الجيش ركيزة أساسية لاستقلال الدولة وسيادتها واستقرارها، بوصفه الضامن لأمنها وسلامتها، وحامي حدودها. لا تقف أهميته عند البعد العسكري، فهو رمز يجسد وحدة الشعب، ويحظى بمكانة معنوية عالية في وجدانه. لكنّ ما سبق يختلف مع سيرة “الجيش السوري”، نظراً لأدواره السلبية، في مراحل مختلفة من حياة الدولة السورية، مع استثناءات محدودة في الحروب العربية الإسرائيلية، مثل حرب فلسطين 1948، حرب 1973 وحرب الاستنزاف، حرب لبنان 1982).
كان الجيش السوري طرفاً في الانقسامات السياسية عوضاً عن الإسهام في تعميق الوحدة الوطنية، وبدلاً من حماية الشعب وصون سيادة البلاد، قمع الجيش السوريين وفرّط باستقلال بلادهم، نتيجة انغماس ضباطه في الأيديولوجيا والصراع على السلطة، مسجّلاً رقماً قياسياً في عدد الانقلابات العسكرية، تحت مزاعم وطنية تخفي مطامع الضباط المغامرين، وتلاعب القوى الخارجية المتنافسة على النفوذ في سوريا.
من مفارقات “الحكم الوطني” بعد الاستقلال، أنّ الرئيس شكري القوّتلي استعان بقائد الجيش حسني الزعيم لقمع مظاهرات مناهضة للحكومة، لكن الزعيم نفسه قاد لاحقاً أول انقلاب في تاريخ سوريا، وأطاح بحكم القوّتلي، مدعوماً من المخابرات الأميركية، في 31 آذار 1949، ليسقطه بعد أشهر انقلاب آخر قاده صديقه سامي الحنّاوي بدعم عراقي. وعندما تصاعدت المعارضة ضدّ ديكتاتورية أديب الشيشكلي العسكرية، لا سيما في محافظة السويداء، أرسل الجيش لينكّل بأهلها، وانتهى نظامه بانقلاب، خطّط له ابن السويداء، العقيد أمين أبو عسّاف، الذي سلّم الحكم لسلطة مدنية برئاسة هاشم الأتاسي، في شباط 1954.
لم تكد الحياة الديموقراطية تستردّ عافيتها حتى عاد الجيش السوري ليعبث باستقرار البلاد ويفرّط باستقلالها، حين دفع كبار الضباط باتجاه الوحدة مع مصر سنة 1958، عبر انقلابٍ أبيض، واضعين الحكومة المدنية تحت الأمر الواقع. ولأنّ شعارات “الوحدة العربية” لم تكن أكثر من قناع يخفي الصراع على النفوذ، لحقت بالجيش السوري أضرار كبيرة في دولة الوحدة، وأصبحت قيادته في أيدي المصريين، وعانى من حملات تسريح طاولت حوالي نصف ضباطه لأسباب سياسية.
وبمثل ما تحققت الوحدة على أيدي العسكريين، انفرط عقدها بانقلاب عسكري، في أيلول 1961. تبع الانفصال مرحلة اضطرابات سياسية، استغلها ضباط بعثيون لتنفيذ انقلاب 8 آذار 1963، مفتتحين عهد الحكم البعثي، بتصفية شركائهم من ضباط ناصريين ومستقلين. ثمّ انفجرت الخلافات البعثية، ونجم عنها تصفيات وإعادة ترتيب للسلطة ومراكز القوى عبر انقلاب عسكري عام 1966، وآخر عام 1970، حسم فيه حافظ الأسد الأمور لصالحه.
جدير بالذكر أنّ حملات السلطات المتعاقبة لتطهير الجيش من الخصوم، جعلت سوريا تدخل حرب حزيران 1967 بعدد ضئيل من الضباط المؤهلين برتب عالية، وهذا قلّل من قدرة الجيش السوري على الصمود، وساهم في هزيمته.
كرّس البعثيون سلطتهم في “الدستور المؤقّت” الصادر عام 1969، فنصّت المادة 7 أنّ البعث هو “الحزب القائد في الدولة والمجتمع”، وجعلت المادة 10 من ضمن مهام القوات المسلحة “حماية أهداف الثورة الوحدوية الاشتراكية”، أي حماية حكم البعث، وتحويل الجيش إلى “جيش عقائدي” مشبع بالأفكار البعثية.
بعد انفراد حافظ الأسد بالسلطة، عزّز دور الأجهزة الأمنية، ومن خلالها أحكم قبضته على الدولة والجيش، فكان الولاء أهم عنده من الكفاءة، وأنشأ وحدات نخبة إضافية تختص بأمن العاصمة وحماية السلطة، تتفوّق على بقية وحدات الجيش في تجهيزها وتسليحها وامتيازات ضباطها وجنودها المختارين بعناية، مثل “سرايا الدفاع” و”الحرس الجمهوري”. واعتمد على ضباط مقرّبين منه في قيادة الفرق الرئيسية الأخرى، فلم يتورّعوا عن قصف واجتياح المدن السورية والتنكيل بأهلها المدنيين، وارتكاب المجازر في حلب وإدلب وحماه، أثناء مواجهة التمرّد الإسلامي المسلّح مطلع الثمانينات.
