لم تكن مسائل التنمية الاقتصادية والاستثمارات المتبادلة أو النهوض والتعافي المجتمعي والحفاظ على الحريات والحقوق في سوريا مشروعاً تستمدّ منه السلطة مشروعيتها ومبرّرات استمراريتها منذ عهد الاستقلال وحتى سقوط نظام الأسد في شهر ديسمبر 2024، ذلك أن معظم الحكومات المتعاقبة على حكم البلاد كانت مسكونةً بهاجسين اثنين: الأول هو الصراع العربي الإسرائيلي الذي رأت فيه السلطات الحاكمة استحقاقاً رئيسياً من شأن الالتزام به أن يتيح لها التنصل من جميع الاستحقاقات المجتمعية الأخرى ( دستورية – اقتصادية – اجتماعية )، ويتجسّد الهاجس الثاني بدفع الرأي العام للتفاعل مع الشعارات الطوباوية ذات المنشأ القومي او الإسلامي أو الأممي، كالوحدة العربية او الإسلامية أو السعي لجعل الاشتراكية ديناً جديداً للناس.
وواقع الحال، أن كلا الهاجسين هو برّانيُّ المنشأ، له تأثير رمزي على عقول الناس وأنفسهم وسلوكهم، ولكنه بعيد عن سيرورة حياتهم ومفردات معاناتهم، فهو قادر على التعبئة والتجييش واستنزاف المشاعر، لكنه كان مُفْقِراً لهم معيشياً وحياتياً. لقد لقي هذان الهاجسان ما يغذّيهما ويدفع باتجاه تصاعدهما ،كعوامل خارجية ( دولية – إقليمية) لعل أبرزها تسابق الدول العظمى بسط نفوذها على العالم الثالث وانتهاج مبدأ الهيمنة الاستعمارية من خلال الاستراتيجيات التقليدية التي تتخذ من السطوة العسكرية الوسيلة المثلى، أضف إلى ذلك شيوع مبدأ الأحلاف العسكرية الذي أفضى إلى بروز حلفين ( شمال الأطلسي – وارسو ) اللذين تنافسا على اقتسام النفوذ في معظم دول العالم طيلة عقود من الزمن، الأمر الذي ساهم في جعل شعوب العالم الثالث تعيش تحت سطوة الخوف الدائم من عدو خارجي يستهدف وجودها، وبالتالي ترى نفسها منقادة لسياسات الأنظمة التي يعفيها تصدّيها المزعوم للخطر الخارجي من مواجهة أية استحقاقات حيال حياة شعوبها.
يمكن التأكيد على أن نظام الأسد، وطيلة أكثر من نصف قرن، لم يكن مجرّد مستثمر في الصراع العربي الإسرائيلي، شان بقية الأنظمة الشمولية العربية، بل استطاع أن يحوّل مشروع المواجهة لأخطار الخارج إلى مشروع سلطة، وبالتالي أصبح مشروع المقاومة خادماً لمشروع السلطة وليس العكس، إذ إن التصدّي لإسرائيل قد أتاح لنظام الأسد الاستمرار في فرض قانون الطوارئ ومصادرة الحريات و تحريم العمل السياسي وتغييب الدستور وانتهاك القوانين، كما أتاح له إعادة هيكلة الجيش وفقاً لمعايير الولاء وإطلاق يد السلطات الأمنية لتصبح هي القوة الضاربة التي تتجاوز صلاحياتها جميع المضامين الدستورية وما ينبثق عنها من قوانين، ما أفضى إلى تحويل الدولة السورية لمزرعة تعيث بها طغمة ليس لسطوتها أي رادع ، وعلى المواطن السوري أن يتحمل جميع تداعيات سياسة السلطة وما تستدعيه من بؤس سياسي واقتصادي و إنساني تحت ذريعة أن السلطة تؤمن له الحماية و الأمن من العدو الخارجي، إذ إن المطلوب من المواطن أن يتنازل عن مجمل حقوقه بما في ذلك كرامته و مقوّمات حياته المعيشية للسلطة، مقابل حمايته خارجياً، وكأن حماية المواطن من خطر خارجي تستدعي – حكماً – المزيد من إذلاله وإهانته والتجاوز على حقوقه.
