تسعى دول الخليج إلى وقف الحرب الإيرانية – الإسرائيلية عبر جهود ديبلوماسية، في ظل مخاوف من تدخل أميركي إلى جانب تل أبيب، الأمر الذي ينذر باتساع رقعة الصراع، لا سيما أن واشنطن تملك أكبر القواعد العسكرية في دول مجلس التعاون.
وبقيت العلاقة بين الدول الخليجية، لا سيما السعودية، متوترة مع إيران، في ظل تدخل الأخيرة في شؤون عدد من الدول العربية ودعم مجموعات مسلّحة فيها، إلا أن التوافق الذي أُبرم بين الرياض وطهران قبل نحو عامين أسّس لهدنة بين الطرفين.
ودفعت دول خليجية نحو وقف التصعيد من خلال تكثيف تواصلها مع طهران وواشنطن وشركاء إقليميين ودوليين لفرض ضغوط ديبلوماسية من أجل إنهاء الأزمة، في ظل ما يشكّله انهيار النظام الإيراني أو انزلاقه إلى الفوضى من خطر على استقرار منطقة الخليج ذات الأهمية النفطية والاستراتيجية.
وفجر الجمعة 13 حزيران/يونيو، شنّت “إسرائيل” سلسلة هجمات مباغتة استهدفت منشآت نووية وأخرى عسكرية داخل الأراضي الإيرانية، فضلًا عن هجمات أخرى أودت بحياة نحو 20 من قيادات الصف الأول في الجيش الإيراني و”الحرس الثوري”، على رأسهم رئيس هيئة الأركان العامة الإيرانية محمد باقري، وقائد “الحرس الثوري” حسين سلامي، ونحو 6 من العلماء النوويين الإيرانيين.
بدورها، ردّت إيران بشن ضربات صاروخية على تل أبيب ومناطق أخرى في إسرائيل، محدثة خسائر مادية كبيرة، فضلًا عن قتلى وجرحى. ويبدو أن المواجهة مستمرة في ظل التهديدات المتبادلة، وسط انسداد سياسي ودبلوماسي في هذه المرحلة.
وأعلن الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، جاسم محمد البديوي، يوم الإثنين الماضي، تفعيل مركز إدارة الطوارئ بعد احتدام المواجهات العسكرية بين إسرائيل وإيران، وتعرّض عدد من المنشآت النووية لهجوم من جانب إسرائيل. كما عقد المجلس الوزاري اجتماعاً استثنائياً ناقش خلاله تطورات الأوضاع في المنطقة.
اقرأ أيضاً: هل تلعب السعودية وفرنسا دوراً محورياً في سوريا دون وصاية؟
مخاوف خليجية من الانهيار
وفي موقف موحّد، أدانت دول الخليج العربية الهجوم الإسرائيلي الأخير على إيران، معتبرة إياه “انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي” و”عدواناً غاشماً يهدّد أمن المنطقة واستقرارها”.
وحذّر رئيس وزراء قطر الأسبق، الشيخ حمد بن جاسم، يوم الثلاثاء الماضي، من مخاطر التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران، قائلًا إن دول الخليج “تدفع ثمنًا باهظًا لهذا التصعيد الراهن”، وطالبها بالتحرك لدى أمريكا لوقف الحرب، مشيرًا إلى أنه ليس من مصلحة دول الخليج أن ترى “إيران، الجارة الكبيرة، تنهار”.
وقال حمد بن جاسم في منشور عبر حسابه الرسمي على منصة (إكس): “للأسف، فإن منطقة الخليج ستدفع، بل هي تدفع ثمنًا باهظًا للتصعيد الراهن وللحرب التي اندلعت إثر قيام إسرائيل بشن هجمات على المواقع الإيرانية العسكرية والمدنية، بينما كانت هناك محادثات بين الولايات المتحدة وإيران لإيجاد حل تفاوضي سلمي لقضية الملف النووي الإيراني”.
