بعد سقوط النظام السوري في درعا جنوبي سوريا، المحافظة التي كانت الشرارة الأولى للحرب السورية عام 2011، تعيش المدينة لحظة سياسية واجتماعية دقيقة، تحضر فيها أسئلة العدالة والمحاسبة بقوة. إذ لم يعد الناس يتساءلون: متى يسقط النظام؟ بل باتوا يسألون: من سيُحاسب؟ ومن سيعفو؟ ومن سيُحكم عليه بالنسيان؟
وفي المدينة التي دفعت ثمناً باهظاً من الاعتقال والتعذيب والقصف والتهجير، لا يبدو الحديث عن العدالة الانتقالية ترفاً سياسياً، بل حاجة حقيقية لإغلاق الجروح دون إنكار المآسي التي مرّ بها أهلها.
وبين ركام حي المنشية في درعا البلد، يجلس محمد المسالمة، والد أحد المعتقلين الذين غيّبتهم الأفرع الأمنية منذ عام 2011، ويقول لـ”963+”: “ابني وسام اعتُقل في بداية الثورة من قبل الأمن العسكري، وصدر بحقه حكم مؤبد من محكمة الإرهاب عام 2012، ثم اختفى بعد نقله إلى صيدنايا، ولا نعرف عنه شيئًا. أنا لا أطلب دماً ولا انتقاماً، أريد أن أعرف لماذا اعتُقل، ومن وقّع على أمر إعدامه، وإن تم فعلاً، فأين جثته؟”.
اقرأ أيضاً: وزارة الداخلية السورية تطلق عملية أمنية واسعة في ريف درعا – 963+
الملف المؤجل والخطر
قصة محمد تتكرر في آلاف البيوت، فملف المغيبين لا يزال دون حل. ورغم سقوط نظام الأسد، لم تتشكل بعد مرجعية قضائية قادرة على معالجة هذه القضايا، مما يترك الناس في حالة من القلق بين أمل العدالة وخوف الفوضى.
في هذا السياق، يقول نقيب المحامين في درعا، سليمان القرفان، في تصريحات لـ”963+”: “الحق العام والحق الشخصي في مثل هذه القضايا لا يتعارضان، بل يسيران معاً، وسقوط أحدهما لا يعني سقوط الآخر”.
وتبدأ مبادئ العدالة الانتقالية، بحسب القرفان، من كشف الحقيقة، وهو حق لا يسقط، ثم المحاسبة لمن ارتكبوا الانتهاكات، ثم يأتي مبدأ جبر الضرر للضحايا وذويهم. ومن أولى القضايا التي لا يمكن تجاوزها قضية المغيبين والمعتقلين. البيئة القانونية في درعا لا تختلف عن غيرها من المحافظات، والقضاء ما زال فاعلاً وقادراً على التعامل مع هذه الملفات بكل جدية. كل شخص يعرف مرتكباً لانتهاك يمكنه التوجه إلى القضاء لتقديم ادعاء قانوني بحق الجاني.
ويتابع القرفان: “حماية حقوق الضحايا ليست فقط مسؤولية أخلاقية، بل قانونية. والدولة تدعم السلطة القضائية وتقف في صف الضحايا عبر تسهيل تقديم الشكاوى وملاحقة المتورطين، رغم أن عدداً كبيراً من الجناة ما زال متوارياً عن الأنظار. المحامون بدورهم لا يواجهون تحديات كبيرة، بل إن جزءاً منهم هم أنفسهم من ضحايا النظام، مما يجعلهم أكثر ارتباطاً بهذه القضايا”.
ويشير نقيب المحامين إلى ضرورة التفريق بين العدالة القضائية والمصالحة المجتمعية، قائلاً: “المحاسبة تقوم على قوانين نافذة وتعالج الجرائم باعتبارها اعتداءً على المجتمع ككل، وبالتالي فإن الحق العام لا يسقط بموجب صلح أو تسوية عشائرية. أما المصالحة الاجتماعية، فهي حق شخصي لعائلات الضحايا، لا يمكن فرضه من قبل الدولة، ولا يصح أن يُستخدم كغطاء للعفو عن الجرائم الجسيمة التي ارتُكبت خلال سنوات النزاع”.