ما من شك أن السياسات التي انتهجها نظام الأسد بهدف تعزيز سلطته واستمرارها كان لها نتائج كارثية على الشعب السوري، وبغض النظر عن سيطرة السلطة على مقدرات البلاد الاقتصادية واحتكاره لجميع موارد الدولة، وجعْل النسبة العظمى من السوريين يعيشون تحت هاجس الفاقة والعوز، فإن سياساته تلك قد أورثت البلاد سخطاً دولياً كبيراً تجلّى بعقوبات اقتصادية تتالى منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي وحتى سقوطه، وذلك نتيجة سلوك النظام الذي بات يُنظر إليه باعتباره مارقاً على القوانين والأعراف الدولية وداعماً للإرهاب ومصدراً للفوضى والعبث بالأمن والسلامة العالميين، الأمر الذي جعل من سورياً بلداً طارداً ليس لخطط ومشاريع النمو الاقتصادي فحسب، بل لأي نشاط استثماري خارجي في ميادين الاقتصاد والتجارة والتنمية بمختلف أشكالها.
نحو قطيعة منهجية مع الأسدية:
حالة الخراب التي أورثها نظام الأسد للسوريين لا تحتمل الترقيع، بل بحاجة إلى قطيعة منهجية مع الحقبة الأسدية، سواء على مستوى السياسة والاقتصاد وإدارة مؤسسات الدولة، ولعل هذا ما جعل السلطة الجديدة، ومنذ وصولها للحكم، تحدّد أولوياتها وتوجهاتها الرئيسية التي ترى بوابة الاقتصاد هي المدخل لبناء الدولة، وأن مشاريع التنمية الاقتصادية هي الحامل والموجّه للسياسة، لذلك بدا واضحاً أن مجمل نشاطها السياسي والديبلوماسي خلال الأشهر السابقة كان يتمحور حول السعي لرفع العقوبات الاقتصادية التي تراكمت على سوريا عبر عقود، ومع قرار الرئيس ترامب في الثالث عشر من شهر أيار الماضي برفع العقوبات عن سوريا، تلاه قرار أوربي مماثل، تصبح البلاد السورية قابلة للإنعاش، إنه إنعاش بالفعل لأن سوريا كانت بحالة اختناق اقتصادي كلّي، ولكي تتعافى لا بدّ من الانتعاش أولاً، والذي يبدأ بفتح باب الاستثمار أمام المال الخارجي، نظراً للحالة الصفرية للاقتصاد السوري، ولا شك ان مفهوم الاستثمار يستدعي – حكماً – الشروع في التأسيس لمسارات موازية لأي مشروع استثماري، ونعني الشروع بتأسيس منظومة قانونية وإدارية وأمنية جاذبة ومطمئنة للمستثمر الخارجي.
لعله من المفيد الإشارة إلى ان الخيار الاقتصادي الذي كان أحد جوانبه فتح باب الاستثمار على مصراعيه، جاء محكوماً بمعطيات عديدة، ولم يكُ نتيجة لترف في التفكير، ولعل من أبرز تلك المعطيات:
- في ظل استبعاد أي حل عسكري – في ظل الظروف الراهنة – للصراع العربي الإسرائيلي، فمن الأجدى عدم الاستمرار في استنزاف طاقات الدولة ومواردها في بناء قدرات عسكرية على حساب الجوانب التنموية في المجتمع، وقد تعزّزت هذه القناعة لدى قطاعات واسعة من السوريين، وخاصة بعد الكوارث التي أورثها محور الممانعة للمنطقة العربية.
