بينما تتسارع وتيرة التفاعلات الإقليمية والدولية حول الملف النووي الإيراني، تصف الأوساط السياسية في إيران بدء الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) تفعيلَ مسارٍ زمنيٍ مدته ثلاثون يوماً لآلية “الزناد”، الذي قد يؤدي إلى إعادة فرض العقوبات الدولية على طهران، بأنه “خطوة غير قانونية”.
وتواجه إيران معطيات هذه اللحظة الحرجة التي تضعها في اختبار معقّد؛ فبين الضغوط الأوروبية والأميركية واستمرار التهديدات الإسرائيلية ترتفع احتمالات التصعيد الميداني واندلاع سيناريو الحرب مجدداً.
وتتجسَّد محددات الضغوط الأوروبية والأميركية تجاه البرنامج النووي الإيراني في محاولة تقويض عمل أذرعها الوظيفية، لا سيما جماعة “الحوثي” في اليمن، والضغط على “حزب الله” لتسليم سلاحه وفقاً لخطة الجيش وقرارات الحكومة اللبنانية.
وينظر إلى هذه التطورات ضمن إطار أوسع يشمل معادلات النفوذ والقوة في منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى مسارات الصراع والمنافسة الدولية. وتشير المعطيات الحالية إلى وجود مواجهة سياسية واقتصادية وعسكرية تقودها الولايات المتحدة بدعم أوروبي عبر تفعيل “آلية الزناد”، في حين يسعى الطرف المقابل إلى استثمار الوقت والمناورة على حواف التفاوض، مع احتمال أن تؤدي هذه التحركات إلى تصعيد أكبر إذا لم تُدار بشكل متوازن.
لا إمكانية حقيقة
وفي هذا السياق، تقول منى السيلاوي، الباحثة في الشأن الإيراني، إن المعطيات الواقعية تُشير بوضوح إلى أن إيران ليست لديها إمكانيات حقيقية للقيام بتصعيد عسكري، كون مجالها الجوي مفتوحًا أمام الهجمات العسكرية الخارجية، خاصة بعد خسارتها جانبًا كبيرًا من قدرات الدفاع الجوي.
كما تشير السيلاوي لـ”963+” إلى أن طهران اختبرت في الصراع الأخير مدى استعداد الحلفاء للمساندة، وأن هناك ضعفاً واضحاً في مستوى الدعم العسكري والسياسي.
وبناءً على ذلك، تختتم الباحثة في الشأن الإيراني منى السيلاوي حديثها أن “إيران تدرك جميع هذه المعطيات، ولذلك تعمل على كسب الوقت واستثماره، والتحرك في الساحة دون تكبد أي خسائر حقيقية”.
وفي تحرك لافت، تولي أوروبا اهتماماً بارزاً بالملف الإيراني على خلفية مناهضة السماح لطهران بتطوير برنامج نووي متكامل.
ويأتي هذا التوجه الأوروبي في إطار حزمة السياسات الأميركية المناهضة للبرنامج النووي الإيراني، وهو ما بدا واضحاً من خلال التصريحات الصادرة خلال الأسابيع الأخيرة، التي شددت على أن “إيران يجب ألا تتمكن أبداً من حيازة سلاح نووي، فهذه أولوية لا تتزعزع بالنسبة للأمن الأوروبي والعالمي”.
حذر أوروبي
وبحسب تصريحات عمار تاسائي، الباحث في الشأن الإيراني لـ”963+”، فإن الأوروبيين بدأوا يدركون أن إيران “لن تتوقف عند حدّ في طموحاتها النووية”، موضحاً أن هذا الإدراك ترافق مع حالة من اليأس من المسار الديبلوماسي معها.
ويضيف أن الحرب في أوكرانيا، والدور الإيراني فيها عبر تزويد روسيا بالطائرات المسيّرة منذ بدايتها، شكّلا دافعًا إضافيًا للأوروبيين لاتخاذ موقف أكثر حزمًا تجاه طهران.
ويبيّن تاسائي أن غياب المرونة والتعاون الكافي من جانب إيران مع فرق التفتيش والمراقبة على منشآتها النووية، دفع الأوروبيين إلى قناعة واضحة بأن “الوقت قد حان لتفعيل آلية الزناد”، خاصة أنهم يخشون أن تفوتهم هذه الفرصة التي أتاحها الاتفاق النووي لعام 2015.
ويردف: “لهذا السبب يسعى الأوروبيون إلى استغلال الفترة الزمنية المتبقية قبل فوات الأوان”.
وفي المقابل، يوضح الباحث أن طهران دأبت على استخدام ملفها النووي كورقة ضغط للحصول على أكبر قدر من الامتيازات من الأوروبيين والمجتمع الدولي.
واستطرد قائلاً: “إيران لوّحت مراراً بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، غير أن من المستبعد أن تُقدِم على هذه الخطوة، لأنها تدرك ما قد يترتب عليها من تبعات كارثية، تبدأ بضربة عسكرية محتملة من الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تنتهي بانضمام أوروبا إليهما سياسياً وربما عملياً”.
ويضيف تاسائي أن الانسحاب سيعني عملياً طرد فرق التفتيش ووقف الرقابة الدولية، الأمر الذي سيمنح العالم انطباعًا بأن إيران تسعى لامتلاك السلاح النووي. “وهذا بحد ذاته”، كما قال، “خطر جسيم لا يمكن لطهران تجاهل عواقبه”.
