لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد ابتكار تقني يثير الفضول، بل تحول إلى قوة محورية تعيد رسم ملامح سوق العمل العالمي، فمن المصانع والمكاتب إلى المؤسسات المالية وقطاعات الخدمات، باتت التقنيات الذكية تفرض حضورها بشكل غير مسبوق، لتعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والآلة، وتفتح الباب أمام أسئلة كبرى حول مستقبل الوظائف.
التطور المتسارع في الخوارزميات والأنظمة التفاعلية جعل من الممكن إنجاز مهام معقدة في ثوانٍ، بعدما كانت تحتاج إلى جهد بشري مضاعف ووقت طويل، هذا التحول العميق يضع الملايين من العاملين حول العالم أمام واقع جديد يتسم بتحديات كبيرة وفرص واعدة في آن واحد.
اقرأ أيضاً: غوغل تفتح أبواب الإعلان الرقمي لسوريا بعد رفع العقوبات الأميركية – 963+
لكن هذه الثورة التقنية ليست بلا ثمن، فالكثير من الوظائف التقليدية القائمة على التكرار والروتين باتت مهددة بالزوال، في حين تتقدم وظائف أخرى تحتاج إلى الإبداع والتفكير النقدي والقدرة على التفاعل الإنساني لتصبح أكثر أماناً، وهكذا يظهر التباين بين مهن يعززها الذكاء الاصطناعي وأخرى يتجاوزها ليحل محلها بشكل شبه كامل.
وبينما تتباين التقديرات بشأن حجم التأثير وسرعته، يتفق الخبراء على أن السنوات المقبلة ستشهد تحولات جذرية في طبيعة العمل، فالمعادلة لم تعد تقتصر على سؤال من سيفقد وظيفته، بل تشمل أيضا من سيتمكن من اكتساب مهارات جديدة تؤهله للتكيف مع سوق عمل يعاد تشكيله بفعل الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المشهد الوظيفي
يقول سامر كيلاني، المتخصص في الأمن السيبراني وأمن المعلومات والمقيم في لندن، في حديث خاص لـ”963+” إن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تهديد مستقبلي كما كان ينظر إليه قبل أعوام، بل تحول اليوم إلى قوة فاعلة تعيد تشكيل سوق العمل بشكل ملموس”، وأوضح أن التأثير يتركز حاليا على المهام داخل الوظائف أكثر من إلغاء الوظائف بشكل كامل، حيث يتم استبدال أجزاء من العمل البشري تدريجيا، خاصة بعد عام 2022 الذي شهد قفزة نوعية في استخدام التطبيقات الذكية داخل المؤسسات.
وأشار كيلاني إلى “أن طبيعة التغيير اختلفت خلال العقد الأخير ففي السابق كان التركيز على أدوار جزئية أو مهام بسيطة، أما اليوم فبدأت الوظائف المبتدئة تتراجع لصالح أدوار جديدة مرتبطة مباشرة بالذكاء الاصطناعي، مع إغراءات مالية وفرص عمل واسعة”، كما لفت إلى أن استجابة المؤسسات تغيرت بدورها، إذ باتت تعتمد على تسريح منظم وإعادة تأهيل موظفيها بدل الاكتفاء بخطوات تدريجية كما كان الحال قبل سنوات.
وحول قدرة الذكاء الاصطناعي على الحلول محل الإنسان، شدد كيلاني على أنه لا يمتلك الوعي أو الحكم الأخلاقي، وبالتالي يبقى عاجزا عن استبدال الإنسان في مهن تتطلب الإبداع، التعاطف أو التفاعل المعقد، مثل العلاج النفسي، القيادة الاستراتيجية والمفاوضات، وأضاف أن “الذكاء الاصطناعي لن يلغي البشر، لكنه سيلغي من يرفضون تعلم كيفية استخدامه”، مشيراً أن الفارق بين موظف ناجح وآخر متراجع سيكون في قدرته على توظيف هذه الأداة بذكاء.
وفي ما يتعلق بالوظائف الأكثر اعتمادا على التكنولوجيا في عام 2025، أوضح أن أبرزها يتمثل في الكتابة، الترجمة، خدمة العملاء، تطوير البرمجيات والتشخيص الطبي، وذكر أن الصين أعلنت أنها تقوم بتجربة أول مستشفى يدار بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي، حيث وصلت دقة التشخيص فيه إلى 93%، مع قدرة على التعامل مع نحو ثلاثة آلاف مريض يوميا، ما يعكس مدى توسع هذا القطاع.