ويختم القرفان تصريحه بالقول: “العدالة المنشودة تقوم على ثلاث ركائز: المحاسبة، وجبر الضرر، وضمانات قانونية لعدم تكرار الانتهاكات، وذلك عبر محاكم وطنية خاصة تُشرّع بقوانين جديدة تراعي حجم المأساة وتعقيدات المرحلة الانتقالية، مع استعداد كامل لأي رقابة دولية قانونية تضمن الشفافية دون المساس بالسيادة الوطنية”.
اقرأ أيضاً: مقتل 3 أشخاص باشتباكات مسلحة في محافظة درعا – 963+
العدالة ليست انتقاماً
في السياق نفسه، يوضح المحامي أنور الجهماني في تصريحات لـ”963+” أن العدالة لا تتوقف عند المحاسبة فقط، بل تشمل أيضاً جبر الضرر وضمانات قانونية تمنع تكرار الانتهاكات.
ويضيف: “الناس في درعا لا تسعى للانتقام، بل لاستعادة حقوقها المشروعة. لا وجود لمظاهر انتقامية منذ سقوط النظام، وكل القضايا تتم عبر القضاء وأمام المحاكم المختصة. الصلح الاجتماعي يختلف عن المحاسبة القضائية، فالأول شأن شخصي، والثاني شأن عام لا يسقط بالمصالحة أو العفو”.
ويوضح الجهماني: “يمكن الجمع بين الحق العام والحق الشخصي، والحق العام لا يسقط بحقوق الأفراد. العدالة الانتقالية تقوم على مبادئ أساسية، منها: كشف الحقيقة، المحاسبة، وجبر الضرر. من أولى الملفات التي تحظى باهتمام الناس في درعا ملف المغيبين والمعتقلين الذين لم يُعرف مصيرهم حتى الآن”.
ويؤكد أن القضاء في درعا ما زال يعمل بجدية، مشيراً إلى أن تقديم الشكاوى ضد مرتكبي الانتهاكات متاح، والقانون لا يمنح أي حصانة لرموز النظام السابق، وأنه لا توجد تحديات كبيرة تواجه المحامين في الدفاع عن حقوق الضحايا، بل إن كثيراً من المحامين أنفسهم ضحايا للنظام.
ويختم قائلاً: “الشعب السوري يعاني من ويلات الحرب، ومن المهم تعزيز الأمل في المستقبل عبر محاسبة المجرمين، وضمان حقوق الضحايا، وتحقيق الاستقرار والعدالة الحقيقية”.
المستقبل بين الأمل والعدالة
رغم كل التحديات، يرى القرفان أن من حق الناس أن يعرفوا وأن يُحاسِبوا، ومن حقهم أيضاً أن يطمئنوا إلى أن ما جرى لن يتكرر.
ويقول إن الطريق يبدأ من تفعيل دور المحامين، وتمكين القضاء، ودعم المحاكم الوطنية بقوانين خاصة تراعي خصوصية المرحلة، وتمنح الضحايا شعوراً بالعدالة الفعلية لا الرمزية.
في حين يتابع أهالي درعا عن كثب التعيينات الجديدة في مؤسسات الحكومة الانتقالية، يتعاملون بحساسية بالغة مع كل اسم يظهر على الساحة السياسية أو الإدارية، ممن كان جزءاً من أجهزة النظام السابق أو محسوباً على أذرعه الأمنية.
ويضيف: “عندما يُعيّن أي شخص يُشتبه بارتباطه بالمنظومة البائدة في موقع مسؤولية، سرعان ما تشتعل موجة غضب شعبية تبدأ على مواقع التواصل وتمتد إلى الساحات والنقاشات العامة، ولا تهدأ حتى تتم إقالته أو إزاحته من منصبه”.
هذا الرفض العفوي من الناس لا ينبع من رغبة في الانتقام، بحسب القرفان، “بل من وعي جمعي يرى أن أي وجود لرموز النظام السابق في مؤسسات الدولة الجديدة يشكّل خطراً على مشروع العدالة وعلى آمال بناء مستقبل خالٍ من القمع والإفلات من العقاب”.
ويضيف: “درعا اليوم ليست مجرد ساحة حرب سابقة، بل هي مختبر مصغر لسوريا القادمة. فإما أن تصنع العدالة بيدها، أو تقبل بنسيان يفتح الباب لدوامة جديدة من الظلم”.










