أو حتى بعد عقود والسبب يعود إلى الصراع البشري على المال والنفوذ والصراع السياسي والتجاري والاقتصادي الذي يتصاعد يوماً بعد يوم داخل الدول وفيما بينها أيضاً.










