يشكّل التنوع الإثني أحد أهم السمات الحضارية والتاريخية في سوريا، حيث خبرت أرضها منذ زمن بعيد طيفًا واسعًا من المكوّنات التي تعبّر عن عديد الهويات الوطنية وعن ثقافاتها. غير أنّ هذا التنوع اللافت والعميق، الذي كان ينبغي أن يعبر بصدق عن مجتمع بالغ الثراء والإبداع، تعرّض لموجات متلاحقة من التهميش أو التوظيف السياسي السلبي على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
إذاً، وفي ظل ما عرفته سوريا من أزمات وصراعات وانقسامات عميقة، تبدو الحاجة الملحّة إلى استثمار هذا التنوع الإثني إيجابيًا، بوصفه رافعةً لتعزيز الوحدة الثقافية والتماسك الاجتماعي، لا عامل منافسة أو صراع. الأمر يستلزم تفعيل آليات واقعية وعملية تصوغ جسورًا من الثقة المتبادلة بين المكوّنات المختلفة، كما يحتاج ذلك إلى إعادة تعريف الهوية الوطنية على أسس العدالة والاعتراف بالتعددية واحترام الخصوصيات، بما يمكّن السوريين جميعًا من الإسهام في نهضة وطنهم وصون استقراره وتماسك نسيجه المجتمعي.
إلى ذلك، تحتشد عدة آليات بغية توظيف هذا الثراء الثقافي في سوريا، من خلال عدة مسارات متكاملة، من أهمها: إبراز المشتركات الثقافية التي تقوم على القيم والرموز الجامعة والتاريخ المشترك؛ والاحتفاء بالتنوع الرمزي من خلال المهرجانات والفعاليات الثقافية، واعتماد رموز جامعة تراعي الخصوصيات المحلية؛ إلى جانب تعزيز المشاركة المتكافئة في القرار الثقافي والإعلامي، وتفعيل الإعلام التعددي الذي يروي قصص التنوع ويتصدى للخطاب الإقصائي. كما تشمل هذه الآليات إطلاق مشاريع حوارية مشتركة لتقريب وجهات النظر وصياغة رؤى موحّدة، وصوغ سياسات ثقافية وتشريعية دامجة تعكس بصدق ووعي أهمية التنوع والثراء الثقافي، باعتباره كتلة صلبة في الهوية الوطنية السورية.
اقرأ أيضاً: تجارب ماليزيا وكندا وسويسرا: نماذج تحتذى لبناء هوية وطنية جامعة في سوريا – 963+
في هذا السياق، يشير زيدون الزعبي، الباحث في قضايا الهوية، إلى أنّ الهوية الجامعة هي الأساس الذي يجمع مكوّنات المجتمع مع بعضها.
ويلفت الزعبي، في حديثه لــ”963+”، إلى أنّ عبارة نحن السوريين، كي نقولها بصدق، يجب أولًا أن نعرف من نحن، وأن نتأكد أننا ضمن هذه الـ” نحن ” لا خارجها. وبالتالي، فإنّ الهوية الجامعة هي إمّا أن نكون أو لا نكون: إمّا أن يكون لدينا هوية وطنية سورية نستطيع معها أن نستقر، وأن يكون هناك أساس جامع، وإمّا ألّا تكون لدينا هوية وطنية جامعة، وبالتالي يقع الاقتتال والحرب.
ويؤكد الزعبي أنّ لسوريا، من وجهة نظره، ثلاثة أبعاد للهوية: أولًا، هوية تنتمي إلى الحضارة العربية؛ وثانيًا، أنّ الإسلام يمثّل طابعًا عامًا لسوريا؛ لكن الأهم هو احترام التنوع، سواء كان تنوعًا قوميًّا أو دينيًّا أو طائفيًّا أو جهويًّا.
ويرى في ختام حديثه أنّ تعزيز الوحدة الثقافية لن يحدث إلا من خلال الاعتراف بجميع الإثنيات، وحمايتها، وتكريس قناعة راسخة بأنّ هذه الإثنيات مكوّن رئيس في الهوية الوطنية الجامعة للمجتمع السوري، وأخيرًا احترام الهويات الفرعية بالقدر نفسه.
نحو ذلك، يشير المفكر السوري عبدالله تركماني إلى أنّ التعرّف الحقيقي على كل المكوّنات الوطنية وعلى ثقافاتها من شأنه أن يؤدي إلى تأكيد قيمة التسامح الإيجابي إزاء الجميع، وليس مجرد التسامح الحيادي.
