بابتسامة يمزجها الإرهاق والأمل، يصف الدكتور خلدون الأسود، رئيس قسم القسطرة القلبية في مستشفى “هنري فورد” بالولايات المتحدة، واقع العمل الطبي في سوريا: “في يوم واحد، أقوم بإجراء ما بين 9 إلى 14 عملية قسطرة قلبية… الحاجة كبيرة، والإمكانات شحيحة”.
ففي محافظة درعا، على سبيل المثال، دُمر المركز الوحيد للقسطرة القلبية خلال سنوات الحرب، ما اضطر المرضى للسفر إلى الأردن لتلقي العلاج، في رحلة قد تودي بحياتهم.
وفي هذا السياق، جاءت مبادرة “سامز” لتقدم حلولاً، إذ بدأت المبادرة بمؤتمر علمي تضمن ورش عمل ومحاضرات تخصصية، ثم تطورت إلى حملات طبية ميدانية.
ويؤكد الأسود في تصريحات لـ”963+” أنهم “شخصوا 45 حالة في درعا خلال أيام قليلة، وبدأوا العمل مع أطباء محليين أكفاء، رغم الإمكانات المحدودة”.
اقرأ أيضاً: صحة السويداء معتلة! – 963+
نظام صحي منهك وحق العلاج المسلوب
يتحدث الدكتور الأسود بحزن عن الوضع الصحي العام في سوريا، مؤكداً أن “الطب والتعليم جيدان، لكن الموارد غير موجودة. لا يجوز أن يصل المريض إلى مرحلة يبيع فيها بيته ليتلقى العلاج… العلاج حق من حقوق الإنسان.” ورغم أن دمشق أفضل حالاً نسبياً لوجود عدد من المستشفيات، إلا أنه يصف مشفى درعا الوطني بالقول: “لا يوجد من المشفى سوى الجدران”.
ويعرب الأسود عن مشاعره تجاه عودته إلى سوريا بعد سنوات من المنع الأمني، حيث كان “محروماً من دخول بلده، ومطلوباً لجميع فروع الأمن” منذ عام 2009. ولكنه اليوم يساهم في العلاج ويستعيد بعضاً من أمله.
وتؤكد “سامز” على أهمية التعليم الطبي، ولهذا تسعى للتعاون مع الجامعات السورية وتطوير مهارات الأطباء المحليين.
ويشير الأسود إلى أن “التعليم هو المفتاح الحقيقي”، وأنهم يطمحون “لتأسيس مركز طبي بمواصفات عالمية، يقدم رعاية توازي تلك في أميركا”.
ويصف الدكتور ملهم الديري، طبيب تداخلية قلبية، الحملة التي شارك بها بأنها “عزيزة على قلبه”، مؤكداً: “هؤلاء المرضى هم أهلي وأحبتي. سنؤسس مركزاً للقسطرة القلبية في درعا والقنيطرة بالشراكة مع سامز”.
يستذكر الديري أولى حملاته بعد “التحرير”، حيث أُجريت 15 عملية قسطرة خلال يومين في مشفى القلب الجراحي بحلب، وتكفلت سامز بكامل التكاليف. وحاليًا، يسهل مشفى المواساة عمل الأطباء ويستقبل الحالات.
“القطاع الصحي ضرورة وليس رفاهية”
يومياً، يعالج الأطباء نحو 15 مريضاً بالقسطرة، إضافة إلى الحالات الإسعافية، ويوضح الديري أن “الحاجة شديدة، والقطاع الصحي في سوريا منهك بالكامل”. ويوجه نداءً: “لسنا بحاجة إلى أطباء فقط، بل أيضًا إلى مهندسين ورجال أعمال ومستثمرين للمساعدة في إعادة بناء النظام الصحي. هذا القطاع ضرورة… وليس رفاهية”.
ولأول مرة، أقامت “سامز” مؤتمرها السنوي في سوريا بدلاً من الولايات المتحدة، لتكون قريبة من الواقع والناس رغم التكاليف الضخمة.
ويقول المسؤول الإعلامي في سامز إنه “جاء أكثر من 350 طبيباً من سامز إلى سوريا، وانتشروا في مختلف المحافظات. أُدخلت معدات طبية حديثة، ودُرّب الطلاب والأطباء المحليون عليها. أقمنا ورشات تخصصية، وركزنا على تدريب المقيمين والاختصاصيين”.
ويضيف: “أردنا تسليط الضوء على الواقع الطبي، لا نظريًا، بل من قلب سوريا، حيث الألم، والحاجة، والفرصة”.
وعلى الرغم من التحديات والقيود والذكريات المؤلمة، فإن جهود هؤلاء الأطباء والمتطوعين تعيد رسم صورة سوريا كبلد ينبض بالحياة، بالعلم، وبالكرامة، ولم تكن “سامز” مجرد منظمة طبية، بل كانت جسراً إنسانياً يربط بين من عاش في الخارج ولم ينس وطنه، وبين من صمد في الداخل، في انتظار هذا اللقاء المنقذ.
اقرأ أيضاً: مرضى السكري بدمشق.. المعاناة مستمرة – 963+
عن “سامز“
الجمعية الطبية السورية الأميركية “SAMS” هي منظمة غير ربحية تأسست في الولايات المتحدة عام 1998، وتضم الجمعية آلاف الأطباء والكوادر الصحية من أصل سوري يعملون في مختلف دول العالم.
ومنذ بداية الحرب في سوريا، تحولت “سامز” إلى إحدى أبرز الجهات الطبية والإنسانية التي تقدم الرعاية والخدمات الصحية للمحتاجين داخل سوريا وفي أماكن اللجوء والنزوح خارجها.
وتعمل “سامز” في أكثر من 10 دول، وتشرف على مئات المرافق الطبية والنقاط الإسعافية في سوريا. كما تنفذ حملات طبية تطوعية وتوفر التدريب والتطوير للأطباء المحليين والطلاب في الجامعات السورية.
ومنذ عام 2011، قدمت “سامز” ملايين الخدمات الطبية، بما في ذلك العمليات الجراحية والولادات والرعاية النفسية والعلاج الفيزيائي، بالإضافة إلى دعم الصحة العامة والتغذية.
وتؤمن “سامز” بأن الوصول إلى الرعاية الصحية حق لكل إنسان، وتسعى لبناء نظام صحي مستدام يعتمد على الشراكة مع المجتمعات المحلية وتطوير الكفاءات داخل سوريا. أثرها في سوريا ملموس، فقد أسهمت في تخفيف العبء عن المستشفيات المتعثرة ودعمت عشرات الآلاف من المرضى. واليوم، وبعد سنوات من العمل الإنساني المتواصل، أصبحت “سامز” رمزاً للأمل الطبي في وجه التحديات.










