في خطوةٍ تعكس تنامي الاهتمام الدولي بالوضع الإنساني في سوريا، أبرمت وزارة الزراعة السورية مؤخراً، اتفاقية تعاون مع برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة (WFP)، وذلك في إطار جهود مشتركة لدعم المزارعين المتضررين من موجات الجفاف المتلاحقة، وضمان استدامة سبل العيش في المجتمعات الريفية.
وتأتي الاتفاقية بالتزامن مع دعوات حقوقية متزايدة لحشد الدعم الإنساني وتعزيز الاستقرار في البلاد، في ظل التحديات البيئية والاقتصادية الراهنة.
ونصت الاتفاقية التي وقعها وزير الزراعة السوري أمجد بدر، والمديرة القطرية لبرنامج الأغذية العالمي ماريان وارد في العاصمة دمشق على تنفيذ تدخلين متكاملين بناء على تقييم الاحتياجات، وأن إمكانية التنفيذ من الناحية التشغيلية، ستشمل نحو 33 ألف مزارع بحسب وكالة “سانا” السورية.
وقالت الوكالة إن التدخل الأول سيتضمن تقديم دعم مالي زراعي موجه للمزارعين المتضررين من الجفاف في محافظات (الحسكة – حلب – إدلب – حماة – حمص – درعا)، وسيكون تقديم المساعدة على مدى دورتين إلى ثلاث دورات، وذلك حسب شدة الجفاف وهشاشة أوضاع الأسر المتضررة.
أما التدخل الثاني فسيقدم البرنامج مساعدات غذائية طارئة للمزارعين المتضررين من الجفاف في محافظتي (الرقة – دير الزور)، من خلال حصص غذائية شهرية توزع من شهر آب وحتى كانون الأول الجاري، ويهدف إلى تلبية الاحتياجات الغذائية، والتخفيف من آثار خسارة المحاصيل.
وعقب توقيع الاتفاقية، أكد بدر في تصريح للصحفيين، أهمية تعزيز التعاون والتواصل مع المنظمات الأممية، وتقديم المساعدات لجميع المزارعين وتعزيز صمودهم، في ظل التحديات التي تواجه القطاع الزراعي من الجفاف إلى الحرائق، وتدمير البنية التحتية والخسائر التي لحقت بهذا القطاع بسبب النظام البائد.
ومن جانبها، أشارت المديرة القطرية لبرنامج الأغذية العالمي ماريان وارد، إلى أهمية تقديم الدعم النقدي لتوفير المرونة للمزارعين لشراء احتياجاتهم، وتعزيز قدرتهم على الصمود في المناطق التي تأثرت بالجفاف، والاستثمار بالموسم القادم.
اقرأ أيضاً: اتفاقية مع برنامج الأغذية العالمي لدعم المزارعين في سوريا – 963+
“مؤقت وغير مستدام”
يقول الدكتور عبد التواب بركات الأستاذ بمركز البحوث الزراعية والمتخصص في السياسات الزراعية والأمن الغذائي، إن “الدعم المقدم من المؤسسات الأممية والدولية غالباً ما يكون مؤقتاً وغير مستدام، ويكتفي بالتخفيف من وطأة الأزمات الغذائية دون المساهمة الفعلية في تحقيق الاكتفاء الذاتي للدول النامية ويوضح بركات أن هذا الدعم غالباً ما يُقدّم مشروطاً بأهداف الدول المانحة التي تسعى لتحقيق مصالح سياسية من وراء تبرعاتها”.
ويضيف بركات لــ”963+” أن الحكومات الجادة هي التي تضع خططاً استراتيجية للاعتماد على الذات، من خلال التركيز على إنتاج المحاصيل الأساسية مثل القمح والذرة والقطن والمحاصيل الزيتية، إلى جانب اللحوم والأسماك، مستفيدة من جهود الباحثين الزراعيين في تطوير سلالات محلية تتحمل الجفاف والظروف البيئية الصعبة، ودعم المزارعين بتلك الأصناف وشراء محاصيلهم بأسعار مجزية.
