منذ أن اتخذت العمليات العسكرية المباشرة بين إسرائيل وإيران منحىً تصاعدياً في الأيام الأخيرة، تعددت سيناريوهات الحسم في أذهان صنّاع القرار والخبراء في منطقة الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، تبرز مقاربة أميركية–إسرائيلية ترتكز على سيناريو استهداف قمة النظام السياسي والديني في طهران، عبر التلويح بإمكانية تصفية المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، في محاكاة لمحاولات اغتيال سابقة، أبرزها تلك التي استهدفت الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، في الضاحية الجنوبية لبيروت.
هذه المقاربة، التي طرحها مؤخراً الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وناقضها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حين قال: “لا ينبغي إسقاط النظام عسكرياً”، لا يُفترض قراءتها فقط ضمن إطارها التكتيكي أو الخطابي، بل يجب تحليلها من خلال سياسات الضغط القصوى التي تعتمدها واشنطن – وتحديداً إدارة ترامب – ومدى تقاطعها مع الرغبة الإسرائيلية الدائمة في تفكيك بنية النظام الإيراني من خلال استهداف مؤسساته السيادية ورموزه السياسية.
لكن مراجعة هذه المقاربة تستوجب النظر إليها من منظور جيواستراتيجي أوسع، يأخذ في الاعتبار أن استهداف شخصية المرشد الأعلى في طهران قد يهدد منسوب الاستقرار الإقليمي، ويُطلق تفاعلات جديدة في مسرح أحداث الشرق الأوسط، مما يجعل القرار مرهوناً بتصورات عديدة وحسابات معقدة.
اقرأ أيضاً: الجيش الإسرائيلي يعلن جاهزيته لضرب منشأة فوردو النووية الإيرانية – 963+
“التغيير الفعال من الداخل”
وفي هذا السياق، يعتقد ديفيد دي روش، المسؤول السابق في البنتاغون، أن واشنطن لم تتخذ قراراً باغتيال المرشد الأعلى أو بتغيير النظام الإيراني بالقوة.
وفي تصريحات لـ”963+”، يقول دي روش: “إذا هاجمت إيران القوات الأميركية في المنطقة، فقد يتغير هذا الوضع. حتى الآن، لم تشارك الولايات المتحدة في أي هجوم مباشر على إيران”.
ويشدّد على أن “أي تغيير فعّال للنظام الإيراني يجب أن ينبع من الداخل، كما هو الحال في سوريا”.
وبشأن مستوى التنسيق بين واشنطن وتل أبيب في ما يخصّ الهجمات الأخيرة، يوضح دي روش أن “هذا التنسيق ليس مؤكداً، إذ أعربت إسرائيل عن استيائها من بدء المحادثات، واعتبرتها مجرد محاولات من إيران لكسب الوقت في سعيها نحو تطوير سلاح نووي”.
ويشير دي روش إلى أن “الرئيس الأميركي دونالد ترامب صرّح بمنح المحادثات مهلة ستين يوماً؛ وعندما رفضت إيران التخلي عن التخصيب، شنّت إسرائيل هجومها في اليوم الحادي والستين”.
لكن، وبحسب دي روش، فإن “خطة الاغتيال الإسرائيلية تبدو مركّزة فقط على قادة الحرس الثوري الإيراني ومسؤولي برنامج الأسلحة النووية”، مضيفاً: “لم تُستهدف أي هجمات المرشد الأعلى، أو مجلس صيانة الدستور، أو الجمعية الوطنية، أو حتى رؤساء أركان وزارة الدفاع مثل الجيش أو البحرية”.
ويستخلص من ذلك أن “تغيير النظام قد يكون موضع ترحيب لدى بعض الأطراف، لكنه ليس هدفاً تكتيكياً للحملة الحالية”.
ومع التعمق في تفاصيل هذه الحملة، يرى دي روش أنها “عمل إسرائيلي أحادي الجانب، يستند إلى تقييم مختلف لطبيعة التهديد الذي تمثّله إيران”.
