في ظل ما خلفته سنوات الحرب من آثار مدمرة على القطاع الصحي في سوريا، إلى جانب القيود الاقتصادية والعقوبات، بات من الضروري تكثيف الجهود لإعادة بناء هذا القطاع الحيوي وضمان حصول المواطنين على رعاية صحية آمنة وفعالة. ومع محدودية الموارد الحكومية، تتجه الأنظار نحو التمويلات والاستثمارات الأجنبية كخيار رئيسي لدعم عملية التعافي.
لكن تبقى التساؤلات قائمة: هل تكفي هذه التمويلات لتأسيس نظام صحي شامل ومستدام؟ وهل يمكن أن تمثل هذه الشراكات الدولية حجر الأساس لبنية صحية حديثة ترتكز على المعايير العالمية وتلبي احتياجات المجتمع السوري؟
وفي هذا السياق، وقّعت وزارة الصحة السورية اتفاقاً مع منظمة “أطباء بلا حدود” لتطوير التعاون في المجالات الطبية والإغاثية، يتضمن تجهيز وحدات متخصصة لعلاج الحروق في خمس محافظات، بالإضافة إلى تأسيس مراكز للرعاية الصحية الأولية وتعزيز الاستجابة الإسعافية.
كما أطلقت منظمة الصحة العالمية نداءً عاجلاً لتوفير أكثر من 56 مليون دولار لدعم النظام الصحي السوري، في محاولة لتخفيف الضغط على المنشآت الطبية التي خرج نصفها عن الخدمة بفعل الأزمة المستمرة. هذه المبادرة تأتي في ظل جهود مكثفة دولياً لإعادة تأهيل البنية الصحية في البلاد.
وفي إطار التعاون الدولي، برز اتفاق بين سوريا وألمانيا يهدف إلى تعزيز قدرات المستشفيات المحلية، من خلال تبادل الخبرات وتقديم الدعم الفني والمالي. أما على صعيد الدعم الأوروبي، فقد أعلنت الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي عن تقديم 3 ملايين يورو لمنظمة الصحة العالمية، مخصصة لتعزيز الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية في سوريا. ومن بين الأهداف المحددة لهذا التمويل: تطوير أنظمة مراقبة الأمراض، إعادة تأهيل مختبرات الصحة العامة في دمشق ودرعا، ودعم التحول الرقمي لأنظمة المعلومات الصحية.
اقرأ أيضاً: يخدمان نحو 80 ألف شخص.. مشروعان لتأهيل البنية التحتية في داريا – 963+
ضعف التمويل وهجرة الكوادر
يحذّر الدكتور فراس شعبو، أستاذ الإدارة المالية في جامعة باشاك شهير بإسطنبول، من التدهور الحاد الذي يشهده القطاع الصحي في سوريا، مؤكدًا أن نسبة التغطية الصحية للمواطنين منخفضة جدًا، وأن ما يقارب 40% من المنشآت الصحية مدمرة وغير فعّالة، فيما يعاني الجزء المتبقي من التهالك وضعف الخدمات.
ويشير الدكتور شعبو إلى النقص الكبير في الكوادر الطبية، إذ تفيد تقارير بهجرة نحو 60% منها خارج البلاد، ما فاقم من أزمة الرعاية الصحية. كما شدد على أن التمويل الأجنبي الحالي محدود وغير مجدٍ لتأسيس قطاع صحي متكامل، إذ لا يتجاوز التمويل الحكومي 10% من الاحتياج الفعلي.
ويوضح لـ”963+” أن العقوبات الاقتصادية السابقة لا تزال تلقي بظلالها على القطاع الطبي، وأن رفعها لم يؤد إلى تحسن ملموس بسبب التعقيدات البيروقراطية. كما أشار إلى وجود فجوة كبيرة في مستوى الخدمات الصحية والتمويل، حيث يحتاج القطاع إلى ضخ ما يقارب 90% من التمويل المطلوب، في ظل اعتماد أغلب الدعم على الاستجابة لحالات الطوارئ وليس على بناء نظام صحي مستدام.
ويدعو شعبو إلى أهمية إقامة شراكات مع مؤسسات دولية، وتأمين تمويل تنموي طويل الأجل، إلى جانب إشراك القطاع الخاص بشكل واسع، من أجل تحقيق نقلة نوعية وبناء منظومة صحية متكاملة ومتوازنة بدلًا من معالجة ظرفية مؤقتة.
