لم يعد التعنيف الاصطلاحي في سوريا مجرد انعكاس لغضب أو انفعال عابر، بل أصبح بنية قائمة تتحكم في مفردات بعض السوريين وتوجه مواقفهم، حيث تحولت لغة التخاطب على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أداة “تحقير وإقصاء”، وأصبح النقاش العام ميداناً لتصفية الحسابات بدلاً من أن يكون مساحة لإنتاج وعي جديد، ومن هنا تبرز العديد من الأسئلة حول كيفية إعادة بناء الوعي الجمعي، وإعادة الاعتبار إلى مفهوم المواطنة، فالمسألة لم تعد خياراً تجميلياً بل ضرورة وجودية لمستقبل سوريا.
وفي حوار مع “963+” مع السياسي والديبلوماسي السوري، بشار علي الحاج علي الذي أجاب عن تساؤلات عدة حول دور النخب السورية المثقفة في كبح جماح موجة التعنيف الاصطلاحي، وتصاعد خطاب الكراهية نتيجة الفشل بتوظيف الاختلافات السياسية وغيرها من الأسئلة والاستفسارات.
وفي ما يلي الحوار كاملاً:
كيف يمكن إعادة تشكيل الوعي الجمعي السوري في ظل “مصطلحات التحقير” المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي؟
الوعي الجمعي لا يُعاد تشكيله عبر الشعارات بل من خلال عملية طويلة ومعقدة تبدأ من التربية وتنتهي بالخطاب السياسي والإعلامي، اليوم نعيش في فضاء مفتوح تسيطر عليه وسائل التواصل الاجتماعي التي حوّلت الكلمة إلى سلاح يومي، حيث بات السوري يسمع ويستخدم مصطلحات جارحة تلخص الآخر في وصف مهين، هذه الظاهرة ليست سطحية بل تعكس حالة القهر المتراكم والانقسام الحاد، المطلوب هنا أن تتحول هذه المنصات من فضاء تفريغ سلبي إلى مجال لإنتاج لغة جديدة قوامها الاعتراف والاحترام، وإذا لم يتبنَّ الفاعلون السياسيون والإعلاميون خطاباً مسؤولاً، فإن أي جهد لإعادة بناء الوعي سيظل مبتوراً.
من يتحمل مسؤولية انتشار خطاب الكراهية في سوريا بعد سقوط النظام المخلوع؟
المسؤولية هنا متعددة الأبعاد، فهي ليست فقط نتاج غياب المعارضة القوية أو المؤسسات السياسية البديلة، بل نتيجة غياب الحرية السياسية والاجتماعية لعقود طويلة، إضافة إلى تباين وجهات النظر والرؤى لسوريا الثورة وما بعدها، وغلبة لون واحد على إدارة المرحلة، وتقوقع بعض الأطراف وشعور أخرى بالنصر، كل ذلك صنع بيئة قابلة لانفجار خطاب الكراهية، نحن أمام مجتمع حُرم طويلاً من التنفس السياسي الطبيعي، فحين انفجرت اللحظة التاريخية لم يكن يملك الأدوات الصحيحة لإدارة الاختلاف، بل استعان بأدوات جاهزة من قاموس الإقصاء والانتقام.
ما دور النخب السورية المثقفة في كبح جماح موجة التعنيف الاصطلاحي؟ وهل الحديث عن ركوب هذه النخب الموجة نفسها صحيح؟
النخب السورية مطالبة بدور مضاعف لأنها تمثل الجسر بين الفكرة والمجتمع، وبين الغضب الشعبي والتأطير السياسي، لكن واقع الحال يُظهر أن بعض النخب انجرفت بالفعل مع موجة الكراهية، إما لتثبيت شرعية شخصية أو لتعويض عن عجز سياسي، بينما نخب أخرى حاولت أن تتمسك بخطاب عقلاني فوجدت نفسها مهمشة، هنا يبرز سؤال أخلاقي: هل النخبة أداة تفسير وتهذيب أم أداة استقطاب وتحشيد؟ في لحظات التحول التاريخية يصبح وزن النخب كبيراً، وإذا لم تجرؤ على السباحة عكس التيار، فهي عملياً تفقد وظيفتها كمصفاة للوعي العام.
هل الشعب السوري يعيش في “بوتقة ضيقة” قائمة على الطائفية أو القومية أو العشائرية بعيداً عن الوطنية؟
لا يمكن إنكار أن المجتمع السوري كان وما زال محكوماً بعوامل الطائفة والقومية والعشيرة، لكن ذلك ليس قدراً ثابتاً، بل نتاج سنوات طويلة من الكبت والاضطهاد السياسي والاجتماعي، وعدم تبلور مفهوم المواطنة والمساواة في الوعي والسلوك، النظام السابق عمّق هذه البوتقة عبر سياسات الفرز والتمييز، وحين انفجرت الثورة خرجت كل هذه التصدعات دفعة واحدة، الوطنية لم تكن غائبة تماماً لكنها لم تُترجم إلى عقد اجتماعي حديث، ما نراه اليوم هو صراع بين هذا الانتماء الضيق والبحث عن أفق وطني أوسع، والمستقبل مرهون بقدرة السوريين على تحويل الألم إلى فرصة لصياغة هوية مشتركة تتجاوز الانقسامات.