منذ أواسط السبعينات، استخدم الأسد الجيش لتعزيز دوره الإقليمي، بالتنسيق مع القوى الكبرى، فتدخّل في الحرب الأهلية اللبنانية، وأصبح لبنان ورقة تفاوض بيده، للمساومة في مختلف ملفات المنطقة ذات المصالح الدولية المتشابكة، ومنها القضية الفلسطينية. لكن هذا ترك انعكاسات سلبية على الجيش، فبعد كل المزاعم الأيديولوجية المرتبطة بالعروبة وقضية فلسطين، وجد الجيش السوري نفسه في مواجهة الفلسطينيين واللبنانيين العروبيين، منخرطاً في حرب أهلية قذرة، وبعد نهايتها عام 1990، لعب دور المحتل الأجنبي، إلى أن خرج من لبنان مكروهاً ذليلاً، بضغط أمريكي سنة 2005.
بعد موت حافظ الأسد وتوريث السلطة لابنه بشار برز الطابع العائلي للحكم بقوّة، واستشرى الفساد بأشكال مضاعفة، وتحول الجيش السوري إلى إقطاعيات عسكرية تنخرها الطائفية، بلا انتماء وطني، فعقيدته باتت الولاء للأسد وحماية نظامه فحسب، وهذا ما تجلّى في حربه على الشعب بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011. وبتصاعد وتيرة القمع الوحشي للمدنيين بدأ انشقاق ضباط وجنود انحازوا للثورة، وتشكّل “لواء الضباط الأحرار” ثم “الجيش السوري الحر”، وتتالى ظهور الفصائل المسلّحة، لاسيما الإسلامية المتشدّدة المدعومة من الخارج.
مع التقدّم الميداني للمعارضة، استعان الأسد بإيران، فاستقدمت مليشياتها الشيعية، وجنّدت آلاف السوريين في مليشيات “الدفاع الوطني”، وحين لم يعد الدعم الإيراني كافياً، تدخلت روسيا عسكرياً عام 2015 لتحول دون سقوط النظام. وإذ عززت إيران الطابع الميليشياوي لقوات الأسد، سعت موسكو للحفاظ على ما تبقى من المؤسسة العسكرية تحت سيطرتها، وبفضل دعمهما استعادة النظام كثيراً من مناطق المعارضة، لكنّ “نصره” العسكري بقي هشّاً، نتيجة تشظّي الجيش بين ولاءات متنافسة، وفقدانه الانضباط والقدرة على القتال.
تلاشت الفوارق بين الميليشيات ووحدات الجيش، وانتشرت أعمال النهب وتجارة المخدرات، خصوصًا لدى الفرقة الرابعة. وحين قادت هيئة تحرير الشام “معركة ردع العدوان”، أواخر تشرين الثاني 2024، سقطت حلب ثم حماه فحمص خلال أيام ومن دون قتال حقيقي تقريباً، نتيجة انهيار القوات المدافعة، وإحجام الروس عن التدخل لوقف التقدّم، بالتوازي مع اتصالات إقليمية ودولية تبحث مصير الأسد، الذي فرّ من البلاد. ودخلت قوات المعارضة دمشق، معلنةً سقوط النظام، فجر 8 كانون الأول، وسط حالة من الفوضى والذعر في صفوف جنود الأسد الهائمين على وجوههم، يلقون أسلحتهم وألبستهم العسكرية. وخلال الأيام التالية، استهدفت غارات إسرائيلية ما تبقى من القدرات العسكرية السورية، وأصبحت البلاد فعلياً بلا جيش.
في 29 كانون الثاني 2025، جمعت هيئة تحرير الشام ممثلين عن معظم الفصائل المسلحة في القصر الرئاسي بدمشق، وعقدت ما سمّي “مؤتمر النصر”، وفيه أُعلن عن تنصيب زعيمها أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقاً) رئيساً لسوريا، وحلّ حزب البعث والأجهزة الأمنية، إضافة إلى حل الجيش، وإعادة بناء الجيش السوري الجديد “على أسس وطنية”.
لكنّ ما جرى لم يكن سوى تجميع شكلي لمعظم الفصائل السابقة، بما فيها تلك المنضوية ضمن ما كان يسمى “الجيش الوطني” الموالي لتركيا، وأخرى تضم جهادين أجانب، ومُنِحَ القادة رتباً عسكرية ومناصب قيادية على فصائلهم التي أصبحت تحمل أرقام فرق عسكرية جديدة، وبالكاد تجد نسبة بسيطة من الضباط المنشقين في قيادات الجيش الجديد.
كشفت مقاطع مصوّرة من قاعات وساحات التدريب، عن توجهات دينية مذهبية صريحة في التعبئة الأيديولوجية التي يتلقّاها عناصر “الجيش السوري الجديد”، وهذا يتناقض مع “بناء الجيش على أسس وطنية”، وسرعان ما ظهر تأثير التوجّهات الطائفية ميدانياً في مجازر الساحل والسويداء، التي شارك فيها عناصر تابعة لوزارة الدفاع.
في بلد مثل سوريا، متعدد الأديان والطوائف والقوميات، لن يكون الجيش وطنياً حقاً ما لم يتأسس على قيم المواطنة والمهنية والحياد، بعيداَ عن الحسابات الدينية والفئوية. وإذا بقي “الجيش الجديد” مجرّد اسم شكلي لفصائل متشددة وأخرى ذات ارتباطات خارجية، لن يحوز مشروعية وطنية، وسيكون أداةً سلطوية تعمّق الانقسامات، بدل أن يكون ضمانة للاندماج الوطني والسلم الأهلي. ولن تنجح إعادة بناء مؤسسة عسكرية في سوريا إلا بتكريس الهوية الوطنية الجامعة فوق الانتماءات الضيقة، ليصبح ولاء الجيش للوطن، يحمي المواطنين جميعا، وليس آلة لحماية السلطة وسحق معارضيها على الطريقة الأسدية.










