في قلب العاصمة البريطانية، حيث تسير الحياة بخطى متسارعة، تبرز قصة شاب هزت الأوساط الطبية ودفعت بها إلى منطقة مجهولة، تحير فيها الأطباء بين قوانين العلم الثابتة ورواية إنسان يعيش كابوساً لا يبدو له نهاية.
أوليفر ألفيس، ذلك الشاب الطموح الذي كان يقطع الحياة بثبات، يقود القطارات ويحلق في السماء بطائرته الخاصة، وجد نفسه فجأة في مواجهة عدو غير مرئي يحرمه من أبسط حقوق الجسد: النوم.
لم تكن مجرد ليلة أو أسبوع من الأرق، بل هي رحلة استمرت عامين كاملين، يقول أوليفر خلالها إنه لم ينم ولو لساعة واحدة تشعره بالراحة. تحولت حياته من نظام دقيق مليء بالإنجازات إلى فوضى عارمة.
فقد أوليفر منزله الذي دفع ثمنه بساعات عمله الطويلة، وترك وظيفته التي كانت مصدر فخره، وانفصلت عنه شريكته، ولم يعد يتبقى منه سوى جسد منهك وروح منهوكة. “إنه اختفاء تام للنوم”، كما يصفه. “أنا عالق في حالة يقظة دائمة، أيام لا تنتهي تتحول إلى ليال لا تنتهي. وهذا عذاب”.
ما يزيد من غموض القصة هو مقاومة جسد أوليفر المذهلة للتخدير. وفقاً لروايته، خضع لحقن العقاقير المستخدمة في تخدير المرضى قبل العمليات الجراحية، ومع ذلك بقي وعيه حاضراً.
اقرأ أيضاً: الحرب السورية وصحة المجتمع: ندوب لا تندمل في الجسد والذاكرة
جسده، الذي كان يوماً مثالاً للصحة واللياقة، أصبح سجناً من الألم: ضغط مروع في الرأس، مفاصل وعظام تصرخ، عينان تشعران بالذوبان، وجهاز هضمي عاجز عن أداء وظيفته. لم يعد قادراً على المشي بشكل مستقيم، أو التواصل مع الآخرين، أو استشعار أي متعة في الحياة.
في الجهة المقابلة من المعادلة، يقف العلم حائراً. البروفيسور غاي ليشزينر، خبير اضطرابات النوم، يؤكد أن “الأرق التام حالة قاتلة”، مشيراً إلى أن الحيوانات التي تحرم من النوم تموت خلال أيام. من المستحيل بيولوجياً أن يعيش الإنسان دون نوم بهذه الصورة المطلقة.
التفسير الطبي الأقرب هو “الأرق المتناقض”، حيث ينام المريض فعلياً ولكن دون أن يدرك ذلك، وتظهر أجهزة التخطيط الدماغي فترات نوم قصيرة وسطحية.
لكن أوليفر يرفض هذا التفسير جملة وتفصيلاً. “الأمر ليس في رأسي. أعرف جسدي. لا توجد راحة، لا استعادة للطاقة، لا لحظة غياب للوعي”.
اليأس قاد أوليفر إلى عبور القارات. من عيادات لندن إلى مستشفيات ألمانيا، ومن مختبرات الولايات المتحدة إلى علاجات الهند البديلة.
كتب إلى كل خبير يمكنه الوصول إليه، وتوسل إلى الأطباء أن يراقبوه لأسابيع، أن يجربوا عليه أي علاج، أن يمنحوه أقوى المهدئات.
الردود كانت متشابهة: إما تجاهل، أو اعتذار بالعجز. حتى والدته، التي عاد للعيش معها، وقفت عاجزة عن فهم كيف انقلبت حياة ابنها بهذه الصورة المأساوية.
وفي منعطف جديد، أبدى فريق من علماء الأعصاب في جامعة ستانفورد اهتماماً بحالته. بعد أن أرسل أوليفر ملفه الطبي، بدأوا بدراسة حالته عن بُعد.
اقرأ أيضاً: كيف يؤثر “قلق المستقبل” على الشباب السوري؟
أحد الباحثين علق قائلاً: “ما يصفه أوليفر قد يكون مفتاحاً لفهم كيفية عمل النوم في الدماغ. إذا تمكنا من دراسة حالته عن قرب فقد نكتشف آلية جديدة للتحكم في النوم”.
تعتبر قصة أوليفر ألفيس لغزاً يحير العقول. إنسان أنهكته حالة نادرة تجعله يشاهد العالم من خلف زجاج سميك، يعيش كل تفاصيل الحياة دون أن يستطيع المشاركة فيها.
هي أيضاً تذكير بقصور العلم أمام بعض أسرار الجسد البشري، لكل ما هو معروف ومُسلم به في عالم الطب. بين يقين العلم وشهادة الإنسان، بينما يستمر أوليفر في سعيه المحموم للحصول على شيء لا يفكر فيه معظم الناس. نوم هانئ يمنحه راحة تستحق أن تُسمى حياة.