ويوضح أن “الولايات المتحدة تركز على عنصري القدرة والنية فيما يتعلق ببرنامج إيران النووي، وتميل إلى التقليل من التهديد إذا لم ترَ دليلاً واضحاً على وجود نية للاستخدام”.
أما الإسرائيليون، بحسب دي روش، “فيُسقطون عنصر النية من حساباتهم، ويعتبرون مجرد امتلاك القدرة تهديداً كافياً، خصوصاً إذا ارتبط بقائد يحمل نوايا خبيثة”.
ويخَلُص دي روش في تحليله إلى أن “حتمية العمل الإسرائيلي تبدو أكبر من نظيرتها الأميركية، وجميع الفروقات في التعاطي مع إيران تنبع من هذا الاختلاف الجوهري في الرؤية والتقدير”.
اقرأ أيضاً: ترامب يعتزم عقد اجتماع في غرفة العمليات بشأن التصعيد بين إسرائيل وإيران – 963+
“المجال الخطير”
من جهته، يقول وجدان عبد الرحمن، الباحث في الشأن الإيراني، إن الشارع الإيراني خرج أكثر من مرة مطالباً بتغيير النظام الإيراني سلمياً، من خلال الاحتجاجات.
ويشير عبد الرحمن في حديثه لـ”963+” إلى أن الدول الغربية تماهت مع طهران، ولم يُفلح هذا الحراك، حيث قامت الحكومة الإيرانية بقمع شديد، وقتلت الآلاف من المحتجين، دون أن تُدان من قبل الدول الغربية، بما فيها فرنسا، أو أن تقدم هذه الدول أي دعم يُذكر للشارع الإيراني.
ويلفت عبد الرحمن إلى أن هذا الصمت الغربي شجّع النظام الإيراني على التمادي بشكل أوسع، حتى اتسع التهديد الداخلي الإيراني ليصل إلى إسرائيل.
ويقول: “كلنا نعرف تماماً أن إسرائيل ليست الدولة التي تتحمل الخسارة أو الهزيمة، وإيران دخلت الآن في هذا المجال الخطير، ولذلك أعتقد أن إسرائيل مُنحت فرصة ثمينة لا يمكن أن تفرّط بها، ومن هنا فإن تغيير النظام الإيراني، من وجهة نظري، أمر وارد جداً”.
ويضيف: “عسكرياً، شهدنا تغييرات كبيرة في أنظمة الحكم بكل من سوريا والعراق، وأيضًا في ليبيا. لذا، من المرجّح – في تقديري – أن تقع طهران في السيناريو ذاته، وأن يشهد نظامها تغييراً عنيفاً، رغم التصريحات الرافضة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي انتقد فكرة تغيير النظام بالقوة العسكرية”.
ويوضح الباحث في الشأن الإيراني أن الهدف النهائي الذي تسعى إليه القوى الغربية لا يتمثل فقط في تطويع النظام الإيراني، بل إن الولايات المتحدة – ومعها إسرائيل – تجاوزتا هذه المرحلة، ولم تعد قضية “تليين إيران” مطروحة على الطاولة.
ويقول: “لقد أشار عدد من المسؤولين الإيرانيين إلى هذا، ومن بينهم نائب في البرلمان الإيراني، قال إن الولايات المتحدة لن تقبل حتى باستسلام إيران، وهذا يؤكد أن هناك نوايا جادة لتغيير هذا النظام من جذوره”.
ويتابع: “الاستهدافات التي بدأنا نراها ونتابعها على الأرض، تؤكد أن تل أبيب تحاول تدمير البنية العسكرية الإيرانية، إلى جانب قدراتها الاقتصادية وبُناها التحتية، فضلًا عن مشروعها النووي”.
ويشدّد على أن إسرائيل تسعى، وفقًا لما ورد في خطة رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، إلى استهداف رأس النظام الإيراني ودعم الحراك الاحتجاجي في الداخل.