هل بات من الضروري والمطلوب تأسيس معجم وطني يتجه نحو مشروع جدي لعدالة انتقالية بعيداً عن التعنيف الاصطلاحي؟
نعم، لأن اللغة ليست بريئة بل هي حامل للذاكرة الجماعية ومحدّد للهوية، تأسيس معجم وطني ليس مشروعاً لغوياً بحتاً بل خطوة نحو عدالة انتقالية، لأنه يضبط الحدود بين النقد والشتيمة، بين الاختلاف والشيطنة، تجارب دول مثل جنوب أفريقيا أو رواندا أظهرت أن ضبط اللغة جزء من المصالحة، في رواندا مثلاً جرى حظر الألفاظ التي تحقّر الآخر بعد الإبادة الجماعية، وتم إدخال لغة بديلة في المناهج والإعلام، نحن بحاجة إلى شيء مشابه، لا كرقابة سلطوية بل كوعي جمعي يرفض الانحدار، معجم وطني هو بداية لتطبيع ثقافة الاحترام والاعتراف، وهو شرط لبناء ذاكرة مشتركة غير مسمومة.
هل الفشل في الاختلاف السياسي في سوريا أدى إلى تصاعد خطاب الكراهية؟ وما هي الحلول برأيك؟
الفشل في إدارة الاختلاف السياسي هو أحد أكبر أسباب انفجار الكراهية، إذ تحوّل الخلاف السياسي إلى انقسام هوياتي وجودي، ما جعل كل طرف يرى في الآخر تهديداً لا شريكاً، هذا الفشل نتاج غياب التجربة الديمقراطية التاريخية، والحلول تبدأ بإنشاء فضاءات حقيقية للحوار، إدماج قوى المجتمع المدني، وإعادة الاعتبار للثقافة السياسية التي تضع الإنسان قبل الشعارات، كما أن إدخال مسار قانوني لمكافحة خطاب الكراهية ضروري، يمكن الاستفادة من تجارب أوروبا الشرقية بعد سقوط الأنظمة الشمولية، حيث فُرضت معايير قانونية لمواجهة العنصرية وخطاب التحريض، كذلك في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية كان القانون أداة لإعادة ضبط المجال العام، وهذه التجارب تثبت أن المعالجة لا تكون أخلاقية أو سياسية فقط، بل تحتاج إطاراً قانونياً ملزماً.
ما موقع الشباب والمؤثرين في المشهد الراهن؟
الشباب هم الطاقة الأكبر في المجتمع السوري اليوم، لكنهم أيضاً الفئة الأكثر تعرضاً لتشوهات الخطاب الرقمي، فهم يعيشون في فضاء مفتوح بلا ضوابط، حيث يختلط الوعي بالسطحية، والمسؤولية هنا مزدوجة، فبدلاً من أن يكون المؤثرون جسراً لنشر قيم المواطنة والانفتاح، انخرط بعضهم في صناعة محتوى سطحي أو تعبوي، بينما فئة أخرى تحاول فعلاً أن تصنع وعياً مختلفاً، المطلوب اليوم أن يُعاد توجيه طاقة الشباب من مجرد الاستهلاك الرقمي إلى الإنتاج النقدي، وأن يتحول المؤثرون إلى شركاء في صناعة الوعي لا مجرد تجار متابعة وإعلانات.
ولا يخفَّ على القارىء ظاهرة الفوضى الإعلامية اليوم التي هي واحدة من أبرز أسباب استدامة خطاب الكراهية، فالمشهد الرقمي يعج بالمعلومات المتضاربة والمحتوى الاستفزازي، وهذا يخلق حالة من التضليل الجماعي تجعل الجمهور غير قادر على التمييز بين الخبر والتحريض، الحل لا يكون بتقييد حرية التعبير أو فرض رقابة قسرية، بل بوضع ضوابط واضحة للمعايير المهنية، مثل التحقق من المصادر، الفصل بين الخبر والرأي، وتحديد المسؤولية القانونية للأفراد والمؤسسات عند نشر محتوى تحريضي، إضافة إلى برامج للتثقيف الإعلامي وتعليم الجمهور كيفية التعامل مع الفضاء الرقمي، هذا الأسلوب يحول الفوضى إلى مساحة آمنة نسعى فيها لإنتاج خطاب عقلاني ومسؤول، ويمنع التحريض دون المساس بحرية التعبير.
ربما نحن في مرحلة انتقالية ليست فقط سياسية بل اجتماعية وقيمية، مرحلة تُختبر فيها قدرة السوريين على إعادة تعريف ذواتهم ومفاهيمهم، فالمجتمع اليوم يقف أمام سؤال فلسفي بقدر ما هو عملي: هل يريد أن يبقى أسير أطر ضيقة من طائفة وقومية وعشيرة، أم يتجاوزها إلى مفهوم المواطنة الجامعة؟ إن بناء وطن ليس مجرد رسم حدود أو تغيير نظام، بل إعادة صياغة المنظومة القيمية التي تربط الأفراد بالجماعة، وإذا فشل السوريون في هذا الامتحان القيمي، فإن أي حل سياسي سيظل هشاً وعرضة للانفجار.
اقتباس: “المعركة المقبلة ليست عسكرية فقط ولا سياسية فحسب، بل معركة على الوعي واللغة والذاكرة، وإذا لم ننجح في إعادة ضبط قاموسنا السياسي والاجتماعي فسنبقى أسرى دائرة الكراهية”.










