شكلت العلاقات بين سوريا والعراق ملفاً معقداً يجمع بين الروابط التاريخية والانقسامات السياسية، حيث شهدت تقلبات بين التقارب والصراع، خاصة مع صعود حزب البعث في البلدين وتصاعد العداء بين حافظ الأسد وصدام حسين خلال الحرب العراقية الإيرانية، وبعد سقوط نظام صدام عام 2003، دخلت العلاقات مرحلة جديدة لكنها ظلت متأثرة بالتدخلات الإقليمية، لا سيما دعم العراق لنظام الأسد عبر فصائل شيعية خلال الحرب السورية عام 2011، مما عمّق الانقسامات الطائفية.
واليوم، تواجه العلاقات تحديات كبيرة تتمثل في الحاجة للتعاون الأمني لمكافحة “داعش” وتأمين الحدود، في ظل النفوذ الإيراني الذي يعيق التقارب الحقيقي، رغم محاولات إحياء التعاون المشترك. ومع ذلك، يتشارك الشعبان السوري والعراقي تطلعات نحو الحرية والاستقرار، وقد تساهم المصالح الاقتصادية مثل مشاريع النفط والتنمية في إعادة بناء العلاقات بعيداً عن الصراعات الطائفية، مما يطرح تساؤلات حول إمكانية فتح صفحة جديدة بين البلدين أم استمرار تأثير إرث الماضي والصراعات الراهنة.
اقرأ أيضاً: من الأسد إلى الشرع.. كيف تغيرت معادلة ترسيم الحدود مع لبنان؟
يقول حسن النيفي، الكاتب السوري المقيم في فرنسا لـ”963+”، إن العلاقة بين سوريا والعراق اتسمت منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي بالتوتر الدائم نتيجة الصراع بين جناحي حزب البعث الحاكم في كلا البلدين.
ويضيف: “على الرغم من زوال النظام الحاكم في العراق نتيجة الاحتلال الأميركي عام 2003، فإن العلاقات بين البلدين لم ترتق إلى المستوى المطلوب، ليقين الجماعات الحاكمة في العراق بأن نظام دمشق كان يدعم الجماعات الإسلامية المتطرفة التي قاومت الاحتلال الأميركي. فنحن إذاً أمام إرث متراكم من الحساسية الشديدة وعدم الارتياح بين طرفي الحكم في دمشق وبغداد”.
ويستطرد: “ما هو مؤكد أن سقوط نظام الأسد في سوريا قد عمّق الفجوة بين الطرفين بحكم الاصطفافات الإقليمية والدولية وتباين المواقف حيال التغيير الذي جرى في سوريا. لكن ما يمكن الجزم به هو أن التحالف الحاكم في العراق يُعد بمعظمه امتداداً للنفوذ بل الهيمنة الإيرانية على العراق، وذلك بحكم الانتماء الطائفي والولاء الأيديولوجي”.
وعلى الرغم من الموقف الرسمي للحكومة العراقية التي رحّبت بإقامة علاقات متوازنة مع الحكم الجديد في سوريا، إلا أن دعوة الحكومة لا تحظى بتأييد من القوى التي تتشكل منها الحكومة، الأمر الذي يجعل من أي علاقة راهنة أو مستقبلية بين الطرفين عرضةً للفشل، بحسب النيفي.
ويوضح الكاتب السوري: “لعله من الثابت أن استمرار الهيمنة الإيرانية على العراق سيجعل علاقات العراق مرهونة بسياسات إيران في المنطقة، وهذا لا يتيح للمرء المزيد من التفاؤل بنمو أو تطور للعلاقات بين دمشق وبغداد. يمكن أن تنشأ بين البلدين علاقات دبلوماسية تراعي جميع موجبات البروتوكول، وذلك بحكم المصالح الأمنية المشتركة بين الطرفين وخاصة في مواجهة تنظيم داعش والقوى المتطرفة التي تجسّد خطراً مشتركاً للطرفين معاً، ولكن هذا كله لن يرقى إلى مستويات في العلاقة توازي مستوى العلاقات الحميمية والطيبة بين الشعبين السوري والعراقي”.
تحديات مشتركة
من جانبه، يقول صباح العكيلي، مدير مركز الهدف للدراسات الاستراتيجية، لـ”963+”، إنه رغم التغيرات التي حدثت في سوريا والعراق، إلا أن العلاقات لا تزال موجودة بين البلدين، علاوة على العلاقة بين الشعبين وهي ذات تأثير إيجابي.
اقرأ أيضاً: التعافي البيئي في سوريا.. عوامل مركبة وتقييم للأضرار والكلفة
ويشير العكيلي إلى أن الشعبين السوري والعراقي عانا لعقود من حزب البعث العربي الاشتراكي الذي اتسم بالشمولية في الحكم والاستبداد. لكن بعد سقوط الحزب، آن للشعبين أن يتنفسا الصعداء ويتخلصا من تأثيره، وأن يكون لهما – لا سيما السوريين – الحرية في اختيار نظامهم السياسي وتحديد حكمهم المناسب.
ويؤكد أن التواصل والعلاقة الثابتة بين البلدين وشعبهما ما زالتا قائمتين بعيداً عن السياسة، رغم كل ما مر به البلدان. لكنه يوضح أن العلاقة بين بغداد ودمشق لا تزال غير مستقرة بالشكل المطلوب، وتمر بعقبة كبيرة بسبب التوترات في سوريا وأعمال العنف المستمرة هناك.
ويضيف العكيلي أن أحد أهم الأسباب التي تعرقل العلاقة بين دمشق وبغداد هو التوغل الإسرائيلي في جنوب سوريا، رغم أن العراق أبدى تجاوباً وتأييداً للتغيرات الجارية. ويعتقد أن العراق يطمح لأن تكون سوريا مستقرة، وهو ما سينعكس إيجاباً على البلدين، وسيخلق نوعاً من التعاون خاصة في مجال مكافحة “الإرهاب”، حيث تعاني سوريا من انتشار مجموعات متطرفة إلى جانب تنظيم “داعش”.










