أعلنت السلطات السورية عن تشكيل هيئتين للعدالة الانتقالية والمفقودين، بغية معالجة ملفين هما الأكثر تعقيدًا في مسار المرحلة الانتقالية عقب الإطاحة بحكم الأسد الابن. المرسوم الذي وقعه رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع مطلع الأسبوع الماضي، يفصح عن أن الهيئة الجديدة “تُعنى بكشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي تسبب فيها النظام البائد، ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها بالتنسيق مع الجهات المعنية، وجبر الضرر الواقع على الضحايا، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية”.
العدالة الانتقالية: بين الوعود الرسمية والشكوك الشعبية
وتمت تسمية السيد عبد الباسط عبد اللطيف رئيسًا لهيئة العدالة الانتقالية، بموجب مرسوم كلّفه “بتشكيل فريق العمل، ووضع النظام الداخلي خلال مدة لا تتجاوز 30 يومًا من تاريخ هذا الإعلان”.
وتعهدت دمشق بالمضي نحو عدالة انتقالية شاملة، وإنشاء هيئة خاصة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة خلال سنوات النزاع منذ العام 2011، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وسط دعوات من المجتمع الدولي لتطبيق مبدأ العدالة الانتقالية.
اقرأ أيضاً: الاتحاد الأوروبي يرحب بتشكيل لجنتي العدالة الانتقالية والمفقودين في سوريا – 963+
في السياق ذاته، كان تشكيل الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا مسألة مهمة ودالّة، وسط الآلاف الذين فُقدوا خلال سنوات الثورة السورية. لذا، كُلّفت الهيئة بـ”البحث والكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسرًا، وتوثيق الحالات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم الدعم القانوني والإنساني لعائلاتهم”.
ويرأس الهيئة السيد محمد رضى خلجي، الذي عُيّن في شهر آذار/مارس عضوًا في اللجنة المكلّفة بصياغة مسودة إعلان دستوري. وأقرّ المرسومان تمتع هيئتي المفقودين والعدالة الانتقالية “بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري”.
من جانبه، قال باحث في قضايا الحوكمة، رفض الكشف عن اسمه، إن من الصعب التعامل بجدية مع هذه الخطوات بهذه الصيغة، مشيراً إلى أن “من الصعب تخيّل المنتصر يحاسب نفسه”.
وأضاف في تصريحه لموقع “963+”، أنه لا يرغب في الإدلاء بتصريحات تستفز مشاعر الناس أو تُغذي أوهامهم، مؤكداً في الوقت نفسه أن العدالة، كما تُمارس في الواقع، غالباً ما تكون “عدالة المنتصرين”.
وأشار إلى أن التاريخ مليء بالأمثلة على ذلك، مستشهداً بجريمتي ناغازاكي وهيروشيما، حيث لم تُحاسب الولايات المتحدة رغم فداحة ما ارتكبته هناك.
إلى ذلك، سبق أن أعلنت وزارة الدفاع السورية عن عملية ترمي إلى إنجاز دمج “جميع الفصائل العسكرية ضمن الوزارة”. وقال وزير الدفاع السوري، مرهف أبو قصرة، في تغريدة على منصة (إكس): “لقد بدأنا، بعد تحرير سورية، فورًا العمل على دمج الوحدات العسكرية ضمن إطار مؤسساتي موحّد، واليوم ننقل لشعبنا الكريم نبأ دمج كل الوحدات ضمن وزارة الدفاع السورية”.
اقرأ أيضاً: آلاف المفقودين وعشرات المقابر في سوريا.. تحذيرات من تخريب “مسرح الجريمة” – 963+
المفقودون ودمج الفصائل: اختبار لنوايا الدولة الجديدة
وفي هذا السياق، أشار الصحفي السوري براء عثمان أبو اليسر إلى أن إعلان تشكيل هيئتين وطنيتين للعدالة الانتقالية والمفقودين، بالتزامن مع إطلاق وزارة الدفاع عملية دمج الفصائل العسكرية، لا يمكن قراءته إلا بوصفه تحولًا نوعيًا في مسار العمل الوطني السوري، ومحاولة جادة لتأسيس بنى مؤسساتية تتعامل مع الملفات الأكثر إيلامًا وتعقيدًا في التجربة السورية.
ولفت أبو اليسر، في حديثه لـ”963+”، إلى أن ملف العدالة الانتقالية، وما يرتبط به من كشف مصير عشرات الآلاف من المفقودين، ليس ترفاً سياسياً ولا مجرد استحقاق إنساني، بل يُعدّ لبنة أساسية في مشروع بناء دولة ما بعد الاستبداد. وأوضح أن السوريين لا يستطيعون العبور نحو المستقبل دون معالجة جراح الماضي، وما خلفه نظام القمع من انتهاكات طالت المجتمع بأكمله، وتركت شرخًا عميقًا في النسيج الوطني.
