أعلنت وزارة الطاقة السورية الاثنين الماضي، استئناف تصدير النفط الثقيل من مصب ميناء طرطوس غرب البلاد، للمرة الأولى منذ سنوات. وجاء ذلك وفق بيان نشر على قناة الوزارة بمنصة “تلغرام”، أشار إلى تصدير 600 ألف برميل من النفط الثقيل على متن ناقلة نفط لصالح شركة طاقة، دون الإفصاح عن تبعية الشركة.
وبحسب البيان، تمت هذه الخطوة في إطار التوجيهات الحكومية وخطط الإدارة العامة للنفط بوزارة الطاقة لتعزيز حضور سوريا في الأسواق النفطية الخارجية، معتبراً أن هذا الإنجاز يُعد خطوة مهمة في إعادة تنشيط قطاع النفط وتوسيع آفاق التعاون مع الشركات العالمية، على أن تتبعها عمليات تصدير لاحقة خلال الفترة القادمة.
وتقع معظم حقول النفط السورية في الشمال الشرقي من البلاد، ضمن مناطق تخضع لسيطرة قوات سوريا الديموقراطية (قسد). وشهدت هذه المناطق تطورات متعددة خلال السنوات الماضية، حيث بدأت الجهات الفاعلة هناك تزويد الحكومة السورية بالنفط في شباط/فبراير الماضي، لكن العلاقات شهدت توترات لاحقة بسبب مخاوف تتعلق بالإقصاء الاجتماعي وحقوق الأقليات.
وفي سياق متصل، أعادت سوريا في حزيران/يونيو الماضي تصدير منتجات نفطية غير خام من مصفاة بانياس التابعة لمحافظة طرطوس، حيث تم إرسال شحن أولي بحجم 30 ألف طن متري إلى الأسواق الدولية. وتعد بانياس، التي تقع شمال طرطوس بحوالي 35 كم، موقعاً استراتيجياً لاحتوائها على أكبر مصفاة نفطية في سوريا وميناء متخصص بتصدير واستيراد الخام.
وتأتي هذه التطورات بعد إصدار قرار تنفيذي برفع العقوبات عن سوريا، مما مهد الطريق لبدء شركات مقرها الولايات المتحدة بوضع خطط لاستكشاف واستخراج النفط والغاز السوريين. كما وقعت سوريا مذكرة تفاهم بقيمة 800 مليون دولار مع شركة موانئ عالمية لتطوير وإدارة وتشغيل محطة متعددة الأغراض في طرطوس، بعد إلغاء عقد سابق مع شركة كانت تدير الميناء.
وتشير تقارير صحفية إلى أن هذا التصدير يعتبر محاولة لإحياء قطاع النفط السوري الذي تراجع إنتاجه بشكل حاد من 390 ألف برميل يومياً إلى حوالي 40 ألف برميل يوميًا في عام 2023، بعد أن كانت سوريا تصدر 380 ألف برميل يومياً في عام 2010.
في المقابل، يطرح محللون تساؤلات جوهرية حول المستفيد الحقيقي من عائدات النفط، خاصةً أن الأمور في سوريا ما تزال في مرحلة أشبه بحرب باردة يمكن أن تنشب في أي وقت. ويعبر بعض المحللين عن تشكيكهم في أن تستفيد الشرائح المجتمعية التي تضررت جراء الحرب وتعيش حالة من الفقر المدقع من هذه العوائد بشكل ملموس.
انتعاش للخزينة.. الأولويات تُحدد الهدف
وأعلنت الحكومة السورية، في تموز/يوليو الماضي عن مزايدة لتصدير كمية من النفط الثقيل، إذ تنتح سوريا النفط بنوعيه الخفيف والثقيل، حيث يكون النوع الأول الأكثر قبولاً بسبب سهولة تكريره، بينما ستعمل الحكومة على تصدير النفط الثقيل بسبب تهالك البنى التحتية.
ويؤكد محمد أحمد الخبير الاقتصادي في شركة كرم الشعار للاستشارات، لـ “963+”، أن عائدات النفط ستذهب إلى خزينة الدولة، وأن ريع بيع النفط سيُستخدم لتقديم الخدمات للسوريين دون استخدامه في التعزيزات العسكرية.