ويتابع الدكتور تركماني حديثه لـ”963+” قائلًا إنّ هذا يعني الإقرار بالتعددية الثقافية، ومن شأنه كذلك أن يقضي على الكثير من الأحكام المسبقة والمفاهيم المغلوطة عن المكوّن الآخر. وحتى تتم عملية الاندماج الوطني، فلا بدَّ من توفّر الطوعية؛ لأنّ الهوية القسرية غير قابلة للديمومة، إذ إنّ الوطنية السورية الجامعة تستند إلى المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، وكذلك المصالح الاقتصادية المشتركة التي تجعل المكوّنات المختلفة حريصةً على أن تقيم علاقات فيما بينها. كما أنّ الانخراط في الشأن العام، خاصة الحياة السياسية والاجتماعية ومؤسسات الدولة والمعاهد التعليمية، يمكن أن يعزز الاندماج الوطني.
من جانبه، يؤكّد الصحفي السوري مرهف الشاعر أنّ الهوية الجامعة في أي دولة تُعدّ بمثابة اللّبنة الأساسية في بناء المجتمع وحفظ حقوق الأفراد؛ فكلّما لبّت هذه الهوية الطموحات والآمال المتمثلة في الوحدة والتماسك والرمزية المشتركة وحماية أبنائها، كانت أكثر قوّةً وحضورًا على كافة المستويات.
اقرأ أيضاً: سوريا وأزمة الهوية الجامعة – 963+
ويتابع الشاعر حديثه لـ”963+” بقوله: إنّ الهوية الجامعة أو الوطنية تعتريها كثير من الصعاب والتحديات، بخاصة في حالات نشوب الحروب والصراعات الداخلية بين أبناء البلد الواحد، أو في حالات ثورات الشعوب ضد أنظمتها، ما يخلق تباينًا في دعايات الأطراف حول هذه الهوية، ويسوق كلّ طرف مبرراته. إلا أنّها غالبًا ما تكون رمزيةً متفقًا عليها لا تقبل القسمة، وقد تضعف، ويلجأ كثيرون – في حال إخفاقها – إلى هوياتهم الكامنة (الطائفية أو العرقية أو الإثنية)، كونها تلامس مطالب نفسية واجتماعية وسياسية وأمنية متعلّقة بحماية تلك الجماعات أفرادًا وجماعات.
ويلفت الشاعر بقوله، “في سوريا – هذا البلد الذي عانى وقاسى من النظام البائد زمن الأسد – والتي تُعدّ نموذجًا في التنوّع، إذ تضمّ قوميات متعددة من عرب وكرد وتركمان وسريان وآشوريين وغيرهم، كان الحديث عن هذا التنوّع يجري غالبًا على سبيل المجاملة، وفي كثير من الأحيان كان هناك طمسٌ مقصود وصريح لحقوق هذه المكوّنات، بدءًا من عدم الاعتراف بقيود الكرد وما نتج عنه من مكتومي القيد، وصولًا إلى التهميش السياسي والفكري. وقد ولّد ذلك حالةً من خبو الهوية الوطنية والاغتراب السياسي داخل الدولة، نتيجة عدم الاستفادة من هذا التنوّع الغني والحضاري، الذي لو جرى توظيفه على أسس وطنية دون تمييز، لكان من شأنه أن يقود إلى دولة أكثر تماسكًا ثقافيًا واجتماعيًا وحضاريًا”.
وفي ظل استمرار الحرب السورية ضد نظام الحكم البائد لأربعة عشر عامًا، تبيّن معنى الهوية الوطنية حين جرى تحريف القيم لتكون في خدمة السلطة لا في خدمة الوطن، ما أدّى إلى بروز الهويات الكامنة. ومع بروباغندا تشويه الثورة وخلط الأوراق بين الإرهاب والحقوق المشروعة، أصبحت الهشاشة واضحةً في بنية النسيج المجتمعي والسياسي السوري.
ويبين الشاعر في ختام حديثه أنه “مع سقوط النظام وانتصار الثورة، كان لا بدّ من الاعتراف بوجود تركة ثقيلة ألقيت على عاتق الإدارة الجديدة، وتحدّيات جسام في إعادة تعريف الهوية الوطنية من دون الوقوع في فخّ الإقصاء أو التطرّف. وإنّ خير القرارات يتمثّل في إعادة تعزيز إجراءات بناء الثقة بين المجتمع والدولة، وإيجاد الروابط الكفيلة بتعزيز ما يجمع السوريين، مع احترام الخصوصيات التي بدورها تمثّل رافدًا ثقافيًا وحضاريًا يسهم في بناء الدولة ويفوّت الفرصة على من يصطادون في الماء العكر لاستثمار الحقوق المشروعة للهويات الكامنة على حساب الهوية الوطنية الجامعة”.