ويشير إلى أن سوريا تمتلك مقومات تاريخية لتحقيق الاكتفاء الذاتي، خصوصاً في إنتاج القمح والمحاصيل الاستراتيجية، وأنها قادرة من خلال إمكانياتها المحلية على تجاوز تحديات الجفاف وتعزيز الأمن الغذائي، مما يُمكّنها من الاستغناء عن المعونات الدولية التي ترتبط بأجندات سياسية لا تخدم التنمية.
ووفقًا لتقديرات عام 2010، شكّلت الزراعة حوالي 17.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وكان يعمل فيها نحو 17% من القوى العاملة، أي ما يقارب 900 ألف شخص2. لكن بعد عام 2011، تراجعت هذه النسبة بشكل ملحوظ بسبب الحرب، الجفاف، وتدهور البنية التحتية، لتصل إلى 12% فقط بحلول عام 2024. ومع ذلك، لا تزال الزراعة تلعب دورًا مهمًا في الأمن الغذائي والتشغيل المحلي، خصوصًا في المناطق الريفية.
اقرأ أيضاً: وزير الزراعة يبحث مع مسؤول إيطالي دعم الزراعة السورية – 963+
انعكاس إيجابي على القطاع الزراعي
يؤكد الدكتور عبد الإله الفاضل، المختص في الهندسة الزراعية قسم المحاصيل والمقيم في مدينة غازي عنتاب، لــ”963+” أن الاتفاقية المبرمة مع برنامج الغذاء العالمي ستنعكس إيجاباً على القطاع الزراعي، ما دامت تهدف إلى تحسين نوعية الإنتاج الزراعي بشكل عام.
ويوضح أن هذا التحسين سيسهم في توفير المنتجات الزراعية والغذائية، خصوصًا للعائلات الأكثر ضعفًا، مما يؤدي إلى وفرة إنتاجية تساهم تدريجيًا في خفض الأسعار وتحسين الحالة الغذائية للمجتمع.
ويضيف الفاضل أن التعاون مع برنامج الأمن الغذائي سيساهم في زيادة الإنتاج الزراعي، الأمر الذي سيحدّ من الحاجة للاستيراد ويقلل من استنزاف العملة الأجنبية. ومع تعزيز الإنتاج المحلي وتحسين جودة المنتجات، خصوصًا الغذائية منها، ستتعزز الوفرة في الأسواق، مما يعزز الاستقلال الغذائي للبلاد.
ويشير إلى أن طبيعة هذا التعاون مع الأمم المتحدة تعكس توجهاً نحو دعم مستدام وطويل الأجل، مع التركيز على رفع قدرات المزارعين والفنيين الزراعيين. كما أن نمو القطاع الزراعي وانعكاساته الإيجابية على السوق المحلي ستخلق فرص عمل جديدة، سواء في الإنتاج الزراعي المباشر أو في مجالات التصنيع الغذائي مثل الكونسروة والمونة المنزلية، والتي تحتاج إلى أيدٍ عاملة.
اقرأ أيضاً: الزراعة في سوريا: كيف تستعيد مجدها؟ – 963+
ورغم ذلك، ينبه الفاضل إلى أن الاتفاقية لم تغطِ بعض التحديات المتعلقة بتوفير مدخلات الإنتاج الضرورية، سواء بسبب نقصها في السوق، أو ارتفاع أسعارها، أو ضعف جودتها.
لكنه عبّر عن تفاؤله بأن هذه المبادرات ستفتح المجال أمام منظمات دولية أخرى للدخول في شراكات تكمل هذا البرنامج، ما من شأنه أن يعزز القدرة على مواجهة هذه العقبات ودفع عجلة الإنتاج والتنمية الاقتصادية قدمًا.
وتشهد سوريا منذ عدة أعوام تراجعاً حاداً في كميات الأمطار وازدياداً في وتيرة الجفاف، خاصة في المناطق الشمالية والشرقية التي تُعد الخزان الزراعي الرئيسي للبلاد. وقد تسبب ذلك بانخفاض إنتاج القمح والشعير إلى مستويات غير مسبوقة، مما فاقم من أزمات الأمن الغذائي في البلاد.










