تشهد محافظة درعا والمنطقة الجنوبية عمومًا أزمة متفاقمة في قطاعي الكهرباء والاتصالات، إذ أصبح الانقطاع المتكرر والمفاجئ للتيار الكهربائي وخدمات الإنترنت هاجسًا يوميًا للسكان، يتسبب في تعطيل الأعمال وإرباك الحياة اليومية، ويجعل أي نشاط يعتمد على الطاقة أو الاتصال رهين الصدفة.
الحياة هنا تحولت إلى معاناة مستمرة، فالكهرباء، التي تُعد الركيزة الأساسية لتشغيل المنازل والمرافق الحيوية، لم تعد متوفرة بشكل منتظم أو مستقر. وقد أدى ذلك إلى خسائر مادية متكررة في الأجهزة الكهربائية، وأربك سير الأعمال، وزاد من اعتماد الأهالي على بدائل مكلفة مثل البطاريات والطاقة الشمسية، التي تواجه بدورها أعطالًا ونقصًا في الصيانة.
هذا الواقع القاسي لم يقتصر أثره على المنازل، بل امتد ليشمل قطاعات حيوية، كالقطاع الصحي، حيث تؤدي انقطاعات الكهرباء إلى تعطل الأجهزة الطبية وتعريض حياة المرضى للخطر، وكذلك القطاع التعليمي الذي يعتمد بشكل متزايد على الإنترنت في التدريس والتواصل. ومع ارتباط خدمات الاتصالات بتوافر التيار الكهربائي لتشغيل محطات الإنترنت والهاتف، فإن ضعف التغذية الكهربائية يؤدي مباشرة إلى تدهور جودة الخدمة، مما يزيد من عزلة الأهالي ويحد من قدرتهم على التواصل مع العالم الخارجي.
اقرأ أيضاً: انقطاع التيار الكهربائي عن محافظتي درعا والسويداء – 963+
“كهرباء سيئة”
يروي المواطن هاني الجهماني، أحد سكان درعا، لـ”963+” تفاصيل يومية عن معاناة السكان، قائلاً: “الكهرباء في درعا سيئة للغاية. قبل سقوط النظام كانت المعادلة ساعة وصل مقابل خمس ساعات قطع، واليوم، رغم كل وعود التحسينات والمنح القطرية، ما زالت الكهرباء سيئة جدًا. حتى مع وصول الغاز الأذري، الذي كان من المفترض أن يحسّن التشغيل، لم نشهد أي انتظام. النصف ساعة التي تصلنا تنقطع مرات عدة قبل أن نستفيد منها”.
ويضيف: “تخيل أنك تنتظر الكهرباء طوال اليوم، وعندما تأتي لا تكون مستقرة؛ أحيانًا يصل الجهد الكهربائي إلى 300 فولت وأحيانًا ينخفض إلى 100 فولت، وهذا كفيل بإتلاف أي جهاز منزلي. أنا شخصيًا فقدت محرك البراد، وأعرف عشرات الجيران الذين تعطلت لديهم الغسالات أو شواحن البطاريات. حتى شراء منظم للتيار أصبح رفاهية بسبب الأسعار الخيالية”.
ويشير الجهماني إلى أن انقطاع الكهرباء لفترات طويلة خلال موجات الحر يتسبب في أزمات إضافية، موضحًا: “عندما تغيب الكهرباء لأيام، ترتفع أسعار المياه الباردة والثلج بشكل كبير. نحن لا نطلب الكثير، فقط ساعة كهرباء ثابتة نشحن خلالها البطاريات ونبرّد المياه”.
ويتابع: “هذه الانقطاعات لم تعد حدثًا عابرًا، بل أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية، تؤثر على كل شيء من حفظ الطعام إلى متابعة الأخبار أو التواصل مع أقاربنا في الخارج”.
