شهدت الأسواق في مختلف المحافظات السورية خلال الأيام الماضية تأثيرات مباشرة لموجة الحر الشديدة التي ضربت البلاد، حيث انعكست درجات الحرارة المرتفعة على حركة البيع والشراء وأسعار بعض السلع الأساسية في ظل تراجع القدرة الشرائية للمواطنين أصلا.
وعكست التقارير الأولية في المدن والمحافظات تباينًا في شدة التأثير، حيث سجلت المناطق الجنوبية، وخصوصًا ريف درعا، خسائر ملموسة في الأسواق بسبب تلف الخضار والفواكه سريعًا وتراجع حركة التسوق نهارًا هربا من الحرارة الشديدة.
ارتفاع أسعار الخضار والفواكه
فقد ارتفعت أسعار الخضار والفواكه بشكل واضح نتيجة سرعة تلفها، وخاصة الطماطم والخيار والبقدونس والخضار الورقية، حيث أكد باعة في درعا ودمشق أن نسبة الخسائر اليومية ازدادت بسبب فساد البضائع خلال ساعات قصيرة، ما دفعهم لتعويضها عبر رفع الأسعار.
كما تراجعت حركة الأسواق نهارًا إذ فضل الأهالي تأجيل التسوق إلى ساعات المساء هربًا من الحر الشديد، فيما شهدت محال اللحوم والألبان عزوفًا من الزبائن بسبب مخاوف من فساد المواد في ظل الانقطاع المستمر للكهرباء وعجز أجهزة التبريد عن حفظها.
الأفران بدورها واجهت ضغطًا إضافيًا مع ارتفاع استهلاك الخبز، بينما يعاني العاملون من صعوبة العمل وسط درجات حرارة عالية داخل الأفران، وتابع التقرير أن أسواق الثلج والمياه المعدنية شهدت إقبالًا غير مسبوق ما أدى إلى رفع أسعارها بشكل يومي.
اقتصاديون حذروا ونوهوا من أن استمرار الموجة الحارة قد يفاقم الأزمة المعيشية حيث يشكل ارتفاع الحرارة عبئًا إضافيًا على الأسر التي تعاني أساسًا من ضعف الدخل وارتفاع الأسعار، وأشار مواطنون إلى خشيتهم من فقدان بعض المواد الأساسية أو ارتفاعها أكثر إذا عادت موجة الحر في الأيام المقبلة.
اقرأ أيضاً: منتجات تركية تغزو الأسواق السورية.. تنافسية في الأسعار أم تهديد للصناعات المحلية؟ – 963+
خسائر سريعة وتذبذب الأسعار
يقول وليد الخبي صاحب محل خضار في ريف درعا في حديث مع “963+”: موجة الحر الأخيرة أثرت بشكل مباشر على عمله في السوق، حيث تتعرض الخضار والفواكه للتلف بسرعة غير معتادة.
ويوضح: “بالعادة بجيب 20 فلينة بندورة، لكن بأوقات الحر يلي حصل صرت أجيب فقط 4 أو 5 فلينات لأن البندورة تنضرب وتفقد صلاحيتها من شدة الحر، وهذا الشي دفعنا لرفع الأسعار ضعف ومنها ضعفين”.
ويضيف الخبي أن الفواكه الصيفية مثل الدراق والمشمش لا تتحمل حرارة الجو نهائيًا وتتعرض للتلف السريع، وكذلك الخضار الورقية التي نجيبها الصبح وبعد ساعتين نلاقيها صارت لونها أصفر وتروح تلف، وهي بالنسبة إلنا خسارة كبيرة، لا مرابح ولا حتى رأس مال.
ويشير إلى أن محال الخضار في العادة لا تتوفر فيها برادات لحفظ الفواكه التي تتأثر بالحر لأن مثل هذه الموجات نادرة جدًا ولا تستمر عادة سوى أيام محدودة، كما حصل في الأيام الماضية.
ويتابع الخبي موضحًا أن حركة البيع تراجعت بشكل واضح نهارًا بسبب شدة الحرارة لتتركز مساء، مع ذلك يواجه التجار ضغطًا من الزبائن الذين يستغربون ارتفاع الأسعار. وأضاف: “لو أن موجة الحر استمرت لأيام أخرى راح تأثر على المستهلك وراح تزيد الأسعار أضعاف مضاعفة لأنه راح يقل العرض والطلب على الخضار والفواكه.
تجربة الأهالي
يقول هاني محمد رب أسرة من ريف درعا في حديث مع “963+”: “موجة الحر الأخيرة كانت من أشد ما واجهه خلال حياته.
ويضيف: “والله صراحة اجت كم يوم حر بحياتي ما شفت مثلهم، أنا عمري 42 سنة ولأول مرة بشوف هيك حرارة، خزان المياه بيغلي من شدة الحر وما منقدر نطلع من البيت، مجرد الوقوف للحظات تحت الشمس يحس الواحد دماغه عم تغلي”.
ويتابع هاني محمد: ارتفعت الأسعار بشكل غير طبيعي، وكل النهار ما حدا ينزل عالسوق وما تلاقي أحد بالشوارع أبدا، باستثناء الناس اللي عندها سيارات شغالة عليها المكيفات لأن بالبيوت ما في كهرباء وما في مراوح، رغم هيك حاولنا نستغني عن كثير من الخضرة لأنه أصلا ما في نفس للطبخ والأكل من شدة الحر.
وحول شراء الخضار والفواكه يوضح: أغلب الناس ما حد يشتري إلا اللي عندهم طاقات شمسية يجيبوا فواكه ويحطوها بالبراد، ولكن الأغلب ما عندهم وما بيجيبوا عشان ما تنكسر أو تنخرب، وسعرها ارتفع أضعاف، لذلك أغلب الناس اتخذت قرار ما يشتروا فواكه”.
