أعرب مجلس الأمن الدولي عن إدانته لجميع أشكال التدخلات السلبية في مسار الانتقال السياسي والأمني والاقتصادي في سوريا، محذراً من أن هذه الممارسات تُضعف الجهود المبذولة لاستعادة الاستقرار في البلاد، وداعيًا جميع الدول إلى تجنب أي إجراءات من شأنها زيادة حدة التوتر والاضطراب.
وفي بيان رئاسي صدر حديثاً، شدد المجلس على ضرورة تنفيذ عملية سياسية شاملة يقودها السوريون أنفسهم، وتستند إلى القرار 2254، بما يضمن حماية حقوق جميع المواطنين ويُمكّنهم من تقرير مصيرهم بشكل سلمي، مستقل، وديموقراطي.
وجدد المجلس تأكيده على أهمية الدور الذي تضطلع به الأمم المتحدة، وبخاصة مكتب المبعوث الخاص، في تسهيل الانتقال السياسي في سوريا، مشيراً إلى التزامه بسيادة واستقلال ووحدة وسلامة الأراضي السورية، ومطالباً جميع الأطراف الدولية باحترام هذه المبادئ.
ويأتي البيان في وقت يشهد فيه الملف السوري متغيرات ميدانية وسياسية متسارعة، وسط استمرار تعثر الحل السياسي في الداخل، حيث لا تزال السلطة الحاكمة تعتمد خطاباً إنكارياً وتراهن على الغلبة، بينما يتصاعد الزخم الدولي نحو تفعيل القرار 2254 مجدداً كمرجعية أساسية.
البيان الرئاسي الذي صدر الأحد الماضي، أعرب المجلس عن قلقه من تصاعد العنف في السويداء، وحث على حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية، مع ضرورة محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. ورغم أن البيان يُعد إشارة سياسية وليس قراراً ملزماً، إلا أنه يُعيد التأكيد على أهمية دور الأمم المتحدة والمبعوث الخاص في دعم الحل السياسي.
وفي المقابل، رحب المجلس بالبيان الذي أصدرته الحكومة السورية والذي دان أعمال العنف الأخيرة، مشددًا على ضرورة إجراء تحقيقات شفافة وشاملة، ومحاسبة المسؤولين عنها وفقًا للمعايير الدولية. ولفت إلى إعلان وزارة الدفاع السورية عن تشكيل لجنة للتحقق من هوية المتورطين وخلفياتهم، مشددًا على أهمية العدالة والمصالحة كركائز أساسية لتحقيق سلام دائم.
البيان الرئاسي لم يغفل الإشارة إلى الاتفاق الموقع عام 1974 بشأن فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل، مطالباً جميع الأطراف بالالتزام بمضمونه وتجنب التصعيد في المنطقة العازلة، ومؤكدًا دعم ولاية قوات الأمم المتحدة العاملة هناك. كما تناول التهديدات الأمنية الناجمة عن تنظيمي “داعش” و”القاعدة”، محذراً من استمرار خطر المقاتلين الأجانب، وضرورة مواصلة الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب.
من جانب آخر، يُواجه تنفيذ القرار 2254 تحديات كبيرة، منها انقسام الأطراف السورية وتردد بعض القوى في تبني الحلول السياسية، فضلاً عن التدخلات الخارجية وتعقيدات الملف الأمني والإنساني. كما أن غياب آلية تنفيذ فعّالة واستمرار العنف يعيقان الانتقال السياسي.
ويتطلب الحل في سوريا التزاماً دولياً جاداً بضمان تنفيذ القرار 2254، وتعاوناً إقليمياً لوقف التدخلات، مع بناء ثقة بين الأطراف السورية عبر حوار شامل يضمن مصالح جميع المكونات.
امتحان للحكومة
يقول عصمت منصور، صحفي ومحلل سياسي، لـ”963+”، أن “القرار يضع الجهات الحكومية في سوريا أمام امتحان حقيقي لإثبات أن سوريا ونظامها الجديد والعهد الجديد فيها هو لكل السوريين، ويوفر الأمان والرعاية والشراكة لكل من يتواجد في سوريا بغض النظر عن انتمائه وطائفته وخلفيته”.
ويؤكد على أن “هذا امتحان حقيقي لهذه الدعوة، وأن يصل الأمر إلى نقاش مجلس الأمن وبيان رئاسي فيه، أعتقد أنها لحظة مهمة في تحول تشهده سوريا، ويمكن من خلالها ضمان التحول نحو الأفضل وليس نحو الأسوأ. لأنه توجد تناقضات وتدخلات وصراعات وظروف إقليمية وغيرها، بالإضافة إلى الحالة المعيشية، كل هذه العوامل تجعل التحديات أكثر صعوبة وقابلة للاشتعال والانفجار، وتعطي هذا المسار زخماً”.