أسباب فنية ونقص إمكانيات
من جانبه، قال المهندس سليمان الخبي، مدير كهرباء نوى، في تصريح خاص لـ”963+”: “المدينة تعرضت لتدمير واسع في بنيتها التحتية خلال سنوات النزاع، وكان القطاع الكهربائي جزءًا من هذا الدمار. الوضع الحالي للشبكة سيئ للغاية ويحتاج إلى إعادة تأهيل شامل. نحن نتعامل مع شبكة انتهى عمرها الافتراضي منذ سنوات، وما نقوم به حاليًا هو إصلاحات إسعافية فقط”.
وينوّه الخبي إلى أن الانقطاعات المتكررة تعود إلى قدم ورداءة التجهيزات ونقص مواد الصيانة وقطع الغيار، مؤكداً: “الوضع الأمني اليوم أفضل من السابق، لكن المشكلة الحقيقية في نقص الإمكانيات. فعدد الفنيين قليل جدًا، ولدينا ورشة صغيرة تضم رئيسًا وسائقين وفنيين اثنين فقط يخدمون أكثر من 100 ألف نسمة”.
ويردف: “عند حدوث عطل قد يستغرق الأمر ساعات أو حتى أيام لإصلاحه، لأن الفنيين مضطرون للتنقل بين مناطق متباعدة. وفي بعض الحالات نستعين بعمال من خارج الملاك بأجور يدفعها المتضررون أنفسهم”.
وبخصوص تقلبات الجهد، يوضح الخبي: “صحيح أن هذه المشكلة انخفضت في الفترة الأخيرة، لكنها ما تزال موجودة، وأحيانًا تؤدي إلى خسائر كبيرة لدى الأهالي. لذلك نوصي دائمًا بفصل القاطع الرئيسي عند ملاحظة أي تغير مفاجئ في التيار”.
ويكشف أن هناك دراسات جاهزة لتحسين الشبكة على مستوى المحافظة، بانتظار موافقة الوزارة وتأمين المواد، موضحاً: “إذا تم تنفيذ هذه الخطط بالتزامن مع الاستفادة من الغاز الأذري، يمكن أن ترتفع ساعات التغذية من نحو 4 ساعات يوميًا إلى قرابة 10 ساعات”.
ويضيف: “لكن يجب أن ندرك أن هذه الحلول تحتاج إلى تمويل كبير وتعاون بين عدة جهات، ولا يمكن تنفيذها بين ليلة وضحاها”.
تأثيرات على قطاع الأعمال
أما قاسم الزعبي، صاحب مكتب حوالات خارجية وداخلية، فيوضح لـ”963+”: “مكتبي يعتمد بنسبة 100% على الإنترنت. كل عمليات التحويل تتم عبر تطبيق واتساب أو البريد الإلكتروني، وعندما تنقطع الشبكة يتوقف العمل تمامًا. خلال فترة الانقطاع، تتراكم الطلبات ونواجه ضغطًا شديدًا عند عودة الإنترنت، وهذا يزيد من نسبة الأخطاء”.
ويضيف: “منذ نحو أربعة أشهر قررت الاعتماد على الإنترنت الأردني لأنه أكثر استقرارًا من الشبكة السورية، لكن حتى هذا الحل ليس مثاليًا، لأن مستقبلات الإشارة تحتاج إلى الكهرباء. عندما تنقطع الكهرباء، يتوقف الإنترنت الأردني أيضاً”.
ويشير إلى أن المكتب لجأ إلى البطاريات والطاقة الشمسية، إلا أن هذه الحلول ليست مستدامة، موضحاً: “أحيانًا ننسى أن البطاريات على وشك النفاد، فنفقد الاتصال فجأة ونضطر لإيقاف العمل. كما أن تكلفة صيانة الألواح الشمسية أو تبديل البطاريات مرتفعة”.
