أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر حصرية، أن البلاد لن تلجأ إلى الديون الخارجية، التزاماً بتوجيهات الرئيس أحمد الشرع، في ما اعتبر مؤشراً على توجه اقتصادي جديد بعد الحرب. وأشار إلى تحسن سعر صرف الليرة بنسبة 30% منذ سقوط نظام الأسد أواخر 2024، مع توقعات بتوحيد سعر الصرف دون ربط بالعملات الأجنبية، واستعادة البنوك السورية الوصول إلى نظام “سويفت”.
كما كشف عن خطة لإصلاح القطاع المصرفي، تتضمن إنشاء مؤسسة لضمان الودائع وتقديم قروض عقارية للمغتربين، بهدف تعزيز الثقة وجذب السيولة. لكن مراقبين يشككون في إمكانية تنفيذ هذه التوجهات في ظل التحديات الاقتصادية العميقة.
اقرأ أيضاً: “رؤية سوريا 2035”.. التحديات في مواجهة الإمكانيات – 963+
الديون الخارجية… ضرورة أم عبء؟
يرى الدكتور إيهاب اسمندر، الباحث الاقتصادي، أن رفض الاقتراض الخارجي قرار يحتاج إلى دراسات دقيقة. ويعتبر في تصريحات لـ”963+” أن الديون ليست سلبية بالضرورة إذا وُظفت في مشاريع استراتيجية تعزز الإنتاجية، لكنها قد تتحول إلى عبء إذا تجاوزت القدرة على السداد. وأكد ضرورة دراسة خيارات التمويل كافة قبل اتخاذ مواقف حاسمة.
,يشير اسمندر إلى أن سوريا تعاني نقصاً حاداً في الموارد بعد تراجع الصادرات من 14 مليار دولار عام 2011 إلى 1.2 مليار في 2024، وهبوط الناتج المحلي إلى نحو 8 مليارات.
ويرى أن الاعتماد على الإنتاج والصادرات وحده غير واقعي في ظل غياب استثمارات كبيرة وبيئة أعمال محفزة.
وبخصوص تحسن سعر الصرف، اعتبر أن هذا التحسن مؤقت ولا يستند إلى أسس اقتصادية متينة، بل إلى رفع العقوبات وتقييد السيولة، متوقعًا تراجع قيمته ما لم يقترن بإصلاح حقيقي وزيادة الإنتاج.
توحيد سعر الصرف… تحديات مركبة
يرى اسمندر أن المركزي قد يوحد أسعار الصرف الرسمية لكنه يفتقر حالياً لأدوات ضبط السوق الموازية، بسبب ضعف الاحتياطي النقدي وتدني الثقة.
ويؤكد على أن استقرار سعر الصرف مرهون بتعزيز الإنتاج وزيادة التحويلات الخارجية، التي باتت تغطي أكثر من 60% من نفقات الأسر وتُقدَّر قيمتها بما بين 1.8 و3 مليارات دولار سنوياً.
ويعتبر اسمندر أن العودة إلى “سويفت” خطوة إيجابية لكنها لن تحقق تحولًا سريعًا ما لم تتحسن البيئة المصرفية والاقتصادية. ويرى أن ضمان الودائع ضروري لإعادة الثقة بالمصارف لكنه يظل غير كافٍ دون استقرار سياسي وخطة إصلاح أشمل. كما وصف قروض المغتربين بأنها خطوة رمزية لن تغيّر قرارات العودة أو الاستثمار ما لم تتحقق ظروف أمنية واقتصادية جاذبة.
اقرأ أيضاً: وزارة المالية السورية تصدر التعليمات التنفيذية لمرسوم زيادة رواتب العاملين – 963+
قراءة نقدية للتوجهات الجديدة
يعتقد الدكتور رازي محي الدين، رئيس مجلس إدارة شركة روابط للاستشارات الإدارية، أن إعلان عدم الحاجة للديون هو أقرب لوصف واقع مفروض بسبب العقوبات والعزلة المالية، أكثر من كونه خياراً استراتيجياً. ويرى أن الخطاب يحمل أبعادًا سياسية لتأكيد فكرة السيادة الاقتصادية.
ويشير في تصريحات لـ”963+” إلى بدائل تمويلية تشمل شراكات القطاعين العام والخاص (PPP)، إصدار سندات وصكوك داخلية، استثمار الأصول العامة، وتنشيط الإنتاج والصادرات إلى جانب تطوير نظام ضريبي فعال. لكنه يشدد على أن هذه الخيارات تتطلب بيئة قانونية وإدارية مستقرة.
ويؤكد محي الدين أن الاعتماد على الإنتاج والصادرات أمر منطقي على المدى البعيد، لكنه صعب التحقق حالياً بسبب ضعف البنية التحتية والعقوبات ونقص التمويل.
ويرى أن توحيد سعر الصرف مرهون بتوافر احتياطيات كافية وضبط السوق الموازية، مع إعادة هيكلة القطاع المصرفي.
سويفت والتحويلات… أهمية مرحلية
يرى أن العودة لـ”سويفت” خطوة أساسية لكنها لن تنعكس سريعاً على الاقتصاد دون معالجة العقبات التنظيمية والفنية. ويؤكد أن التحويلات الخارجية ستظل المصدر الأكثر استقرارًا للنقد الأجنبي في المرحلة الحالية.
ويشدد محي الدين على أن نجاح أي سياسة اقتصادية يتطلب إصلاح الإطار المؤسسي والمالي، ضمان استقلالية المصرف المركزي، مكافحة الفساد، وتحفيز الإنتاج المحلي.
ويرى أن قروض المغتربين قد تحرك سوق العقارات إذا قُدمت بضمانات قانونية وفوائد عادلة، لكنها غير كافية بمفردها لجذب الاستثمارات أو إعادة الثقة.
وتظهر التصريحات الحالية رغبة في تجاوز مرحلة الاعتماد على القروض الخارجية واستعادة الثقة بالاقتصاد، لكنها تواجه تحديات كبرى تتعلق بالموارد والبيئة الاستثمارية. ويرى الخبراء أن الإصلاح المؤسسي والشفافية وسيادة القانون هي الشروط الأساسية لتحويل هذه الطموحات إلى واقع ملموس.