وتابع بالقول إن دمج الفصائل المسلحة تحت قيادة وطنية واحدة يمثل خطوة نحو إنهاء حالة التشرذم والفوضى الأمنية التي استغلها أعداء الثورة في الداخل والخارج، معتبرًا أن هذه الخطوة تفتح الباب لتوحيد القرار العسكري، وتعزيز الانضباط، ورفع كفاءة الدفاع الوطني، والتخلص من الولاءات المتعددة التي أضعفت الموقف الثوري في مراحل كثيرة.
وشدد أبو اليسر على أن أهمية هذه الخطوات لا تكمن في الإعلان عنها فحسب، بل في مدى الشفافية والحوكمة التي سترافق تنفيذها، مؤكدًا أن النجاح يتطلب مشاركة حقيقية من الفاعلين المدنيين والعسكريين، وضمان تمثيل ضحايا الانتهاكات والمكونات المجتمعية المختلفة.
وأشار كذلك إلى أن هذه التطورات تندرج في سياق إقليمي ودولي يشهد تبدلًا ملحوظًا في التعامل مع الملف السوري، حيث بات هناك إدراك متزايد بأن تجاهل قضايا العدالة والمساءلة لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج العنف والتطرف، في وقت بات فيه المجتمع الدولي، وعلى رأسه الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، يعتبر هذه الملفات أساسية لأي حل سياسي مستدام.
واختتم أبو اليسر تصريحه بالتأكيد على أن هذه المبادرات ينبغي أن تعبّر عن إرادة وطنية حقيقية، جامعة، وبعيدة عن التجاذبات الفصائلية والمناطقية، حتى تكون فعلًا خطوة تأسيسية نحو بناء سوريا المستقبل، دولة المواطنة والقانون. وشدد على أن السير نحو الاستقرار لا يتحقق دون الاعتراف بالضحايا، والمساءلة، وتوحيد أدوات الدفاع عن الأرض والكرامة، تمهيدًا لعقد اجتماعي جديد لا يُقصي أحداً.
وكانت مخرجات مؤتمر الحوار الوطني السوري، المنعقد في فبراير/شباط الماضي، قد شددت على أهمية العدالة الانتقالية، وضرورة محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات المرتكبة في عهد نظام الأسد.
اقرأ أيضاً: الشيباني يعلن إنشاء مفوضية للنظر بقضايا المفقودين والمختفين قسراً – 963+
وفي السياق ذاته، أكد وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، غير مرة أن بلاده تمضي قدمًا في محاسبة المجرمين وتحقيق العدالة للشعب السوري.
بدوره، رأى بكر مصطفى، المحامي السوري المقيم في ألمانيا، أن كلا الخطوتين — من حيث المبدأ والاتجاه العام — تمثلان ضرورة لا مناص منها في مسار بناء وطن حقيقي يضاهي الأوطان التي اختارت طريق الحضارة والرخاء.
وحدد مصطفى، في حديثه لـ”963+”، أن نجاح هذه الخطوات في تحقيق غاياتها النبيلة يظل مشروطاً بتحقّق عاملين أساسيين: “أولًا: النية الصادقة في تأسيس وطن يقوم على قيم المواطنة والعدالة والتعددية، لا مجرد انتزاع أدوات السلطة من خصم سياسي لاستبدالها باحتكار جديد. إذ لا يمكن الحديث عن انتقال ديمقراطي حقيقي إذا ظلت الغاية النهائية هي الإقصاء وقمع المختلفين، حتى وإن تغيرت الوجوه”.
واما العامل الثاني فهو: “تجسيد القانون واقعًا ملموسًا، لا شعارات أو نصوصًا محفوظة في أدراج المؤسسات. فغياب التنفيذ الفعلي للتشريعات يحوّل كل مبادرة إصلاحية إلى ديكور فارغ. فما الفائدة من تشكيل لجان كـ”لجنة المفقودين” أو “لجنة تقصّي الحقائق في مجازر الساحل السوري”، إذا كانت هذه اللجان تُشكَّل على أسس سياسية هشّة، تفتقر إلى الموضوعية ولا تضمن الحد الأدنى من الحياد أو المهنية؟ إنها، في هذه الحالة، لا تؤدي سوى إلى تعزيز الانقسام وتكريس فقدان الثقة في مؤسسات العدالة”.