كما استبعد عبد الرحمن وجود أي تناقضات جوهرية بين واشنطن وتل أبيب في هذا الملف.
ويقول: “حكومة نتنياهو لم تكن لتقوم بمثل هذه الضربات من دون تنسيق أو استشارة مباشرة مع الولايات المتحدة، لكن في تصوري، فإن واشنطن لن تنخرط في حرب مباشرة مع إيران، لا الآن ولا في المستقبل، لأن إسرائيل قادرة على تنفيذ ما هو مطلوب منها”.
ويضيف: “الولايات المتحدة تتجنب التدخل العسكري المباشر، لأنه قد يُثير حفيظة روسيا والصين، وربما حتى باكستان، وهو ما لا تريده واشنطن بأي حال”.
واختتم بالقول: “مع ذلك، فإن القانون الأميركي يمنح الرئيس صلاحية شنّ ضربات محدودة دون الرجوع إلى الكونغرس، وهذا ما قد يتم استخدامه إذا اقتضت الضرورة”.
في هذا الإطار، يمكن النظر إلى مجمل التطورات من خلال سيناريوهين رئيسيين: “الأول: تمسك واشنطن بمبدأ الضغط الأقصى دون اللجوء إلى خيار الاستهداف المباشر، بحيث تبقى التهديدات في إطار التلويح السياسي والنفسي، بهدف دفع النظام الإيراني إلى التفاوض تحت الإكراه، ومن موقع ضعف. الثاني: انزلاق غير محسوب نحو تصعيد ميداني غير قابل للضبط”.
وبين هذين الخيارين، تظل مقاربة استهداف المرشد الأعلى ورقة ضغط عالية في الأفق، يتوقف مسار اللجوء إليها واستدعاء معطياتها بناءً على التطورات الميدانية، وما يجري خلف الأبواب المغلقة.
اقرأ أيضاً: ترامب: لا يمكن لإيران امتلاك سلاح نووي ونتطلع لإذعانها – 963+
“معارضة داخلية لترامب”
من جانبه، يقول اللواء أركان حرب المتقاعد ياسر هاشم إن سياسة “الضغوط القصوى” التي تمارسها الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، ضد إيران، تهدف – في تقديره – إلى تحقيق عدة أهداف.
ويشير إلى أن أبرز هذه الأهداف يتمثل في إجبار إيران على الرضوخ للمطالب الأمريكية بشكل “مهين”، وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى القضاء على النظام السياسي الإيراني برمّته.
ويضيف: “الهدف الثاني هو توريط إيران، وتحديداً الحرس الثوري، في استهداف المصالح الأميركية أو الدولية في منطقة الخليج، وبالتالي منح ترامب ذريعة مباشرة لتوجيه ضربة إلى إيران، دون الحاجة إلى العودة لأي جهة دولية أو محلية”.
ويبيّن أن الهدف الثالث يتمثل في فتح جبهة وهمية أو تخيّلية ضد إيران، تُسهم في تشتيت الجهود الدفاعية لطهران، واستنزاف قدراتها الاستراتيجية.
ويوضح الخبير العسكري السابق في الجيش المصري، في تصريحاته لـ”963+”، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من خلال تصريحاته المتكررة، لا يترك مجالاً أمام النظام الإيراني للخروج من الأزمة الحالية بشكل يحفظ كرامته”.
ويتوقّع أن يلقى ترامب معارضة داخلية، حتى من بعض أنصاره وأعضاء مجلس الأمن القومي الأميركي، لكونه يخالف وعوده الانتخابية بالحد من التورط في الصراعات المسلحة، فضلاً عن مخاوف من ردود الفعل الإيرانية الانتقامية، وانجرار الولايات المتحدة إلى صراع ممتد في منطقة الخليج وغيرها.
ويرجّح في ختام تصريحاته بالقول: “أظن أن الأيام القادمة ستحمل الكثير من التطورات اللافتة، التي قد تدفع باتجاه الحسم عبر المُضيّ قدمًا في هذا المسار التصعيدي”.










