عبد الرحمن أياس
في خطوة قلبت الطاولة على سياسات أميركية استمرت لأكثر من عقد من الزمن، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الرياض رفع العقوبات المفروضة على سوريا، ما شكّل تطوّراً جيوسياسياً واقتصادياً بالغ الأهمية في الشرق الأوسط. هذا القرار، الذي جاء في خضم إعادة رسم العلاقات الإقليمية، يفتح الباب أمام أسئلة مصيرية تتعلّق بلبنان والأردن، الجارين المثقلين بتبعات الحرب السورية، واللذين تكبّدا أثماناً باهظة جراء العقوبات المفروضة على دمشق. فماذا تعني هذه الخطوة؟ وكيف يمكن أن تُترجَم واقعياً في بيروت وعمّان؟
منذ اندلاع الحرب في سوريا عام 2011، فرضت الولايات المتحدة سلسلة من العقوبات الاقتصادية على النظام السوري السابق، كان أبرزها “قانون قيصر” الذي دخل حيّز التنفيذ في حزيران/ يونيو 2020. وكان هذا القانون يستهدف كل طرف يتعامل اقتصادياً مع النظام السوري أو يموّله أو يوفّر له التكنولوجيا أو الخدمات، بما في ذلك الشركات الأجنبية والمؤسسات المالية. كان الهدف “خنق” نظام آل الأسد اقتصادياً لإجباره على وقف الانتهاكات والعودة إلى مسار سياسي متوافق عليه دولياً.
لكن هذه العقوبات، على رغم شدّتها، لم تضعف النظام بالقدر المتوقع، بل ساهمت في شكل كبير في تعميق معاناة السوريين، وضربت دول الجوار التي تربطها بسوريا علاقات اقتصادية ومعيشية عضوية، وعلى رأسها لبنان والأردن.
اختار ترامب إعلان القرار من الرياض، بحضور ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، وقبل يوم من لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع في العاصمة السعودية، في ما بدا رسالة تفيد بأن عودة سوريا إلى المنظومة العربية باتت محمية بغطاء أميركي.
اقرأ أيضاً: ترحيب عربي ودولي بقرار رفع العقوبات الأميركية عن سوريا – 963+
مكاسب محتملة وتحديات واقعية
الرسالة موجهة أيضاً إلى خصوم ترامب في الداخل والخارج: هو مستعد لاتخاذ قرارات غير تقليدية ومفاجئة تفرض واقعاً جديداً، حتى لو خالفت نُهُج الإدارات السابقة. القرار الأميركي جاء بعد سلسلة من التفاهمات الإقليمية التي بدأت بإعادة سوريا إلى الجامعة العربية، ومروراً باتفاقيات الطاقة الموقعة بين لبنان وسوريا والأردن، والتي اصطدمت سابقاً بجدار العقوبات الأميركية. لكن ما كان مستحيلاً في ظل إدارة بايدن، أصبح ممكناً الآن، مع عودة ترامب إلى واجهة القرار.
لبنان كان من أكثر المتضررين من العقوبات على سوريا، ولاسيما في ملفات الطاقة والتجارة والتهريب واللاجئين. فعلى رغم العلاقات السياسية المعقدة بين بيروت ودمشق، بقيت الحدود البرية بين البلدين شرياناً اقتصادياً حيوياً غير رسمي، ونافذة للبضائع اللبنانية إلى الداخل السوري، وللبضائع السورية إلى الأسواق اللبنانية.
أما رفع العقوبات فيفتح المجال أمام تفعيل مشاريع حيوية مثل “خط الغاز العربي”، الذي يُفترَض أن يمر من مصر إلى لبنان عبر الأردن وسوريا، ما قد يخفّف من أزمة الكهرباء المزمنة والمستعصية في لبنان. كذلك، يمكن أن يعيد إحياء تجارة الترانزيت عبر الأراضي السورية، ويفعّل صادرات المنتجات الزراعية والصناعية اللبنانية إلى الخليج.