ويشير إلى أن عائدات تصدير النفط تخضع لمبدأ وحدة الموازنة، حيث لا تُخصص عائدات الموازنة لدعم قطاع معين فقط، بل تدعم الخزينة العامة القطاع الأمني ودفع رواتب العسكريين، كما تُخصص مبالغ معينة للأسلحة وتجهيزات وزارتي الدفاع والداخلية بحسب الأولويات الحكومية، معتبرًا أن إعادة الإعمار تُعد أولوية لدى الحكومة السورية.
ويضيف أن عوائد أول شحنة نفط من سوريا بعد رفع العقوبات ستدخل إلى احتياطات المصرف المركزي السوري من القطع الأجنبي، وسوف تؤثر مع الوقت على سعر صرف الليرة السورية، لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير سعر الصرف بشكل فوري، بسبب عدم تبنّي المصرف سياسة تهدف إلى تحسين قيمة الليرة السورية خلال فترة زمنية محددة.
ويتابع أن انعكاس تصدير النفط السوري على الداخل، من حيث تأمين الوقود للسوريين، يتعلق بقدرة الحكومة على الموازنة بين العرض والطلب في الصادرات والواردات من المواد النفطية. فبينما تتجه الحكومة لتصدير النفط الخام الثقيل، تطرح عروضًا لتأمين المشتقات النفطية واستيراد نفط خام خفيف لتكرير جزء منه محليًا.
ويؤكد أن عوائد النفط ستكون حافزاً للسلام وتعزيز السلم الأهلي والاستقرار، حيث ستساهم هذه العوائد في تقديم الخدمات وتحسين رفاهية السوريين وإعادة إعمار البلاد. لكنه يحذر من أن الأمر قد يؤدي إلى صراع في حال سعى أي طرف للاستيلاء على العوائد قبل دخولها إلى خزينة الدولة.
ويشير إلى أن تصدير النفط السوري تم إلى إيطاليا، في وقت تدعم فيه دول عالمية وإقليمية عملية عودة سوريا إلى السوق العالمية، خاصة بعد رفع العقوبات، حيث تؤيد غالبية دول العالم عملية إعادة الإعمار في سوريا.
شكوك
يقول آلان بيري، الكاتب السياسي وخريج جامعة فيينا كلية العلوم السياسية في النمسا، لـ “963+” إن الحديث عن عودة تصدير النفط الخام السوري يثير تساؤلاً جوهرياً حول المستفيد الحقيقي من عائداته: هل ستذهب هذه الأموال إلى الخزينة العامة لخدمة الشعب، أم إلى التعزيزات العسكرية وخدمة جماعات معينة؟
ويضيف بيري: “لم نر حتى الآن أي بوادر تشير إلى أن الأموال العامة تُستخدم لأغراض التأسيس لبنية تحتية تستفيد منها كافة شرائح المجتمع”. في المقابل، يشير الكاتب السياسي إلى “تزايد ملحوظ في حجم الإنفاق على التشكيلات العسكرية”، والتي تبدو من وجهة نظر السلطة الحالية أولوية، “نظراً لأنها تورطت حتى الآن في أعمال عنف استهدفت مناطق الساحل والسويداء”.
ويؤكد بيري أن الأمور في سوريا ما تزال في مرحلة أشبه بحرب باردة يمكن أن تنشب في أي وقت، مشيراً إلى أن هذه الحالة مستمرة منذ سقوط نظام الأسد. ويوضح أن “المجازر التي حدثت في الساحل والسويداء أوضحت أن سوريا لم تخرج من منطق الحرب والتصفية والتطهير على أساس طائفي وإثني، وبسبب تباين الموقف السياسي أيضاً”.
ورداً على سؤال حول ما إذا كان تصدير النفط سيخفف من أزمة الوقود، يقول بيري: “المواطن السوري، وخصوصاً من الشرائح المجتمعية التي تضررت جراء الحرب وتعيش حالة من الفقر المدقع، لا يشغل حيزاً من اهتمامات السلطة الحالية”، معرباً عن اعتقاده بأن هذه الشريحة “لن تستفيد على نحو ملموس من السياسات الاقتصادية للسلطة، سواء الحالية أو تلك التي ربما تعد بتحقيقها في المستقبل”.