“واشنطن حسمت أمرها”
وعن الموقف الأميركي، يبيّن تاسائي أن واشنطن حسمت أمرها، فهي تريد برنامجاً نووياً إيرانياً سلمياً بحتاً، بمستوى تخصيب منخفض جداً، مع فرض رقابة على البرنامج الصاروخي الإيراني.
ويشير إلى أن “تجاهل الولايات المتحدة عدة طلبات إيرانية لاستئناف المفاوضات يؤكد أنها تدرك حساسية المأزق الذي تمر به إيران، وتسعى إلى زيادة الضغط عليها حتى تضطر للتفاوض من موقع ضعف”.
أما عن إسرائيل، فقد استنتج تاسائي أن احتمالية توجيهها ضربات عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية تبقى قائمة، لكنها مرهونة بالتقييم الاستخباراتي لديها ولدى الولايات المتحدة، لا سيما فيما يتعلق بمستوى التخصيب الذي وصلت إليه إيران.
ويضيف: “إذا تبيّن أن طهران بلغت مستويات تخصيب عالية، فإن ذلك سيُعتبر تهديدًا وجوديًا لإسرائيل، وقد يدفعها لشن هجمات استباقية”.
ويخلص الباحث في الشأن الإيراني إلى أن “تفعيل آلية الزناد من قبل الأوروبيين سيضاعف ضعف الموقف الإيراني، وقد يشجع إسرائيل على استغلال هذا الظرف لتوجيه ضربات أكثر شدة وتدميرًا لمنشآت إيران النووية. وفي النهاية، فإن طهران تجد نفسها اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما الدخول في مسار تفاوضي جاد يضمن لها بعض المكاسب، أو المضي في سياسة التصعيد التي قد تفتح الباب على مواجهة مفتوحة لا تُحمد عقباها”.
وكان قد قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إنّ “البعض يظن أن آلية الزناد أشبه بزناد السلاح، الذي إذا شُدّ تندلع الحرب، لكن الأمر ليس كذلك إطلاقًا”.
وشدّد عراقجي على أنّ بلاده “مستعدة للتفاوض مع الأوروبيين والولايات المتحدة على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة”.
بدوره، يؤكد اللواء أركان حرب ياسر هاشم في حديثه لـ “963+” أن التصعيد العسكري ليس خياراً بعيداً، غير أن جوهر الموقف سيظل قائماً على استمرار الضغط على إيران وتشديد العقوبات المفروضة عليها. فالانسحاب الأميركي من اتفاقية خطة العمل الشاملة المشتركة، الذي جاء في الولاية الأولى للرئيس ترامب، يكشف بجلاء أن واشنطن لن تعود إلى الاتفاق ببنوده القديمة التي رفضتها ونددت بها من قبل.
أما على الصعيد الأوروبي، فقد بدا الموقف في البداية رافضاً للانسحاب الأميركي، إلا أن الحقائق المستجدة قلبت المعادلة: استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم بلا قيود، وتراجعها عن التعاون مع الوكالة الدولية، إلى جانب المراوغة في المفاوضات، فضلاً عن حرص الأوروبيين على إرضاء واشنطن؛ كلها عوامل دفعت أوروبا نحو موقف أكثر تشدداً. ومن ثم لجأت إلى تفعيل آلية الزناد، التي تحتاج نحو شهر من المراجعات قبل أن تُرفع إلى مجلس الأمن لإقرار إعادة فرض العقوبات الدولية السابقة.
نقطة أخرى بحسب الخبير العسكري المصري، “تبدو روسيا، في الظاهر، راضية عن الضغط الغربي طالما يخدم مصالحها الاستراتيجية، غير أن مقترحاتها لحل الأزمة لم تلقَ قبولًا لدى طهران، ما يضعها في موقع المراقب المستفيد أكثر من الفاعل المؤثر”.
أما الموقف الإسرائيلي–الأميركي فيسعى إلى تحييد كل أشكال التهديد الإيراني، سواء أكانت نووية أو صاروخية أو عبر الأذرع الإيرانية المنتشرة في المنطقة. وهذا التوجه يتجاوز بكثير سقف الاتفاق السابق، مما يجعل فرص التوصل إلى اتفاق جديد شبه معدومة.
وبناءً على ما تقدم، يشير هاشم إلى أن “إيران اليوم أكثر عرضة من أي وقت مضى للضغوط الدولية عبر سلاح العقوبات، وهو ما يضعها أمام خيارين لا ثالث لهما: العودة إلى سياساتها السابقة (منذ عام 2006)، عبر محاولة الالتفاف على العقوبات والتركيز على تحصين الداخل تحت شعار “مقاومة الاضطهاد العالمي”.
والتصعيد الميداني أو غير المعلن، سواء من خلال أذرعها في المنطقة أو عبر عمليات تهدف إلى إرباك المشهد الإقليمي وزعزعة الحسابات الدولية.
وخلاصة القول، إذا ما اختارت طهران طريق التصعيد، فإن ذلك قد يقود – وفق تقدير هاشم – إلى موجة جديدة من المواجهات المباشرة، تتسع أطرافها ومجالاتها، الأمر الذي ينذر بمزيد من التوتر وعدم الاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.










