صاغت أحداث الشهور الماضية، منذ سقوط نظام الأسد الابن، دلالات عميقة على حتمية العمل ببنية تشاركية تضم جميع مكوّنات المجتمع السوري، وتدعيم الفعل الجمعي بما يتيح للجميع مجابهة تحديات المرحلة وتجاوز مخاطرها.
وقد شكّل المرسوم الرئاسي الخاص بانتخابات مجلس الشعب محطة فاصلة في خريطة الطريق نحو إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية الجديدة.
علامات استفهام
غير أن علامات استفهام برزت مع قرار المضيّ قُدُماً في تنفيذ الاستحقاق الانتخابي مع تأجيله في ثلاث محافظات سورية، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى جدارة المجلس الجديد في هذه المرحلة الدقيقة، وقدرته على صياغة القوانين والتشريعات اللازمة لعبور المرحلة الانتقالية بشرعية تامة وكاملة.
فقد جاء قرار استبعاد المحافظات الثلاث (السويداء، الرقة، الحسكة) من العملية الانتخابية بدعوى الظروف الأمنية ليفتح الباب أمام مقاربات متباينة: بين من يرى في الخطوة تأسيسًا لمرحلة دستورية جديدة، ومن يعتبرها إجراءً انتقائيًا يعكس موازين القوى على الأرض.
وعليه، لا يمكن النظر إلى الاستحقاق الانتخابي المقبل إلا من منظورٍ حاسمٍ ودالّ، يكشف عن مدى قدرة الحكومة السورية في دمشق على إدارة التعددية وضمان تمثيل وطني شامل.
هذا وقد أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، يوم الأربعاء الماضي، المرسوم رقم (143) لعام 2025، القاضي بالمصادقة على النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب.
وأوضح رئيس لجنة انتخابات مجلس الشعب أن العمل بالإجراءات العملية سيبدأ اعتباراً من اليوم التالي لصدور المرسوم، مشيراً إلى أن العدد الكلي لأعضاء المجلس حُدّد بـ210 أعضاء، يُنتخب ثلثاهم وفقاً لأحكام المرسوم.
وينص النظام الجديد على توزيع المقاعد بين المحافظات بحسب التوزع السكاني، بحيث تضم كل دائرة انتخابية مقعداً واحداً أو أكثر، وفق التقسيمات الإدارية. كما يجوز أن تتألف الدائرة من منطقة إدارية واحدة أو عدة مناطق.
ويُشكَّل في كل دائرة انتخابية “هيئة ناخبة” وفق أحكام المرسوم، تكون مهمتها انتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشعب. ويُحصر حق الترشح لعضوية المجلس بأعضاء هذه الهيئات الناخبة.
وبحسب المرسوم، يتم تحديد عدد أعضاء الهيئة الناخبة في كل دائرة انتخابية على أساس عدد المقاعد المخصصة لها مضروباً بالرقم خمسين، على أن لا يقل العدد عن ثلاثين عضواً في حال تعذّر استيفاء الشروط المطلوبة. كما يشترط في المرشح ألا يقل عمره عن 30 عاماً.
ذرائع
نحو ذلك، يقول حسن الدغيم، عضو اللجنة العليا للانتخابات، إن “الظروف الأمنية ووجود سلطات الأمر الواقع في محافظات السويداء والرقة والحسكة تحول دون إجراء العملية الانتخابية بشكل مرن وعادل ونزيه، بما يضمن مشاركة أبناء هذه المحافظات في اختيار مرشحيهم والمساهمة في تشكيل هيئاتهم الناخبة”.
ويوضح الدغيم في تصريحات لـ”963+”، “أن اللجنة، حرصاً على ضمان تمثيل حقيقي لأهالي المحافظات الثلاث، قررت تأجيل الانتخابات فيها إلى أقرب وقت ممكن تتوفر فيه الظروف المناسبة، مع التأكيد على الاحتفاظ بمقاعدها شاغرة في مجلس الشعب لحين إجراء الانتخابات”.
