لطالما شكّلت سوريا، بما تمتلكه من موقع جغرافي حيوي وإرث سياسي عميق، إحدى الركائز الأساسية التي تستند إليها السياسة الإقليمية، ومن خلالها يُضبط ميزان القوى التقليدية في المنطقة العربية والدائرة الأوسع في الشرق الأوسط.
غير أن الصراع المسلح الذي اندلع في عام 2011، نتيجة مباشرة لسياسات نظام الأسد الأب والابن، دفع بسوريا إلى هامش التأثير، وأغرقها في موازنات عقائدية ووظيفية، مما حوّل البلاد إلى ساحة للصراعات بدلًا من أن تكون فاعلًا رئيسيًا في إدارتها.
خلال الأشهر الأخيرة، استطاعت سوريا تجاوز العديد من القيود، وحققت تقدمًا كبيرًا في سعيها للاندماج مجددًا في المجتمع الدولي، لا سيما بعد قرار الولايات المتحدة رفع بعض العقوبات الاقتصادية، وهو ما أتاح للسياسة الخارجية السورية أن تعود إلى ساحة التأثير، وتتفاعل مع القوى الإقليمية الفاعلة بما يعزز مكانتها التي تراجعت خلال العقدين الماضيين.
اقرأ أيضاً: المبعوث الأميركي: على السوريين أن يندمجوا في هيكل موحد – 963+
الأمن والاقتصاد مفتاح التأثير الخارجي
في هذا السياق، يشير الباحث السوري طه عبد الواحد إلى أن سوريا تظل، بلا شك، فاعلًا إقليميًا مهمًا ولاعبًا رئيسيًا في المنطقة، وذلك استنادًا إلى عوامل الجغرافيا، والتاريخ، والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية مع دول الجوار العربي والإقليمي.
وفي حديثه عن السياسة الخارجية السورية، وإمكانية أن تصبح سوريا قوة فاعلة إلى جانب الرياض والقاهرة، يشدد عبد الواحد في تصريحات لـ”963+” على أن ذلك مرهون بعدة عوامل رئيسية: “أولاً، أكد أن الدولة بحاجة إلى تحقيق استقرار داخلي شامل، وأن يكون الوضع الأمني تحت السيطرة الكاملة، بحيث لا تبقى بؤر توتر أو مناطق غموض أمني، مع ضمان سيادة الأمن بجميع جوانبه داخل البلاد”.
ويشير عبد الواحد إلى أن “الوضع الاقتصادي يُعد عاملاً محورياً في قدرة سوريا على استعادة دورها الإقليمي”، موضحاً أن الاقتصاد هو من أهم أدوات السياسة الخارجية.
ويتساءل: هل سيكون الاقتصاد السوري معتمداً بشكل رئيسي على الخارج، أم سيصبح رافدًا لاقتصادات دول أخرى، وعلى رأسها الدول العربية وبعض الدول التي ترتبط بعلاقات اقتصادية مع سوريا؟
ويرى أن النموذج الأمثل يتمثل في “تحقيق توازن، بحيث تستفيد سوريا من علاقاتها الاقتصادية مع الدول الصديقة، وفي الوقت ذاته ترتبط اقتصادات هذه الدول بالاقتصاد السوري”.
كما يضيف أن استقرار النظام السياسي ينعكس بشكل مباشر على مدى فاعلية وتأثير السياسة الخارجية، إلى جانب قدرة سوريا على موازنة علاقاتها مع مراكز القوى الإقليمية والدولية المتنافسة.
ويختتم عبد الواحد حديثه بالتأكيد على أن التنمية والاستقرار في الداخل يمثلان حجر الزاوية في تحديد ما إذا كانت سوريا ستنجح في أن تكون قوة فاعلة إلى جانب الرياض والقاهرة.
اقرأ أيضاً: الشرع يزور الإمارات ضمن جولة خليجية لتعزيز التعاون الاقتصادي – 963+
رهانات الخارج وشروط الداخل
من جهته، يقول اللواء أحمد الميموني، مدير مركز الدراسات والبحوث في معهد “رصانة” الدولي بالرياض، إن السياسة الخارجية السورية ستكون انعكاساً للمكاسب التي حققتها القيادة الجديدة من خلال قبولها الدولي، نتيجة تعاطيها الواقعي مع المتغيرات، والرسائل الإيجابية التي وجهتها للداخل والخارج، إلى جانب الدعم العربي، خاصة من المملكة العربية السعودية، التي ترى في نجاح التجربة السورية الجديدة بدايةً لإعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية، وتقييد قدرة بعض القوى الإقليمية على الهيمنة على القرار العربي، بالنظر إلى مركزية سوريا في مشاريع دولية وإقليمية متعددة.
ويشير الميموني، في حديثه لـ”963+”، إلى وجود تقاطع مصالح بين عدد من الدول، منها السعودية وتركيا والولايات المتحدة، في ما يتعلق بإعادة ترتيب الوضع في سوريا، ما يشكل فرصة للحكومة السورية للعودة إلى الساحة، رغم التحديات الاقتصادية والحاجة إلى إعادة الإعمار، فضلًا عن ضرورة هيكلة مؤسسات الدولة بما يتلاءم مع المرحلة القادمة.