سياسياً، قد يوفّر القرار الأميركي غطاءً لبيروت لإعادة ترتيب علاقتها مع دمشق، سواء عبر تطبيع مباشر أو عبر آليات إقليمية، ولاسيما إذا رافقت ذلك تغطية خليجية عموماً وسعودية خصوصاً. وقد يعزز احتمالات عودة اللاجئين السوريين من لبنان إلى بلادهم، ولاسيما إذا ترافق مع بدء إعادة إعمار سوريا. إلا أن هذا الانفتاح سيكون مشروطاً بتوازنات داخلية لبنانية دقيقة، في ظل الانقسام الحاد حول دور سوريا في لبنان.
الأردن كان أكثر وضوحاً في دعوته إلى رفع العقوبات عن سوريا، وهو قاد منذ سنوات حملة ديبلوماسية هادئة لإعادة تأهيل دمشق عربياً. فعمّان، التي تستضيف مئات آلاف اللاجئين السوريين، وتربطها بدمشق علاقات تاريخية وتجارية عميقة، وجدت نفسها محاصرة بالعقوبات من جهة، وبالضغوط الاقتصادية من جهة أخرى.
أما رفع العقوبات فيُنقِذ مشاريع أردنية كانت مجمّدة، أبرزها اتفاقيات الطاقة الإقليمية، والتبادل التجاري عبر معبر جابر – نصيب، الذي كان شرياناً حيوياً للاقتصاد الأردني قبل عام 2011.
وعلى غرار لبنان، قد تُمهّد الخطوة الطريق أمام عودة اللاجئين السوريين، ما قد يُخفِّف من العبء على البنية التحتية والخدمات في الأردن. أضف إلى ذلك أن الاستقرار في الجنوب السوري، المتاخم للأردن، يشكّل أولوية أمنية للأردنيين. لذلك، فإن أي قرار يُساهِم في إعادة تنشيط الاقتصاد السوري وتمكين الدولة المركزية، يُعتبر في مصلحة عمّان.
اقرأ أيضاً: ماذا يعني رفع العقوبات الأميركية عن سوريا؟ – 963+
غطاء أميركي وتحوّلات عربية
لكن على رغم الإيجابية الظاهرة في القرار الأميركي، ثمة عقبات تحول دون تنفيذه العملي. لم تكن العقوبات فقط أميركية، بل أيضاً أوروبية، ولا تزال العديد من الشركات والمؤسسات المالية تتوجس من التعامل مع سوريا خشية ردود فعل غربية.
كذلك تعاني البنية التحتية السورية من دمار كبير، والنظام لا يملك رؤية إصلاحية واضحة تجذب المستثمرين أو تشجّع على الانفتاح. لكن الفرص موجودة، لسوريا وبالتالي للبنان والأردن. فعودة سوريا إلى الخريطة الاقتصادية العربية تعني حكماً إعادة وصل ما انقطع من شبكات اقتصادية إقليمية، واستعادة الأسواق، وتحريك العجلة التجارية.
ويُعَدّ أي غطاء سياسي أميركي وسيلة كفيلة برفع العبء عن المؤسسات المالية واللوجستية في البلدين، وبفتح الباب أمام مبادرات تنموية كانت مستحيلة.
ليس رفع العقوبات عن سوريا مجرد قرار تقني، بل خطوة استراتيجية تحمل رسائل عميقة إلى المنطقة والعالم. وإذا ما استُثمِرت الخطوة بذكاء، يمكن أن تفتح صفحة جديدة في العلاقات العربية – العربية، وتُعيد للبنان والأردن دورهما كجسرين اقتصاديين وتجاريين بين الخليج والمشرق. لكنها أيضاً اختبار لقدرة المنطقة على استيعاب التحوّلات، وتجاوز حسابات الماضي، والانطلاق نحو تعاون إقليمي حقيقي.










