في أول عهد الرئيس السوري أحمد الشرع بالسلطة، كان واضحاً في تحديده أربع أولويات لحكومته: ملء الفراغ الذي تركه فرار بشار الأسد من السلطة، وترسيخ السلم الأهلي بعقد اتفاقيات أمنية-سياسية مع مكونات سورية لها خصوصياتها، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية، واستعادة دور سوريا الإقليمي وترميم علاقاتها الدولية.
اقرأ أيضاً: من الأسد إلى الشرع.. كيف تغيرت معادلة ترسيم الحدود مع لبنان؟ – 963+
وجاء سقوط نظام الأسد نتيجة تراكمات طويلة من القمع السياسي والتدهور الاقتصادي، إضافة إلى العقوبات الغربية والضغط الشعبي المتصاعد، ما عجّل بانهيار أركانه الأمنية والعسكرية وخروج رأس النظام إلى خارج البلاد.
وقد واجه الرئيس الشرع في بداية حكمه تحديات عميقة، منها هشاشة الوضع الأمني، وتنامي نفوذ جماعات مسلّحة مرتبطة بإيران، إضافة إلى صعوبة إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع بعد عقود من القمع.
وانطلق الشرع في مسعاه هذا من مسلمة مهمة: تتميز سوريا بأهمية كبيرة في الجغرافيا السياسية لشرق المتوسط، فهي معبر للغاز الخليجي إلى أوروبا أولاً، وهذا – إلى جانب مسائل أمنية تخص العمق العربي – ما يحث الحكومة السورية على تعزيز تموضعها السياسي والاستراتيجي على خريطة العلاقات الإقليمية والدولية، بخطوة أساسية: كفّ اليد الإيرانية المخرّبة عن سوريا، فلا بقيت مقراً لأحلام طهران التوسعية، ولا ممراً لتصدير الثورة الإسلامية وتوسيع سلطان الولي الفقيه.
اقرأ أيضاً: الشرع يزور الإمارات ضمن جولة خليجية لتعزيز التعاون الاقتصادي – 963+
وفعلت دمشق ذلك سريعاً، فيما سعت إلى ترميم علاقاتها مع دول الخليج العربي، وفي مقدمها السعودية والإمارات وقطر، ما أثمر حضوراً في الرياض توّج بمصافحة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ودعماً كبيراً من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أنتج رفعاً للعقوبات الأميركية عن الشعب السوري، وزيارتين إلى الإمارات في محطتين مفصليتين نجم عنهما انفراج فعلي في التوتر الذي يسببه التدخل الإسرائيلي في الجنوب السوري، ناهيك عن علاقة لا يمكن الانتقاص من قيمتها مع أنقرة، التي تولت منذ البداية مهمة رعاية النظام الناشئ في سوريا، وعن تنسيق في المواقف “من ندّ إلى ندّ” مع لبنان، الذي عانى طويلاً وكثيراً من قمع النظام السوري السابق.
وقد لعبت تركيا دوراً محورياً في احتضان الحكومة الجديدة عبر تقديم دعم لوجستي واحتضان شخصيات المعارضة السابقة، فيما بادرت السعودية إلى تأمين غطاء ديبلوماسي رفع العزلة عن دمشق.
أما الإمارات فاستثمرت في إعادة الإعمار لتثبيت الاستقرار، بينما ساهم رفع العقوبات الأميركية في تنشيط الدورة الاقتصادية. وفي موازاة ذلك، تراجع النفوذ الروسي تدريجياً بعد سقوط الأسد وانكشاف محدودية قدرته على الإمساك بزمام الأمور.
وتمت عودة العلاقات السورية – العربية إلى صفائها بتدفق الاستثمارات الخليجية إلى البلاد، على شكل اتفاقيات تعاون في قطاعات مختلفة. وقد أدى هذا الانفتاح إلى تحسن تدريجي في معيشة السوريين مع تدفق الأموال الخليجية، واستقرار سعر العملة المحلية، وانطلاق ورشات إعادة إعمار في المدن الكبرى، فيما تهيأت البلاد لمرحلة جديدة من الانفتاح السياسي المشروط بقيود أمنية واقعية.
اقرأ أيضاً: الشرع والشيباني يلتقيان مع وزير خارجية المملكة المتحدة – 963+
فالسياسية الخارجية لا تعني الديبلوماسية السياسية وحدها، إنما هي “عصا موسى” التي تشق البحر مهما هاج، لتكون كل نار محيطة برداً وسلاماً على سوريا. ومع ذلك، يبقى الطريق إلى الاستقرار الكامل محفوفاً بالمخاطر، إذ لم تنته بعد جيوب النفوذ الإيراني، ولم تخلُ الساحة من تدخلات روسية محدودة تسعى للحفاظ على موطئ قدم في الساحة السورية. وتبقى المخاوف قائمة من عودة خلايا “الإرهاب” أو تفاقم الأعباء الاقتصادية الهائلة.
وهكذا تبدو سوريا في عهد أحمد الشرع مقبلة على تحولات معقدة، تجمع بين طموحات استعادة السيادة وإعادة بناء الدولة، وبين تحديات تركة عقود من الصراع والانقسام. ورغم المؤشرات الإيجابية، يظل نجاح هذه التجربة مرهوناً بقدرة الحكومة على اجتياز اختبارات الداخل والخارج معاً.