ويضيف عن صعوبة الخروج والشراء بالنهار: “قولا واحدا ما نطلع، أنا عندي موتور دراجة نارية وما بقدر أطلع تحت الشمس، صرنا نأجل كل أغراضنا الأساسية للمساء حتى تغيب الشمس، مع أنه حتى المساء الجو حار ورطوبة عالية، وأغلب المحلات مسكرة بالنهار وتفتح المساء”.
ويتابع هاني محمد عن تحضير الطعام: “الطبخ بأيام الحر ما عملناه لأن تشغيل الغاز بالمطبخ يزيد حرارة الجو والمطبخ يصير مستحيل تتحمل، بنفتح شباك المطبخ بيفوت علينا هوا مثل النار، وإذا طبخت الطبخة بعد ساعة بتخرب”.
ويؤكد أن البحث عن الثلج كان من أبرز معاناة الناس ويقول: الوحدة اللي بتخلي الناس تطلع للشوارع هي تبحث عن قوالب الثلج عشان نشرب مي باردة، ارتفعت أسعارها ضعفين، كان قالب الثلج 4000 ليرة ووصل 11 ألف، وكانت هي المعاناة الحقيقية بعد موجة الحر اللي ما قدرنا نتحملها.
ويشير هاني محمد إلى بعض الحلول البسيطة للتخفيف من الحر: كنا نبل البشكير أو المنشفة بالمي ونحطها على رؤوسنا لنخفف من المعاناة، مع أنه المي حامية مثل النار، ولكن بعد لحظات تبرد وتصير مقبولة وتبرد الجسم شوي، صراحة كانت موجة قاسية جدًا”.
اقرأ أيضاً: جفاف يهدد شمال شرقي سوريا.. المزارعون في أزمة والأسواق تترنح – 963+
خسائر الفروج
يقول عبد الملك طحان صاحب محل فروج حي في درعا في حديث مع “963+”: موجة الحر الأخيرة سببت خسائر كبيرة لمحلّه وللمزارع بشكل عام، وأضاف: “أول يوم بالحر جبت كالعادة 4 أقفاص فروج حي ووصلت للظهر ما بعت ولا طير من الفروج، وصل العصر كان ميت عندي 14 طير من شدة الحر، لأنه معروف إن فروج المزارع ما له روح وفورًا بيموت خصوصا لما الفروج يخنق بعضه البعض من شدة الحر.
ويوضح طحان أنه حاول استخدام مروحة لتبريد الفروج لكنها لم تكن فعّالة، وقال: ركبت مروحة وحطيتها للفروج ولكن بدون نتيجة، لأن المروحة أساسا تعطي هوا مثل النار، أول يوم خسارتي كانت 700 ألف ليرة، عملنا عروض على الفروج لتخفيض الأسعار، نزلناه من 18 ألف للكيلو للـ12 ألف، ولكن النتيجة كانت هي نفسها.
ويضيف: ثاني يوم من الحر سكرت وما فتحت المحل لأنه خسارة إذا بفتح ويموت الفروج، صراحة الوضع كان صعب والخسارة كبيرة بالنسبة إلي كمحل صغير، لكن الخسارة الأكبر كانت بمزارع الفروج، آلاف الطيور ماتت من شدة الحر.
معاناة عمال الأفران
يقول أحمد العلي، عامل مخبز بريف درعا لـ”963+”: العمل خلال موجة الحر الأخيرة كان أشبه بالعذاب بسبب ارتفاع درجات الحرارة داخل المخبز بشكل لا يُحتمل وأوضح: نحن بالعادة متعودين على حرارة الفرن العالية، لكن بهالأيام الحر من برا والحر من جوّا صار شي لا يطاق، درجة الحرارة داخل المخبز تتجاوز الخمسين، وكثير من العمال ما عادوا قادرين يتحملوا.
ويضيف أن ضغط العمل ازداد بشكل عام، ويقول: “الناس عم تطلب أكتر من المعتاد، ونحن مجبورين نشتغل ساعات طويلة بلا توقف، ومع الحرارة والعطش صار الوضع خانق جداً”.
ويتابع: بعض العمال أصيبوا بالإرهاق وضربة شمس، في حين لجأ آخرون إلى رش الماء على وجوههم ورؤوسهم كل بضع دقائق ليستطيعوا الاستمرار، الخبز هو المادة الأساسية للناس ما فينا نوقف الشغل، لكن الحقيقة إننا عم نشتغل فوق طاقتنا.
ويشير إلى أن ضعف التهوية وانقطاع الكهرباء فاقم من صعوبة العمل، مؤكدا أن موجة الحر الأخيرة أظهرت حجم المعاناة التي يعيشها عمال الأفران يوميا.
وتوضح تجربة الأهالي والتجار في ريف درعا مدى هشاشة الأسواق أمام موجات الحر الشديدة حيث تكشف الخسائر الكبيرة في المحلات والمزارع عن صعوبة تأمين المواد الأساسية وارتفاع الأسعار بشكل متسارع، كما تعكس المعاناة اليومية للأسر في ظل درجات الحرارة المرتفعة وانقطاع الكهرباء وغياب وسائل التبريد. وأشار التقرير إلى أن هذه الظروف تحذر من إمكانية تفاقم الأزمة المعيشية إذا عادت موجة الحر في الأيام المقبلة، مما سيزيد الضغط على المستهلكين والتجار على حد سواء.