ويقول البروفيسور حسن عبد الله الدعجة، أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال، لـ “963+”، إنه “من غير المرجّح أن تمتد المواجهة بين إيران وإسرائيل إلى دول الخليج العربي بشكل مباشر في المرحلة الحالية، إلا إذا شعرت إيران بأن النظام الحاكم فيها مهدَّد بالسقوط، أو أن استمرار الضربات الإسرائيلية قد يؤدي إلى استبداله بنظام آخر”.
ويضيف أنه “عندها فقط قد تلجأ إيران إلى توسيع دائرة المواجهة وفتح جبهات جديدة تشمل بعض دول الخليج، بهدف خلط الأوراق وفرض معادلة ردع شاملة. أما في الوضع الراهن، فإن دول الخليج ستتأثر بتداعيات الحرب بشكل غير مباشر، خصوصاً على مستوى أمن الطاقة وحركة الملاحة في مضيق هرمز، واحتمال تعرّض المنشآت النفطية أو التجارية لهجمات من قبل أذرع إيران الإقليمية مثل الحوثيين”.
وقد تبرز حالة من التوتر الداخلي في بعض الدول الخليجية التي تضم مكونات مجتمعية متأثرة بالمشهد الإقليمي، وعلى المستوى الاقتصادي، فإن اضطراب أسواق النفط نتيجة التهديدات أو الهجمات سيؤثر في اقتصادات الخليج، رغم أنه قد يرفع أسعار النفط مؤقتاً، بحسب الدعجة.
ويوضح أن المواجهة قد تدفع دول الخليج لتعزيز تحالفاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، ما يعيد تشكيل توازنات المنطقة. ومع ذلك، تبقى الحسابات الدقيقة حاكمة، إذ تسعى طهران لتجنّب فتح مواجهة شاملة في الخليج ما لم يكن مصير النظام على المحك.
اقرأ أيضاً: هل تنجح السعودية بمنع حرب وشيكة على إيران؟
“الخليج ليس بمنأى“
يقول مبارك آل عاتي، كاتب وباحث في الشؤون السياسية يقيم في الرياض، لـ”963+”، إن الحرب الإيرانية – الإسرائيلية ذات تأثير وأبعاد سياسية واستراتيجية خطيرة على المنطقة والمجتمع الدولي.
ويضيف أن دول مجلس التعاون الخليجي من أولى المنظومات السياسية والجغرافية التي تؤثّر وتتأثّر بأحداث المنطقة، لذا فهي تربط تطورات الأحداث بالحياد الاستراتيجي، مع الانحياز للقانون الدولي وتطبيق قرارات الشرعية الدولية، ورفض الاعتداءات الإسرائيلية كونها تأتي خارج إطار القانون الدولي.
ويرى أن دول مجلس التعاون “تقوم بدور مهم في تطويق الأزمة، من خلال الاتصالات الهاتفية التي أجراها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وكذلك الاتصالات بين وزير الخارجية السعودي ونظيره الإيراني”.
ويشير إلى أن هناك جهوداً تُبذل من قبل دول المجلس مع إيران والمجتمع الدولي لوقف الحرب، “لكن يبدو أن الحديث عن وساطة لا يزال من المبكر التنبؤ بتأثيراته، نظراً لأن الحرب لم يمضِ عليها الكثير من الوقت، فضلاً عن حالة الترقب لاحتمال تدخل الولايات المتحدة وبريطانيا إلى جانب إسرائيل”.
وتثير الحرب الإسرائيلية – الإيرانية مخاوف من اتساع دائرة الصراع وجرّ المنطقة، لا سيما دول الخليج العربية، إلى حرب شاملة، وسط تلميحات أميركية بالمشاركة، وانعدام أفق واضح لإنهاء الحرب في الوقت الحالي، بحكم قرب هذه الدول من إيران، وتشابك مصالحها الاقتصادية والجغرافية معها ومع الولايات المتحدة أيضاً.
كما صدرت تصريحات إيرانية تتضمن الإشارة إلى إمكانية استهداف القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة، وإغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي، الأمر الذي يثير قلق دول الخليج التي تسعى جاهدةً إلى التهدئة، وإبقاء الصراع في إطار يمكن السيطرة عليه.