ويبيّن أن خطوات الحكومة في ضبط الأوضاع الأمنية، والرسائل الإعلامية التي تبعث بها، تعزز الأمل، وتحيي طموحات السوريين في الحفاظ على مكتسبات الثورة. ويشير إلى أن إطلاق الهوية البصرية الجديدة، التي أعلنها الرئيس أحمد الشرع، يعكس روحاً جديدة وتطلعاً لمكانة مميزة، ورغبة في استثمار اللحظة التاريخية التي لا يرغب السوريون في تفويتها مرة أخرى.
بين تصفير الأزمات وبناء التحالفات
ورغم ذلك، لا تزال التحديات عديدة، داخلياً وخارجياً؛ فعلى الصعيد الداخلي، لا بد من إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بما يضمن استقراراً طويل الأمد، يشجع الأطراف الدولية على إعادة الانخراط بثقة.
أما التحديات الخارجية، مثل تهديدات إسرائيل وبعض المشاريع الإقليمية أو الجماعات الإرهابية الساعية لملء الفراغ أو استعادة النفوذ، فلا تزال تمثل خطراً على تماسك الحكومة.
كما أن المطالب الدولية، كرفع العقوبات، والانفتاح السياسي، وضمان حقوق الأقليات، ما تزال مطروحة على طاولة التفاوض بين سوريا والدول المعنية.
ويشدد الميموني في ختام حديثه، على أن الدور السوري المستقبلي سيكون داعماً للمبادرات العربية، ولا سيما السعودية والمصرية، وسيسهم في كبح وتحفيز توازن القوى في الإقليم، بما في ذلك العلاقة مع تركيا.
كما يرى أن جهود السعودية، بالتعاون مع الولايات المتحدة، قد تفضي إلى إعادة تعريف العلاقات بين سوريا وإسرائيل، مما قد يمهّد لفترة سلام تمتد آثارها إلى لبنان وفلسطين.
وعليه، فإن نجاح سوريا في تنفيذ سياسة خارجية فاعلة، واستكمال بناء مؤسسات الدولة، يُعد رهاناً واقعياً خلال المرحلة المقبلة، ومحلّ ترقّب من الشركاء الإقليميين والدوليين، الذين ينتظرون من الدولة السورية الجديدة أن تثبت امتلاكها الإرادة الجادة لإعادة البناء من خلال مؤسسات أكثر كفاءة وفعالية.
اليوم، تقف دمشق أمام لحظة فارقة، تُراهن فيها على إعادة تعريف سياستها الخارجية، والسير نحو ما تستحقه كقوة فاعلة إلى جانب الرياض والقاهرة.
في السياق ذاته، يوضح الباحث في العلاقات الدولية حسن الشاغل أن السياسة الخارجية لأي دولة تقوم على أربعة عوامل رئيسية: العامل العسكري، والاقتصادي، والديموغرافي، والموقع الجغرافي، بالإضافة إلى التحالفات الإقليمية والدولية.
ويضيف في حديثه لـ”963+” أن على السياسة الخارجية السورية، إذا أرادت الانطلاق نحو الفاعلية، أن تعمل على ترميم العديد من عناصرها، لاستعادة مكانتها والاندماج ضمن منظومة القوى العربية الفاعلة في الشرق الأوسط، بما يتيح تفعيل أدوات التأثير ومصادر القوة.
ويشير الشاغل إلى حاجة سوريا إلى جهود كبيرة لإعادة تأهيل مقوماتها الاقتصادية، وتعزيز قدراتها العسكرية، واستثمار موقعها الجغرافي بما يتيح لها الاستفادة من المشاريع الدولية التي تمر عبر أراضيها.
اقرأ أيضاً: قطر والسعودية تقدمان دعماً مالياً للعاملين في القطاع العام السوري – 963+
ويرى أن هذا الترابط بين الجغرافيا والاقتصاد يسهم في ترسيخ الاستقرار الداخلي، ويحفّز القوى الإقليمية والدولية على دعم سوريا وتثبيت استقرارها.
كما يبيّن أن السياسة الخارجية السورية سترتبط، بشكل مباشر، بطبيعة التحالفات الحالية، التي تتجلى من خلال علاقاتها مع تركيا، والمملكة العربية السعودية، وقطر.
ويرجّح الشاغل، في ختام حديثه، أن تكون قدرة السياسة الخارجية السورية على التأثير في محيطها محدودة على المدى القريب والمتوسط.
وبالتالي، يمكن القول إن مسار السياسة الخارجية السورية في هذه المرحلة يسير باتجاه تصفير الأزمات مع القوى الإقليمية، وبناء الثقة مع العواصم العربية، ومنع استخدام الأراضي السورية كورقة في الصراعات أو التهديدات الأمنية.