ويتعرض النظام الصحي في سوريا لضغوط هائلة حيث يعمل 59 بالمئة فقط من المستشفيات، و46 بالمئة من مراكز الرعاية الصحية الأولية بكامل طاقتها، إضافة لصعوبة تأمين تكاليف العلاج للعديد من العائلات، ومحدودية الأدوية الأساسية وفق منظمة الصحة العالمية
اقرأ أيضاً: الجمعية الطبية السورية ـ الأميركية.. خطوة للأمام – 963+
“لا يكفي لإعادة بناء النظام الصحي”
يؤكد رئيس دائرة الشؤون القانونية في مديرية صحة إدلب، مصطفى محمد الشيخ، أن التمويلات الأجنبية الحالية تتركز على الاستجابة الإنسانية العاجلة، وتشمل دعم العيادات المتنقلة، توفير اللقاحات الروتينية، الأدوية الأساسية، وأدوية الأمراض المزمنة. إلا أن هذه المساعدات، بحسب الشيخ، لا تكفي لبناء نظام صحي متكامل.
ويوضح الشيخ لـ”963+” أن البنية التحتية للقطاع الصحي تحتاج إلى استثمارات ضخمة وطويلة الأمد لإعادة إعمار وترميم المنشآت الصحية التي دُمرت بفعل القصف الذي نفذته قوات النظام السوري وحلفاؤه. ورغم محدودية الدعم، أشار إلى أن التمويلات تسهم جزئياً في تحسين الخدمات الطارئة والوقائية، ويمكن أن تشكل نواة لتطوير القطاع الصحي إذا تحولت من دعم طارئ إلى شراكات تنموية حقيقية.
ويشدد الشيخ على ضرورة أن يشمل الدعم الدولي نقل الخبرات، وتطوير التكنولوجيا الطبية، وتزويد المستشفيات والمراكز الصحية بأجهزة حديثة ومتطورة، مع ضمان توزيعها بشكل عادل وفقاً للكثافة السكانية ويدعو إلى اعتماد استراتيجيات تمويل مبتكرة، أبرزها تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتحفيز الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاع الصحي، بالإضافة إلى إطلاق برامج تمويل طويلة الأمد لإعادة الإعمار وتفعيل دور منظمات المجتمع المدني في تنفيذ مشاريع صحية مستدامة.
ويختم الشيخ حديثه بالإشارة إلى أن القطاع الصحي في سوريا يعاني من نقص حاد في الأجهزة الطبية الحديثة، والأدوية، والمستلزمات الطبية، نتيجة العقوبات المفروضة سابقاً على الدولة السورية، بالإضافة إلى الفساد المالي والإداري الذي ساد في عهد النظام السابق. وأكد أن هناك حاجة ملحة إلى تمويل سريع وشامل لإعادة إعمار المنشآت الصحية وتزويدها بالأدوية، الأجهزة، سيارات الإسعاف، وكل ما يلزم لتقديم خدمات صحية متكاملة.
دعم جاد للقطاع الطبي
من جانبه، يكشف المحامي محمد حاج حسين، المقيم في مدينة إدلب، عن التحديات الكبيرة التي تواجه القطاع الصحي في المنطقة، مشيرًا إلى ضرورة تدخل عاجل لإعادة تأهيل البنية التحتية الصحية. وأوضح أن العديد من المنشآت الطبية والمشافي تعرّضت لدمار شبه كامل، ما يستدعي جهودًا مكثفة لإعادة ترميمها.
ويؤكد حاج حسين لـ”963+” أن النقص الحاد في الأجهزة الطبية المتخصصة وذات الكلفة العالية يشكّل عائقًا أمام تقديم الخدمات الطبية المناسبة، في ظل ارتفاع عدد المرضى المحتاجين لتلك الأجهزة. وأضاف أن هناك أيضًا أزمة في توفير الأدوية والمستلزمات الطبية النوعية، لا سيما لعلاج الأمراض المزمنة.
ويشير إلى أن تحسين القطاع الصحي يعتمد بشكل أساسي على حجم الاستثمارات والتمويلات المتاحة، وعلى مدى جدية الدول في تقديم الدعم المطلوب، لافتًا إلى أن وجود دعم جزئي قد يسهم في تحسين مستوى الخدمات الطبية إلى حد ما.
وبحسب حاج حسين، فإن الشراكات الدولية والنية الجدية في العمل يمكن أن تؤسس لمنظومة صحية قادرة على تلبية أكثر من 80% من الاحتياج الطبي في المنطقة. لكنه انتقد واقع الدعم الحالي، واصفًا إياه بـ”الخجول جدًا” مقارنة بحجم الاحتياجات الهائل.
كما يشدد على أهمية تبني استراتيجية للدعم الذاتي في سوريا، من خلال تعزيز الاعتماد على الموارد المحلية والسعي لخلق أرضية قادرة على تأمين جزء كبير من الاحتياجات الصحية بعيدًا عن الاعتماد المطلق على المساعدات الخارجية.