وينوّه إلى أن الحل الأمثل هو تحسين الشبكة السورية وضمان تغذيتها بالكهرباء على مدار الساعة، مضيفاً: “لو كانت الشبكة السورية مستقرة لما اضطررنا لهذا التعقيد”.
ويتابع: “حتى المواطنون العاديون بدأوا يتجهون إلى الإنترنت الأردني للتواصل مع أقاربهم في الخارج، خاصة أن كثيرًا من أبناء المنطقة يعيشون في أوروبا والخليج، والانقطاع المتكرر يجعل التواصل صعبًا. الإنترنت أصبح ضرورة حياتية مثل الماء والكهرباء”.
اقرأ أيضاً: وزارة المالية: نقل أرصدة الرواتب العاملين في السويداء إلى فروع البنوك بريف درعا – 963+
تأثيرات الانقطاع على القطاع الصحي
في تصريح خاص لـ”963+”، يقول الدكتور عقلة الحنفي، مدير مشفى نوى الوطني: “انقطاع الكهرباء يمثل تهديدًا مباشرًا للخدمات الصحية، خاصة في العمليات الجراحية وأقسام العناية”.
ويوضح: “تكرار انقطاع ووصل الكهرباء يضر بالأجهزة الحساسة، لذلك نتجنب الاعتماد على الشبكة العامة في هذه الأقسام ونشغّل المولدات بدلًا منها، حتى لا نخسر مريضًا بسبب عطل مفاجئ”.
ويضيف: “منظومة الطاقة الشمسية في المشفى متوقفة منذ فترة طويلة، واعتمادنا الأساسي على المولدات التي تعمل على الديزل. هذه المولدات تستهلك كميات كبيرة جدًا من الوقود، والكميات التي نحصل عليها من مديرية الصحة بالكاد تكفي لتغطية جزء من احتياجاتنا”.
ويشير إلى أن التشغيل لساعات طويلة يرهق المولدات ويؤدي إلى أعطال متكررة، موضحاً: “أحد المولدات خارج الخدمة بالكامل ويحتاج إلى تبديل محرك، بينما صُنِّع مولد آخر مؤخرًا، لكننا نخشى أن يتعطل هو الآخر”.
ويتابع: “انقطاع الكهرباء لا يضر بالأجهزة فقط، بل يؤثر أيضًا على تخزين الأدوية الحساسة مثل أدوية التخدير واللقاحات، وحتى بنك الدم الصغير في المشفى مهدد بفقدان مخزونه إذا طال الانقطاع”.
وينوّه إلى أن بعض الخدمات تتوقف تمامًا في حالات الأعطال الكبيرة، قائلاً: “خدمات الأشعة أو الطبقي المحوري قد تصبح خارج الخدمة إذا تعطل مولد أو نفد الوقود، وهذا يسبب تذمرًا شديدًا لدى المواطنين، خاصة في الحالات الطارئة”.
ويؤكد أن الحل الجذري هو “مد خط كهرباء ذهبي مخصص للمشفى أو إعادة تأهيل منظومة الطاقة الشمسية، لأن استمرار الوضع الحالي يعني أن المشفى سيبقى عرضة للأزمات في أي لحظة”.
أزمة بلا أفق
الوضع في محافظة درعا والمنطقة الجنوبية يعكس أزمة مركّبة تطال كل تفاصيل الحياة اليومية، من المنزل إلى المستشفى، ومن المدرسة إلى مكاتب الأعمال. فالانقطاع المتكرر للكهرباء يجر وراءه سلسلة من الأزمات، أبرزها تراجع خدمات الاتصالات، وتعطل الأجهزة، وخسائر اقتصادية، وتدهور الخدمات الصحية.
ومع غياب حلول جذرية حتى اللحظة، يبقى الأهالي عالقين في دائرة انقطاعات لا تنتهي، ينتظرون وعود التحسين التي تتأجل مع كل موسم، بينما تتضاعف الأضرار ويزداد الضغط على شبكات الدعم البديلة.










