تأتي الجولة الخارجية التي يقوم بها ممثل المرشد الأعلى الإيراني، علي لاريجاني، إلى بغداد وبيروت، في مرحلة حساسة يشهد فيها الشرق الأوسط تحولات سياسية وأمنية واسعة. وتعمل طهران على إدارة ملفات المفاوضات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتعزيز حضورها الإقليمي بعد أحداث السابع من أكتوبر والعمليات التي استهدفت قيادات في “حزب الله” بلبنان، الذي يمثل أحد أبرز أذرع سياستها الخارجية.هذه الجولة تأتي في ظل مرحلة دقيقة يمر بها النظام الإيراني، الذي يسعى لتجاوز معادلة معقدة في مسار التفاوض مع واشنطن.
وقد تُفسَّر جولة لاريجاني، السياسي المخضرم والمقرّب من دوائر صنع القرار في طهران، على أنها محاولة لتخفيف الضغوط عن حلفاء إيران، خاصة “حزب الله”. لكن يظل السؤال مطروحاً: كيف يمكن تمرير أي تفاهمات إقليمياً ودولياً؟
اقرأ أيضاً: لبنان يواجه سلاح “حزب الله”: إشكالية السيادة الوطنية – 963+
ملء فراغ
ووفقاً لوجدان عبد الرحمن، الخبير في الشؤون الإيرانية، تأتي زيارة لاريجاني في ظل ضغوط متزايدة على النظام الإيراني من الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويشير عبد الرحمن في تصريحات لـ”963+” إلى أن “الزيارة أعقبت بيومين زيارة إيرج مسجدي، نائب قائد “فيلق القدس”، إلى بغداد لترتيب أوضاع الميليشيات الموالية لطهران”.
ويضيف أن التحركات الإيرانية تأتي على خلفية نقاشات أميركية–بريطانية حول “الحشد الشعبي” في العراق، حيث أبدت واشنطن اعتراضها على أي إجراءات تمنحه امتيازات تجعله قوة موازية للجيش العراقي.
ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية، أن لاريجاني يسعى لملء الفراغ الذي خلّفه قاسم سليماني، خصوصاً بعد تشكيل حكومة ورئاسة في لبنان خارج دائرة النفوذ الإيراني، بهدف إعادة تنسيق نشاط أذرع طهران في المنطقة وتخفيف الضغط عن “حزب الله”، إضافة إلى محاولة توحيد الصفوف بين القوى الشيعية أو الموالية لإيران، بما فيها “حركة أمل” التي التزمت بقرارات الحكومة اللبنانية، ما أحدث خلافًا مع الحزب.
كما تهدف طهران، بحسب عبد الرحمن، إلى ضمان جاهزية حلفائها في العراق ولبنان لتعويض أي خسائر في سوريا تحسباً لاحتمال مواجهة مع إسرائيل، قد تديرها عبر وكلائها بدل التدخل المباشر.
لاريجاني في بيروت
وبدأ الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، صباح الأربعاء، زيارة إلى بيروت، حيث يجري لقاءات مع مسؤولين لبنانيين، في وقت يتصاعد فيه الجدل داخلياً حول حصر السلاح بيد الدولة، بما في ذلك سلاح “حزب الله”، وهو ملف يعكس تبايناً واضحاً بين موقفي بيروت وطهران.
وقال لاريجاني للصحافيين عند وصوله إلى مطار رفيق الحريري في بيروت، إنه “من المقرر أن أجري عدة لقاءات مع مسؤولين لبنانيين، في مقدمتهم الرئيس جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام”، مضيفاً أن إيران “تسعى دوماً لتحقيق مصالح لبنان العليا”، وأنها “ستقف إلى جانب شعب لبنان العزيز في مختلف الظروف”.
من جانبه، يقول العميد الركن خالد حمادة، لـ”963+” إن الزيارة سبقتها تصريحات لمسؤولين إيرانيين، من بينهم مستشار المرشد الأعلى ووزير الخارجية، تجاوزت – حسب وصفه – حدود اللياقات الديبلوماسية، عبر رفضهم العلني لقرار الحكومة اللبنانية بشأن نزع سلاح “حزب الله” والتشكيك في إمكانية تنفيذه، بل والدعوة للحزب إلى التمرد.
ويعتبر حمادة أن تجاوز وزارة الخارجية اللبنانية واللجوء مباشرة إلى الرئاسات الثلاث عبر السفارة الإيرانية يعد خرقًا للأعراف الديبلوماسية.
اقرأ أيضاً: الحكومة اللبنانية تقر بنود الورقة الأميركية لتثبيت وقف إطلاق النار – 963+
ويشير حمادة إلى أن رئيس الحكومة يدعم موقف وزير الخارجية الرافض للتصريحات الإيرانية، وسيواجه لاريجاني برسالة واضحة تحذّره من استمرار التدخل في الشأن اللبناني. كما رجّح أن يحاول لاريجاني طرح أفكار لتقريب وجهات النظر بين الحزب والحكومة، ربما عبر إعادة طرح “الاستراتيجية الدفاعية” للبنان كبديل عن خطة نزع السلاح، إلا أن حمادة يرى أن بيروت حسمت خيارها بعدم العودة إلى أي صيغة تسمح ببقاء الحزب مسلحاً.
في السياق نفسه، يوضح باسل صالح، الأكاديمي اللبناني، في تصريحات لـ”963+” أن الزيارة تأتي متزامنة مع تصاعد التصريحات حول مصير سلاح “حزب الله” والتدخل الإيراني المباشر في لبنان، معتبرًا أن الحدثين مرتبطان.
ويضيف أن إيران تدرك أن الصراع لم ينتهِ، وقد يشهد أشكالاً جديدة، منها عمليات عسكرية في العراق أو من قبل “حزب الله” ضد إسرائيل، إذا شعرت طهران أن مصالحها مهددة، خصوصًا في سياق المفاوضات مع واشنطن بشأن البرنامج النووي.
ويشدّد صالح على أن فقدان “حزب الله” لسلاحه يعني تقليص قدرة إيران على التأثير الإقليمي، ما يفسر دفاع طهران عنه وتجاوزها للأعراف الديبلوماسية بتجاهل وزارة الخارجية اللبنانية. وأكد أن بيروت أوضحت موقفها عبر تصريحات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزارة الخارجية، بالتشديد على حصر السلاح بيد الدولة.
ويختتم صالح بالقول إن الزيارة قد تحمل على المستوى الرسمي طابع التشاور، لكنها على المستوى غير الرسمي تبدو أقرب إلى تنسيق المواقف مع “حزب الله” وحلفاء إيران في لبنان، الأمر الذي يزيد من حدة التوتر، خاصة في ظل موقف أمريكي واضح برفض أي نفوذ فاعل لطهران في لبنان والمنطقة، ما يضع الطرفين على مسار مواجهة محتملة.