اقرأ أيضاً: المنصات الإلكترونية: أداة الإعلام المستقبلي – 963+
في المقابل، يرى كيلاني أن هناك وظائف صعبة الاستبدال أبرزها الإدارة الاستراتيجية، التعليم القائم على التفاعل المباشر، القضاء، الدفاع، وبناء الثقة في العلاقات العامة، واعتبر أن ما يحمي هذه المهن هو ما سماه “إنسانية الإنسان”، أي التعاطف والإبداع والحكم الأخلاقي، مؤكدا في الوقت نفسه على ضرورة إدماج أدوات الذكاء الاصطناعي فيها لتعزيز كفاءتها.
أما عن مستقبل سوق العمل، فأوضح أن الذكاء الاصطناعي يلغي بالفعل بعض الفرص التقليدية، لكنه يفتح في الوقت نفسه مجالات جديدة بالكامل، مثل الإشراف على الأنظمة الذكية، هندسة البيانات، تطوير الخوارزميات وخبراء أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وقال إن “الخطر الحقيقي ليس في التقنية بحد ذاتها، بل في الأفراد الذين لا يسعون إلى تطوير مهاراتهم لمواكبة هذا التحول”.
وختم كيلاني بالتأكيد على أن الحكومات والشركات الكبرى تتحمل مسؤولية مباشرة في ضمان عدالة الانتقال إلى عصر الذكاء الاصطناعي، من خلال سياسات واضحة تحمي المجتمعات من تسريحات واسعة أو فجوة مهارات متزايدة، معتبرا أن ترك السوق وحده لقيادة التحول سيؤدي إلى تركز الفوائد في يد قلة وحرمان الأغلبية، بينما التدخل المنظم قد يضمن توزيعا أكثر عدالة للمكاسب
الذكاء الاصطناعي بين التهديد والفرص الجديدة
ترى الدكتورة سالي حمود، وهي أستاذة الذكاء الاصطناعي في الإعلام مقيمة ببيروت، في حديثها لـ”963+” أن تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل في عام 2025 يختلف جذريا عما كان عليه قبل سنوات قليلة، وأوضحت أن الانطلاقة الفعلية جاءت مع ظهور تطبيقات مثل ChatGPT في عام 2022، حيث شكلت هذه الطفرة نقلة نوعية لم تقتصر على إنتاج أدوات جديدة، بل شملت أيضا زيادة كبيرة في استهلاكها واستخدامها في الحياة اليومية والعملية، هذا التوسع، بحسب حمود، أسهم في جعل الناس أكثر تصالحا مع التكنولوجيا، ما أدى بدوره إلى صعود مضطرد في إنتاج أدوات الذكاء الاصطناعي، وهو ما انعكس بشكل مباشر على إزاحة بعض الوظائف التقليدية.
وأكدت حمود أن الذكاء الاصطناعي لا يزال حتى الآن مكملًا لقدرات الإنسان وليس بديلاً عنه، مشددة على ضرورة أن يبقى في هذا الإطار.
واعتبرت أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على صيغة “تعايش” بين الإنسان والآلة، وهو ما يستلزم، على حد وصفها، وضع ضوابط وحوكمة واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وأضافت أن الاعتماد الكامل على الآلة دون تدخل بشري قد يقود إلى “مشكلة كبيرة”، خاصة وأن هذه النماذج بحاجة إلى إشراف وتحكيم أخلاقي وقانوني.
وبحسب حمود، لا يزال استيعاب المؤسسات والحكومات لموضوع تبني الذكاء الاصطناعي في استراتيجياتها يشوبه الكثير من التخبط، إلا أن السباق العالمي لتطوير هذه النماذج يتجاوز الجانب الاقتصادي ليأخذ بعدا جيوسياسيا يشبه سباق التسلح بين القوى الدولية الكبرى.
وحول الوظائف الأكثر اعتمادا على الذكاء الاصطناعي اليوم، أشارت إلى أن أبرزها يتركز في الأتمتة، تصميم الغرافيك، البرمجة والتطوير، تحليل البيانات والأعمال الإدارية، حيث باتت بعض المؤسسات تستبدل العنصر البشري بأنظمة ذكية في إدارة التواصل وتنظيم الأعمال، وترى أن التأثير الحالي لا يقع على العمالة اليدوية كما حدث مع الثورة الصناعية، بل يصيب بدرجة أكبر الإداريين والتنفيذيين.
في المقابل، شددت حمود على أن هناك مجالات يصعب استبدال الإنسان فيها، أبرزها المهن الإبداعية، الأعمال اليدوية، والقطاع الطبي، نظرا لارتباطها بمهارات بشرية معقدة يصعب على الآلة محاكاتها.










