مع دقات أجراس المدارس إيذاناً ببدء عام دراسي جديد، تعود إلى الواجهة معاناة قديمة يعيشها طلاب المرحلة الإعدادية في منطقة المزة 86 بدمشق. هؤلاء التلاميذ يُضطرون يومياً إلى قطع مسافة طويلة نحو مدارس تقع في المزة فيلات غربية، بسبب غياب المدارس الإعدادية الكافية في منطقتهم، حيث لا تتوافر سوى مدرستين ابتدائيتين لا تستوعبان الأعداد المتزايدة من الطلاب.
مشكلة تبدو للوهلة الأولى إدارية بسيطة، لكنها سرعان ما تتحول إلى أزمة يومية تثقل كاهل الأهالي والأطفال، لتكشف عن فجوة واضحة بين الإمكانات المتاحة والحاجات الفعلية لأبناء المنطقة.
اقرأ أيضاً: مبادرة “مكتبة المجد” في دير الزور.. نافذة للشباب على القراءة والإبداع – 963+
مشي طويل يرهق الصغار
على طريق ضيق ومزدحم، تسير الطالبة رنا سليمان (13 عاماً) مع شقيقتها كل صباح من منزلها في المزة 86 باتجاه مدرستها في المزة فيلات غربية.
تقول والدتها نسمة دروبي لـ”963+”: “لا نملك أجرة المواصلات بشكل يومي. ولو أردت أن أرسل ابنتي بوسيلة نقل عامة سأحتاج ما لا يقل عن ستة آلاف ليرة يومياً، وهذا مبلغ يفوق قدرتي. لذلك تضطر بناتي إلى المشي نصف ساعة ذهاباً ونصف ساعة إياباً، مهما كانت الأحوال الجوية، سواء مطراً في الشتاء أو شمساً حارقة في الصيف”.
هذا المشي اليومي لا يرهق الأطفال جسدياً فحسب، بل ينعكس سلباً على حالتهم النفسية أيضاً، إذ يصلون إلى المدرسة متعبين قبل بدء الدرس الأول.
دراجات نارية.. وسيلة محفوفة بالمخاطر
في المقابل، يحاول بعض الأهالي تجاوز أزمة المواصلات باستخدام الدراجات النارية (الموتورات) لنقل أبنائهم.
يقول محمد إسماعيل، موظف حكومي لـ”963+”: “الموتور هو الوسيلة الأسرع والأقل تكلفة بالنسبة لي. أوصل أولادي للمدرسة في عشر دقائق فقط، لكنني أعيش قلقاً دائماً من مصادرة الدراجة في أي لحظة، خصوصاً مع الحملات الأمنية ضد الدراجات غير المرخصة. أشعر أنني أتنقل بين خطرين: إما أن أترك أولادي يتكبدون المشي، أو أستخدم الموتور مع خوف دائم من فقدانه”.
وهكذا تحولت الدراجة النارية من وسيلة نقل عملية إلى مصدر تهديد إضافي، إذ إن مصادرتها قد تعني حرمان العائلة من خيارها الوحيد.
سرافيس جماعية.. حل مرهق مالياً
من جهة أخرى، لجأت بعض الأسر إلى الاشتراك في سيارات (سرافيس) جماعية مخصصة لنقل الطلاب. ورغم أن هذا الخيار يوفر الوقت والجهد، فإنه يفرض عبئاً مالياً ثقيلاً.
تقول فاطمة سليمان لـ”963+”: “اتفقنا مع سائق على نقل أولادنا يومياً من المنزل إلى المدرسة. صحيح أن الأمر أكثر راحة وأماناً، لكنه يكلّفنا شهرياً مبلغاً يفوق طاقتنا، خاصة أننا نملك أكثر من طالب. ومع الظروف الحالية، بالكاد نؤمّن الطعام والقرطاسية”.
لذلك يبقى الاشتراك في النقل الجماعي خياراً مناسباً لمن يستطيع تحمّل تكلفته، لكنه يبقى مستبعداً لدى غالبية الأسر محدودة الدخل.
وفي مشهد مغاير، تتمتع عائلات أخرى تمتلك سيارات خاصة برحلة لا تتجاوز عشر دقائق، بلا عناء ولا تكاليف إضافية.
يقول الطالب يزن جديد لـ”963+”: “أبي يوصلني كل يوم بسيارتنا. أصل بسرعة ودون أي تعب. أحياناً أرى زملائي يمشون مسافات طويلة أو ينتظرون السرافيس طويلاً، عندها أشعر أنني محظوظ مقارنة بهم”.
وينعكس هذا التفاوت بوضوح على الطلاب أنفسهم، ويولّد إحساساً بالتمييز وعدم العدالة بينهم.
اقرأ أيضاً: الاستثمارات في سوريا: بين الوعود الاقتصادية والمخاطر السياسية – 963+
معاناة مركّبة للأهالي
أمام هذه الظروف، يعيش الأهالي سباقاً يومياً بين الوقت والمال. كثيرون يتأخرون عن أعمالهم بسبب مرافقة أبنائهم أو انتظار وسائل النقل، فيما يضطر آخرون إلى إنفاق جزء كبير من دخلهم الشهري لتغطية تكاليف المواصلات.
يقول أحد أولياء الأمور لـ”963+”: “نحن لا نطالب بالكثير، فقط مدرسة إعدادية واحدة داخل المزة 86 تكفينا لتخفيف هذا العذاب اليومي. أليس من حق أولادنا أن يتعلموا في مدارس قريبة من بيوتهم؟”
ولا تقتصر آثار هذه الأزمة على الأهالي والطلاب، بل تمتد إلى العملية التعليمية نفسها. فالإرهاق الناتج عن المشي الطويل أو الانتظار المرهق في وسائل النقل يضعف تركيز الطلاب داخل الصفوف ويؤثر على مستواهم الدراسي.
كما أن بعض الأسر قد تفكر بتسرب أبنائها من المدرسة، خصوصاً عندما تعجز عن تغطية تكاليف النقل لأكثر من طالب.
الحاجة إلى حلول جذرية
ومع استمرار هذه المعاناة عاماً بعد عام، تزداد الحاجة إلى حلول جذرية، أبرزها إحداث مدارس إعدادية جديدة داخل المزة 86 لتخفيف الضغط عن الطلاب وأسرهم. كما يمكن العمل على توفير خدمة نقل طلابية مدعومة، بتكلفة مقبولة، تضمن الأمان والراحة.
فالمواصلات، التي قد تبدو تفصيلاً صغيراً في العملية التعليمية، تتحول في دمشق إلى عائق كبير يهدد حق الطلاب في التعليم، ويضاعف معاناة العائلات في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة.










