شهدت سوريا خلال الأسابيع الماضية تحركات خارجية مكثفة وبدرجة أقل داخلية أسفرت عن العديد من النتائج، لعل أبرزها إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوجه نحو رفع العقوبات المفروضة على سوريا بشكل كامل، محادثات مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال زيارته إلى العاصمة الرياض كأولى محطات جولته الخليجية الأسبوع الماضي، والتي شهدت لقاء الرئيس الأميركي مع رئيس الإدارة السورية الانتقالية أحمد الشرع.
ووفق خبراء، ينعكس رفع العقوبات على العديد من أوجه الاقتصاد السوري، خاصة من جهة العودة إلى النظام المالي والبنكي العالمي، والتعامل مع المؤسسات الدولية والتدفقات المالية، وتحفير المستثمرين.
داخلياً، أعلن وزير الدفاع السوري اللواء مرهف أبو قصرة عن دمج كافة الفصائل والوحدات العسكرية المنتشرة في البلاد تحت مظلة وزارة الدفاع. وأمهل ما وصفها “المجموعات العسكرية الصغيرة” مدة أقصاها 10 أيام من تاريخ الإعلان للانضمام إلى الوزارة تحت طائلة اتخاذ الإجراءات المناسبة وفق القوانين المعمول بها.
في لقاء خاص مع “963+”، تحدث العميد الركن أحمد رحال عن التطورات السياسية الأخيرة المتمثلة برفع العقوبات، والوضع العسكري والميداني في سوريا إلى جانب مستقبل التواجد الإسرائيلي جنوبي البلاد وعملية التطبيع مع الإدارة الجديدة. في ما يأتي الحوار كاملاً:
هل الحالة العسكرية وتشكيل جيش سوري جديد تسير في الاتجاه الصحيح؟
أعتقد أنهم نجحوا بالفعل في طي صفحة الفصائلية. فالمعطيات على الأرض خصوصاً في المناطق الجنوبية تشير إلى غياب شبه كامل للدعم الخارجي، ما جعل بقاء الفصائل أمراً غير واقعي من دون دعم لا رواتب ولا سلاح، وبالتالي لا إمكانية للاستمرار.
ومعظم الفصائل باتت اليوم مندمجة في الهيكلية الجديدة لوزارة الدفاع أو حُلت تماماً. لكن هل تسير الأمور في الاتجاه الصحيح؟ أقول إنها لا تزال في بداياتها. لم تتم حتى الآن استعادة الكفاءات العسكرية وأعني تحديدًا الضباط المنشقين والاختصاصيين. العقيدة العسكرية لم تحسم بعد ولا شكل الجيش أو تبعيته الفكرية أو اللوجستية. لدينا وزارة دفاع لكنها بلا سلاح فعلي بعدما دمرت الغارات الإسرائيلية معظم المخزون الاستراتيجي. وهنا تكمن واحدة من أكبر العقبات.
هل تنعكس التطورات السياسية الأخيرة كرفع العقوبات ولقاء الشرع – ترامب على الوضع العسكري والميداني في سوريا؟ وما تأثير ذلك على الاتفاق بين الحكومة الانتقالية و”قوات سوريا الديموقراطية” (قسد)؟
بالتأكيد، للتطورات السياسية الأخيرة تأثير مباشر على الواقع العسكري. لقاء رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب يحمل دلالات كبرى أهمها عودة سوريا إلى طاولة التنسيق الدولي. سمعنا من وزير الخارجية الأميركي تصريحات تؤكد وجود طلب سوري رسمي للمساعدة في ملف المقاتلين الأجانب، وهذا يعني تنسيقًا عسكريًا مقبلًا مع التحالف الدولي.
أما بشأن الاتفاق بين الحكومة الانتقالية و”قسد”، فكل المؤشرات تدل على أن الأمور تسير نحو الاندماج ما دامت الرعاية التركية مستمرة، فتركيا لاعب محوري وتوافقها مع الإدارة السورية الانتقالية يساهم في تسريع دمج “قسد” ضمن المؤسسات الوطنية، وهو ما يساهم أيضاً في إنهاء الحالة الفصائلية التي كانت قائمة سابقاً.