ويضيف عضو اللجنة العليا للانتخابات: “العملية الانتخابية ليست إجراءً إلكترونياً أو رابطاً عبر الإنترنت، بل عملية ميدانية تتم وفق التقسيمات الإدارية، وتشمل لجاناً فرعية للانتخابات، ولجان طعون ورقابة، وهيئات ناخبة يتراوح عدد أعضائها بين 30 و50 عضواً، وهؤلاء يحتاجون إلى بيئة آمنة ومحايدة للتنقل والترشح والإدلاء بأصواتهم، وهو ما لا يتوفر حاليًا في المحافظات الثلاث”.
ويقول الباحث في مركز جسور للدراسات، وائل علوان لـ”963+”، إن “استكمال تشكيل مجلس الشعب ضروري لإصدار تشريعات بديلة عن قوانين النظام السابق، ولإرساء دور رقابي على السلطة التنفيذية”.
كما يشدد على أن “المجلس الجديد سيكون معنياً بوضع دستور عصري للبلاد، معتبراً أن نجاح الانتخابات في موعدها يمثل خطوة محورية نحو بناء دولة سورية حديثة واستقرار سياسي ودستوري”.
“قرار سياسي”
من جانبه، يصف طارق حمو، الباحث في المركز الكردي للدراسات، قرار تأجيل الانتخابات في ثلاث محافظات بدعوى أنها غير آمنة بأنه “قرار سياسي بالدرجة الأولى”. ويوضح في حديثه لـ”963+” أن “هذه المحافظات آمنة بالفعل”.
ويبيّن حمو أن الهدف من إرجاء الاستحقاق في هذه المحافظات هو “ممارسة المزيد من الضغط عليها، وإعطاء انطباع للرأي العام بأنها خارجة عن إدارة الدولة”.
ويضاف أن “المقاعد المخصصة لهذه المحافظات قليلة جداً؛ فالسويداء خُصص لها 3 مقاعد، والرقة 3 مقاعد، والحسكة 6 مقاعد، ودير الزور 6 مقاعد. وهذه نسبة متدنية مقارنة بالمساحة التي تشغلها هذه المحافظات (أكثر من 30% من مساحة سوريا) وعدد سكانها (يقارب 30% من سكان سوريا)”.
ويختم بالقول إن “محاولة إرجاء الاستحقاق الانتخابي في هذه المناطق تأتي في إطار الضغط السياسي”.
نحو ذلك يقول المتحدث الرسمي باسم اللجنة العليا للانتخابات في سوريا أن “اللجنة أخذت في الحسبان عدم إمكانية إجراء انتخابات مجلس الشعب في محافظات الرقة والحسكة والسويداء، وأعدت ثلاث خيارات بديلة”.
ويوضح المسؤول السوري أن “هذه الخيارات تتمثل في أن يجري الاقتراع خارج هذه المحافظات، أو أن يتم تعيين نواب عنها تعييناً مباشراً، أو أن تترك مقاعدها شاغرة ريثما تتوافر الظروف المناسبة لإجراء الانتخابات فيها”.
بدوره، يشير الكاتب السوري براء عثمان، إلى أن التجربة التاريخية تؤكد حاجة الدول الخارجة من النزاعات إلى مؤسسات تمثيلية قادرة على إدارة التنوع.
ويتابع حديثه لـ”963+” موضحاً أن “مجلس الشعب الجديد يمكن أن يتحول إلى منتدى سياسي وطني يفرغ التوترات داخل قبة البرلمان بدلاً من الشارع والسلاح، ويلعب دور صمّام الأمان في مواجهة أي انتقالات أو أزمات، ليصبح مرجعًا جامعًا لإعادة إنتاج الشرعية السياسية”.
ويبيّن عثمان أن “النظام الداخلي الجديد لمجلس الشعب صيغ بروح مغايرة للنموذج الأسدي السابق؛ إذ يوسّع نطاق التمثيل البرلماني من خلال زيادة عدد المقاعد لاستيعاب الطيف السياسي والاجتماعي الأوسع الذي أفرزته مرحلة ما بعد سقوط الأسد. كما يكرّس مقاربة جندرية متقدمة عبر تخصيص نسبة ثابتة للنساء (كوتا نسائية) تتجاوز حدود الرمزية السابقة، وتفتح الباب أمام مشاركة فعلية للمرأة في التشريع وصنع القرار”.










