ظلّ مفهوم الدولة العميقة حاضراً في النقاشات السياسية حول سوريا والمنطقة العربية منذ عقود، إذ يشير عادةً إلى منظومة غير مرئية من النفوذ الأمني والعسكري والسياسي تتحكم بمسار الدولة بعيداً عن المؤسسات الرسمية. تقوم هذه المنظومة على مزيج من القوة الصلبة، ممثلةً بالأجهزة الأمنية والعسكرية، والقوة الناعمة التي تمنحها التحالفات مع رجال أعمال نافذين، إضافة إلى المؤسسات الدينية والإعلامية التي تضفي عليها غطاءً شرعيًا وأخلاقيًا. بهذا المعنى، فإن الحديث عن الدولة العميقة في سوريا يرتبط مباشرةً بآليات إنتاج السلطة والحفاظ عليها، سواء في مراحلها المبكرة أو خلال العقود الأخيرة وصولًا إلى المرحلة الانتقالية الراهنة.
غير أن الباحث في العلاقات الدولية في فرنسا، طارق زياد وهبي، يرى أن هذا المفهوم لا ينطبق على سوريا كما هو الحال في بعض الدول الأخرى. ويوضح أن الدولة العميقة، في معناها الكلاسيكي، ترتبط عادةً بجهاز إداري وبيروقراطي راسخ يتفاعل مع القوى السياسية، فيؤثر في القرارات بما يتجاوز التوجهات الآنية للأحزاب أو الفرقاء، كما في الولايات المتحدة أو فرنسا أو ألمانيا. أما النظام السوري، وفق وهبي، فلم يقم على مثل هذه النخب، بل كان نظاماً أمنياً ومخابراتياً بامتياز. ويضيف أن ما يجري اليوم في سوريا لا يعدو كونه انعكاساً لدور المستشارين الخارجيين القادمين من دول غربية أو إقليمية، الذين يملكون شبكات مصالح سابقة ويسعون من جهة إلى المساهمة في تسيير شؤون الدولة، ومن جهة أخرى إلى ضمان امتيازات مستقبلية مع مرحلة إعادة الإعمار، وهو ما يشكّل في رأيه نسخة مشوّهة أو “مسخًا” لفكرة الدولة العميقة.
اقرأ أيضاً: الشرع أمام الجمعية العامة: سوريا تمثل فرصة للسلام ونطالب برفع كامل العقوبات – 963+
الجذور التاريخية
تعود الجذور التاريخية لفكرة الدولة العميقة في سوريا إلى الحقبة الاستعمارية. ففي زمن الانتداب الفرنسي، لم تكن السلطة الحقيقية بيد المؤسسات الرسمية الناشئة، بل بيد ضباط فرنسيين ونخب محلية مرتبطة بهم بشكل غير معلن. هذا الوضع شكّل البذرة الأولى لقيام بنية موازية تتحكم بالقرار السياسي والإداري من وراء الستار. ومع الاستقلال، لم يتغير الجوهر كثيرًا، وإن تغيّرت الأشكال. فقد برز العسكريون والأجهزة الأمنية كالقوة الحقيقية المقررة في مصير الدولة، متماشين مع دينامية إقليمية أوسع في العالم العربي، حيث حلّت الشبكات الأمنية–العسكرية محل النخب المدنية في قيادة الدولة.
عهد الأسد وتكريس الدولة العميقة
مع صعود حافظ الأسد إلى السلطة، دخلت سوريا مرحلة أوضح في تكريس الدولة العميقة. فقد أعاد النظام هيكلة الأجهزة الأمنية والجيش، وربطها بشبكة مصالح اقتصادية وسياسية مغلقة. أصبحت السلطة موزعة بين أجهزة الاستخبارات المختلفة، فيما بقيت المؤسسات الرسمية واجهة شكلية. اعتمد النظام على أدوات متشابكة لتثبيت هيمنة هذه البنية، أبرزها حالة الطوارئ المستمرة منذ 1963، والتحالف مع رجال أعمال نافذين، إضافة إلى توظيف المؤسسات الدينية لإضفاء مشروعية على الحكم.
وقد ترسّخ هذا النموذج أكثر خلال عهد بشار الأسد، حيث تحولت الأجهزة الأمنية إلى اللاعب المركزي في إدارة السياسة والمجتمع والاقتصاد. غدا المجتمع محكوماً بمنظومة أمنية معقدة، تراقب تفاصيل الحياة اليومية وتضبط الفضاء العام، فيما احتُجزت المؤسسات المدنية داخل أطر شكلية بلا قدرة على الفعل المستقل.
العميد الركن الدكتور حسن جوني، أستاذ العلوم السياسية، يوضح أن الحالة السورية هنا كانت استثنائية عالميًا، إذ لم تكن هناك مسافة بين الدولة العميقة والدولة الظاهرة.
فبحسب جوني، تماهى الجهاز الأمني مع الدولة نفسها، بحيث كان القادة الأمنيون يشكّلون الواجهة الظاهرة للحكم وفي الوقت ذاته يمثّلون جوهر الدولة العميقة. الثورة السورية عام 2011، كما يضيف، شكّلت بداية ضعف هذه المنظومة دون أن يعني ذلك انهيارها المباشر. فقد استمر الهيكل الأمني طوال سنوات الحرب، لكنه فقد تدريجيًا نطاق سيطرته لصالح القوى الأجنبية التي دخلت لدعم النظام، حتى سقط النظام نهائياً في الفترة 2023–2024، ومعه انهارت كل التوظيفات الأمنية وغير الأمنية التي قامت عليها أسس الحكم.