- إن الدعم والتأييد العربي والدولي الذي حظيت به عملية التغيير في سوريا إنما هو مشروط بقدرة الحكومة الجديدة على تحويل سوريا من مسرح للعبث والإرهاب والفوضى إلى بلد باعث على الأمن والاستقرار، وهذا يوجب قبل أي شيء القدرة على ضمان حدّ أدنى من الوفرة الاقتصادية والارتقاء بالمستوى المعيشي للمواطن وتامين المستوى الضروري من الناحية الخدمية والحياتية، وتلك هي الدعائم الأولى لترسيخ الأمن في البلاد، وفي ظل اتساع مساحة الدمار وجفاف الدولة السورية من القدرة المالية في الوقت الراهن، يصبح باب الاستثمار هو الخيار الأكثر نجاعة.
- بعد فشل الإيديولوجيات الشمولية التقليدية في استيعاب مشروع الحداثة والتماهي مع تطلعات المواطن وتلبية حاجاته الإنسانية، بما في ذلك حاجته للحريات وحق العمل والعيش بكرامة، باتت القناعة أكثر رسوخاً بأن المعيار الناظم لنجاح أي سلطة يتجلى في قدرتها على كفاية مواطنيها مادياً ومعنوياً، وهذا لن يتحقق بالشعارات والمزايدات النضالية الزائفة، بل بالمزيد من المشاريع التنموية والازدهار الاقتصادي والوفرة المادية.
- إن فتح باب الاستثمار أمام رؤوس الأموال الخارجية وإقامة علاقات اقتصادية متوازنة قائمة على مبدأ المصالح المشتركة بين الشعوب هو السبيل لقيام علاقات سياسية وطيدة مع الأطراف الأخرى، بل هو الطريق نحو كسر الطوق الذي كان يحول دون إقامة علاقات طبيعية ومتوازنة بين سوريا ومحيطها العربي والإقليمي.
- لعله من المفيد التأكيد على أن الشروع في بناء الدولة وإقامة علاقات إيجابية مع المحيط العربي والإقليمي عبر أبواب الاقتصاد، لم يكن نهجاً تتفرّد به الحكومة السورية الجديدة في توجهها الحالي، بل هو نهج عالمي بدأ بالتبلور منذ بداية العقد الأخير، مع بروز ملامح المواجهة الاقتصادية الكبرى بين الصين والولايات المتحدة الأميركية، ما جعل التنافس الدولي على حيازة النفوذ ينزاح من حيّز القوة العسكرية إلى أسواق المال والتنافس الاستثماري، وقد كان لهذا التحوّل الكبير تداعيات واضحة المعالم يمكن التماسها في انكفاء بعض الدول العظمى عن التدخل العسكري خارج حدودها الجغرافية، وكذلك اعتمادها على تعزيز قدراتها الاستثمارية في قطاعات الصناعة والنفط، وهذا كله مشروط ببيئة آمنة مستقرة بعيدة عن بؤر الحروب والنزاعات. وعلى المستوى الدولي لم تكن توجهات إدارة الرئيس ترامب بعيدة عن هذا المنحى، وخاصة أن المخاوف الأميركية قد انحدر منسوبها بعد هزيمة إيران ومشتقاتها الطائفية من سوريا، وكذلك بعد هزيمة داعش، ومن هنا يمكن تفسير التوجه الأمريكي الجديد حيال سوريا والذي بدا أكثر رغبة في استخدام سياسات ناعمة لإدارة مصالحه في سوريا، وذلك على خلاف السياسات السابقة.
ولم تكن المملكة العربية السعودية بعيدة أيضاً عن هذا التوجه، بل يمكن القول إن الرياض هي العاصمة ذات الخطوة الأولى – عربياً – في اتجاه تأسيس مفهوم جديد للأمن قائم على التنمية والازدهار الاقتصادي والاستثمار المتبادل.
لقد أخفقت السياسات الأمنية الأسدية طيلة عقود خلت في تحقيق الأمن، سواء للوطن أو للمواطن، فضلاً عن فشلها في تحقيق أي شكل من أشكال الكفاية الاقتصادية لشعبها، فهل ستجسّد القطيعة مع النهج الأمني بداية جديدة للاستقرار في سوريا؟