ويضيف أن “الجزئية المتعلقة بالقرار 2254، أعتقد أن أهم ما فيها هو التأكيد على سيادة ووحدة الأراضي السورية، هذه الفكرة الأساسية، هذا المبدأ الذي أصبح في خطر في ظل ما يتعرض له الشعب السوري وما يعانيه الآن من تغيرات. لذلك، التشديد على وحدة سوريا مهم جداً، وهو العامل الأساسي لنهضة سوريا واستقرارها وتقدمها، والخروج من الأزمة التي تمر بها. وما دون ذلك، أعتقد أن كل شيء سيتعثر وستتفاقم الصراعات الداخلية والأطماع الخارجية”.
ويرى أن “الطرف الأكثر تدخلاً في سوريا، والذي يحاول العبث بها وفرض وصاية على أطرافها، ويستغل التناقضات ويفرض الاحتلال العسكري على أجزاء منها، هو إسرائيل. لذلك، كف يد إسرائيل ومنعها هو المهمة الأولى والشرط الأساسي لتقدم سوريا، لأن هذه التدخلات تعيق أي تقدم”.
ويلفت إلى أن مهمة كف يد إسرائيل عن التدخلات في سوريا تعتبر من المهام الأساسية التي تقع على عاتق المنظمات الدولية، “لكن إذا لم يوجد حل، فإن المهمة ملقاة على عاتق السوريين أنفسهم، وعلى النظام الجديد في سوريا أن يعي أنه دون احتواء جميع السوريين، فإن إسرائيل قادرة على اللعب في التناقضات”.
فيما يقول طارق وهبي، باحث في العلاقات الدولية يقيم في باريس لـ”963+”، إن “هذا البيان من مجلس الأمن يعكس إجماعاً دولياً على ضرورة تحريك المسار السياسي، وهذا يضغط على الأطراف المحلية والإقليمية لخفض التصعيد والانخراط في المفاوضات. رغم أن البيان غير ملزم قانونياً مثل القرار، إلا أنه يرسل رسالة واضحة بأن استمرار الوضع الحالي مرفوض، وأن المجتمع الدولي قد يدفع لاحقاً باتجاه قرارات ملزمة”.
أساس ومرجعية
يضيف وهبي أن “القرار 2254 الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2015 يشكل أساساً شرعياً دولياً للحل السياسي في سوريا، ويتضمن: وقف إطلاق النار على مستوى البلاد، ومفاوضات بين النظام والمعارضة برعاية أممية، وصياغة دستور جديد، وتنظيم انتخابات بإشراف الأمم المتحدة”.
ويرى أن الذكر المتكرر لهذا القرار يعني أن الأمم المتحدة لا تعترف بأي مسار أو اتفاق خارج إطاره، حتى لو كانت هناك ترتيبات إقليمية أو ثنائية. مشيراً إلى أن “هذه الجزئية مهمة جداً، والتي حتى وإن لا تستطيع الأمم المتحدة صد أي ترتيبات أو اتفاقات يقوم بها النظام السوري الحالي، فإنها إشارة إلى أي مدى الأمم المتحدة حاضرة في هذا الملف”.
ويتابع: “بعد سقوط النظام، ستتحول الأولوية من “عملية انتقالية بمشاركة النظام” إلى “إعادة بناء مؤسسات الدولة” وملء الفراغ السياسي. قد يحتاج القرار إلى ملحق أو تعديل لتحديد: آلية مؤقتة لإدارة الدولة (حكومة انتقالية أو مجلس سيادي)، وهنا يطرح السؤال هل تستطيع الأمم المتحدة الوقوف ضد إرادة الرئيس الحالي أحمد الشرع؟
كما يجب، بحسب وهبي، وضع خطة مدروسة عاجلة لإعادة الأمن والخدمات، وجدول زمني واقعي للانتخابات مع ضمانات أمنية لمنع الفوضى، ومشاركة أوسع وبأي إطار قانوني للمجتمع المدني والقوى المحلية، وليس فقط المعارضة التقليدية.
ويقول إن “المضمون الأساسي للقرار 2254 (دستور + انتخابات + إشراف أممي) سيبقى، لكن صيغة ‘المفاوضات مع النظام’ ستصبح بلا معنى. أما موقف مجلس الأمن بشأن العنف الداخلي، فهو كالعادة يدين الانتهاكات التي تستهدف المدنيين أياً كان الفاعل (النظام، المعارضة، الميليشيات)، لكنه يتجنب تحديد مسؤولية مباشرة إلا إذا كان هناك توافق بين القوى الكبرى”.
ويضيف: “أما بشأن التدخلات الإسرائيلية، فإن موقف المجلس هنا متباين بسبب الفيتو الأميركي، ما يجعل الإدانة المباشرة لإسرائيل شبه مستحيلة. غالباً ما تُذكر الهجمات الإسرائيلية في بيانات أممية بصيغة عامة مثل ‘القلق من انتهاك سيادة سوريا’ دون اتخاذ إجراءات عملية، إلا إذا ارتبط الأمر بتصعيد إقليمي واسع. إن الوضع الحالي من الاحتلال الإسرائيلي خطير جداً، لأن الداخل المشرذم ودمار البنية التحتية العسكرية السورية يجعل أي مطالبة وكأنها بالنسبة لإسرائيل تهديد لأمنها القومي”.