اقرأ أيضاً: تصعيد أم ردع؟ قراءة في احتمالات المواجهة بين أنقرة وتل أبيب – 963+
الثورة وتشظي الدولة العميقة
اندلاع الثورة السورية عام 2011 كان لحظة مفصلية كشفت هشاشة البنية الداخلية للدولة العميقة. الانشقاقات العسكرية والاحتجاجات الشعبية هزّت أركان المنظومة الأمنية، لكن بدلاً من انهيارها، أعيد إنتاجها بأشكال جديدة. فقد أدّت الحرب الأهلية الطويلة إلى إدخال لاعبين جدد إلى المشهد: فصائل مسلحة محلية، جماعات جهادية، قوى إقليمية مثل إيران وتركيا، ودول كبرى كروسيا. وبهذا، لم تعد الدولة العميقة كيانًا واحدًا، بل طبقات متراكبة من النفوذ تتقاطع فيها مصالح متعددة، ما زاد المشهد السوري تعقيداً.
المرحلة الانتقالية و”الدولة العميقة الجديدة”
مع سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 بعد نحو ربع قرن من الحكم، برزت مرحلة جديدة مع وصول أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقًا) إلى رأس السلطة الانتقالية.
لكن هذا التحول لم يُنهِ فكرة الدولة العميقة، بل أعاد تشكيلها في صورة مختلفة أطلق عليها البعض “الدولة العميقة الجديدة” أو “دولة المجاهدين”.
وتقوم هذه على شبكة من الفصائل الجهادية، وفي مقدمتها هيئة تحرير الشام، إضافة إلى فصائل أخرى تعمل تحت إشراف مباشر من ضباط ارتباط في الاستخبارات التركية. هذه الشبكة تسيطر على القرارات الحاسمة في التعيينات الحكومية والتحركات العسكرية والسياسات الاجتماعية، بينما تبقى حكومة الشرع واجهة تنفيذية تمنح الغطاء الرسمي.
هذا النموذج يعكس صراعاً داخلياً بين تيارات إسلامية مختلفة: السلفية الجهادية التي تسعى إلى اختراق مؤسسات الدولة لبسط نفوذها المباشر، في مقابل التيار الإخواني المدعوم من تركيا وقطر، الذي يحاول بناء نموذج أكثر براغماتية لدولة إسلامية تراعي التوازنات الإقليمية والدولية. وفي كلا الحالتين، يبقى القرار النهائي محكومًا بشبكات قوة غير رسمية تعمل من الظل، ما يضعف قدرة السلطة الانتقالية على تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي.
لكن جوني يلفت إلى أن الحديث عن دولة عميقة في هذه المرحلة غير دقيق، لأن بناء مثل هذه البنية يحتاج إلى وقت ومؤسسات راسخة. فالانتقال الحالي جرى فوق ركام نظام منهار، ولا توجد استمرارية أو روابط مع المؤسسات السابقة يمكن البناء عليها. ويرى أن النظام الجديد يتشكل من الصفر في مختلف المجالات، وأن الأجدى الآن هو التركيز على دور الدول المتدخلة في الشأن السوري، التي تسهم بدرجات متفاوتة في بناء النظام الجديد عبر الدعم المباشر أو من خلال صراعات النفوذ.
اقرأ أيضاً: تصعيد أم ردع؟ قراءة في احتمالات المواجهة بين أنقرة وتل أبيب – 963+
حدود المسؤولية الداخلية والخارجية
ورغم محاولات الشرع تقديم نفسه كرئيس مدني عبر خطوات مثل حل مجلس الشعب، إلغاء دستور 2012، دمج قوات سوريا الديمقراطية، وإطلاق مسار حوار وطني، إلا أن النفوذ الفعلي لا يزال بيد شبكات مسلحة وأمنية تعمل خارج الأطر الرسمية وتحت تأثير مباشر للقوى الإقليمية.
هنا يشدد وهبي على أن هذه الحالة لا يمكن توصيفها بوجود دولة عميقة بالمعنى الحقيقي، بل أقصى ما يمكن الحديث عنه هو تشابهات محدودة ناتجة عن الارتباطات الخارجية. ويؤكد أن السلطات السياسية القائمة تتحمل مسؤولية مباشرة عن مستقبل السوريين وموقع البلاد في محيطها العربي والإقليمي، وكذلك في علاقتها مع “أعداء الوطن العربي” مثل إسرائيل. وختم بالقول إن معالجة الأزمة لا تتم عبر اتهام المستشارين الخارجيين فقط، بل من خلال إدراك مسؤولية السلطات الحاكمة في تحديد مسار البلاد ومستقبلها.
ويمكن القول إن التجربة السورية مرت بمرحلتين متمايزتين: الأولى في عهد الأسد، حيث جسّدت الأجهزة الأمنية الدولة العميقة التقليدية المتماهية مع الدولة نفسها، والثانية بعد 2011، حيث أدت الحرب والمرحلة الانتقالية إلى بروز مشهد أكثر تعقيدًا وهشاشة. لكن، كما يخلص كل من وهبي وجوني، فإن مفهوم الدولة العميقة بالمعنى الكلاسيكي لا ينطبق على سوريا اليوم. فالمشهد الحالي أقرب إلى شبكة مصالح متداخلة بين فصائل محلية وقوى إقليمية ودولية، وهو ما يجعل مستقبل سوريا مرهونًا بقدرة القوى المدنية والسياسية على تجاوز هذه البنية أو التعايش معها ضمن معادلة نفوذ إقليمي طويلة الأمد.