بعد رفع العقوبات البريطانية عن وزارتي الدفاع والداخلية وحديث الحكومة عن الاستفادة من تجارب عربية في ضبط الأمن، هل نحن أمام رعاية أوروبية وعربية جديدة للمؤسسات العسكرية؟ وما دور تركيا؟
نعم. من الواضح أن هناك تحولًا في الموقف الأوروبي. رفع العقوبات مؤشر قوي على انفتاح بريطاني وأوروبي نحو التعاون الأمني والعسكري مع الحكومة الجديدة في سوريا. الاستفادة من التجارب العربية أمر ضروري، ووزارة الداخلية تحدثت صراحة عن تبادل خبرات مع دول مجاورة، مثل الأردن ومصر.
تركيا تؤدي دوراً مركزياً حيث تمتلك جيشاً قوياً ومنظماً وأجهزتها الأمنية ذات كفاءة عالية. أنقرة لا تبخل بالدعم لسوريا بل ترسل خبراء إلى عدة وزارات بما فيها الدفاع والداخلية. هذا الدعم التركي سيكون أساسياً في إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية على أساس حديث وفعال.
ما مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في سوريا وعملية التطبيع؟ وما السقف الذي ستسمح به تل أبيب بالنسبة إلى الجيش السوري؟
مستقبل الوجود الإسرائيلي داخل سوريا مرتبط بالتفاهمات الجارية في لقاءات عديدة منها لقاء أبو ظبي ولقاء باكو. إسرائيل تريد ضمان أمنها وترفض أي وجود عسكري قد يهدد تفوقها الجوي أو يحد من تحركاتها داخل سوريا.
قد يكون التطبيع مع إسرائيل جزءاً من التسويات الكبرى، لكنه ليس بالأمر السهل خاصة أن الجولان لا يزال تحت الاحتلال، وهناك إمكانية للعودة إلى اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974 كمدخل لحل هذا الملف.
أما بالنسبة إلى تسليح الجيش السوري، فإسرائيل ستكون طرفًا في أي معادلة توازن إقليمي، ولن تسمح بكسر التوازن سواء عبر تسليح سوري مباشر أو عبر تحالفات مع قوى خارجية، كتركيا. كل شيء مرهون بضمانات عربية وأميركية والتسليح سيكون خاضعًا لتفاهمات دقيقة.
كيف سيبدو المشهد العسكري في السويداء خلال الفترة المقبلة؟
أتوقع انفراجاً كبيراً في السويداء في الفترة القادمة. التصريحات المتوترة خفت وهناك بوادر حوار بين الحكومة وممثلي الفعاليات المحلية في المحافظة. نعم، كان هناك محاولات من أطراف إقليمية كإيران وإسرائيل لتحريك بعض المجموعات كأداة ضغط، لكن الحكومة امتصت هذا الضغط بحنكة. الوضع يتجه نحو التهدئة خاصة أن الأمن في السويداء مهم، ليس فقط لسوريا بل أيضاً للبنان والأردن، وأعتقد أن توافقاً إقليمياً سيحسم المشهد قريباً.
كيف أصبح الوضع العسكري والأمني في سوريا بعد التغيير السياسي الأخير، وما التحديات أمام الاستقرار؟
بعد التغيير السياسي في سوريا، تحسن الوضع الأمني بشكل كبير، وهناك عودة تدريجية للمؤسسات، لكن التحديات ما زالت كبيرة منها ضعف البنية التسليحية وغياب بعض الكوادر التخصصية ووجود بعض البؤر التي لم تحسم بعد أمنياً وتغلغل بعض الفلول التابعة لإيران أو “حزب الله” اللبناني. أيضاً، هناك تحد سياسي أمني متعلق بتوحيد القرار العسكري خاصة في ظل تداخل النفوذ الإقليمي والدولي، لكن مع الدعم العربي والتركي هناك فرصة حقيقية لإعادة بناء المؤسسة الأمنية على أسس وطنية.
هناك علاقة وثيقة جداً بين التطورات العسكرية في البلاد والسياق السياسي حيث أن رفع العقوبات عن سوريا والانفتاح العربي والدور التركي المتنامي وإعادة التموضع الأميركي مؤشرات على دعم الاستقرار في سوريا. كما أن القوى الدولية والإقليمية باتت تدرك أن الأمن في سوريا ينعكس مباشرة على أمن الشرق الأوسط وأوروبا حيث أن ضبط الحدود ومحاربة المخدرات ومنع التهريب كلها مصالح مشتركة. لذلك، أعتقد أن الدور الدولي سيكون داعمًا، لكن بشروط، أهمها ضبط المؤسسات وضمان ألا تتحول سوريا مجددًا إلى ساحة نفوذ.










