بعد مرور قرابة خمسة أشهر على سقوط نظام الأسد، تعيش العاصمة السورية دمشق تحولات متسارعة ومتشعبة تمسّ مختلف جوانب الحياة. فمن ارتياح شعبي واضح على وجوه الناس، إلى تغيّرات ملموسة في البنية الخدمية والاقتصادية، إلى انفراج نسبي في الحريات العامة… كلها مؤشرات على انبعاث مرحلة جديدة، تحاول فيها الحكومة الانتقالية رسم ملامح المستقبل وسط تحديات الانتقال من زمن الاستبداد إلى فضاء المشاركة الوطنية.
ارتياح عام… وتحوّل في المزاج الشعبي
منذ تشكيل الحكومة الانتقالية التشاركية بعد انتهاء ولاية الحكومة المؤقتة، بدت دمشق وكأنها تخرج تدريجياً من عنق الزجاجة. التفاؤل ليس فقط في الخطابات السياسية، بل على الأرض حيث يلمس المواطن السوري العادي، للمرة الأولى منذ سنوات، تحسناً حقيقياً في بعض مقومات الحياة اليومية.
في الأحياء الجامعية، كما في الشوارع والأسواق، يتحدث الناس عن تحسن في توفر الكهرباء والماء، واختفاء مشاهد الطوابير الطويلة التي كانت ترهقهم يومياً. لكن ما يتكرر أكثر في شهاداتهم هو الشعور بـ”الكرامة” و”الأمان النسبي” من الملاحقة على الرأي.
اقرأ أيضاً: كيف يستعيد الدمشقيون مدينتهم؟ – 963+
تجاوب غير مسبوق في الخدمات الجامعية
يروي سليمان ديب، طالب في كلية العلوم الصحية بجامعة دمشق، ملامح التغيير قائلاً لموقع “963+”: “الوضع تغير كثيراً، لا سيما في السكن الجامعي. قبل السقوط، كنا نعيش في ظلام دائم، لا كهرباء ولا ماء منتظم، أما الآن فهناك تزويد منتظم بين الثامنة صباحاً والثانية عشرة ظهراً، وهذا بحد ذاته ثورة صغيرة. حتى تعامل إدارة السكن معنا اختلف، أصبح هناك تجاوب وسرعة في تلبية الطلبات”.
ويضيف ديب أن هذا التحول البسيط في نظر البعض، يمثل قفزة في عقلية الإدارة، التي كانت في السابق لا ترى في الطالب سوى رقم، وليس إنساناً يملك صوتاً وحقوقاً.
“كنا نعيش في مسرحية من الخوف”
أما عمر عبد الحي، طالب في كلية الحواسيب، فيصف الوضع السابق بأنه كان “سيركاً للقمع”، ويؤكد أن ما تغيّر يتجاوز المادة إلى الجوهر.
ويضيف لـ”963+”: “كنا نُعامل على الحواجز كمشبوهين، رغم أننا نحمل تأجيلاً دراسياً من الخدمة الإلزامية. كانت كلمة واحدة أو حتى ملامح وجهك كافية لجرّك إلى التحقيق. والكارثة أن داخل الجامعة نفسها، كان هناك عملاء من فرع فلسطين يكتبون التقارير بحق الطلاب”.
عمر يعتبر أن مجرد زوال هذا الخوف هو بحد ذاته “تحرر حقيقي”، ويضيف بثقة: “صبرنا 14 عاماً تحت حكم الطاغية، نصبر سنة أو سنتين حتى تكتمل المرحلة الانتقالية”.
عمر الفقير، طالب في كلية هندسة الحواسيب، يركّز على أهمية الشعور بالكرامة قبل أي معايير مادية ويقول لـ”963+”: “الخبز والمحروقات والسيارات أصبحت متوفرة وبأسعار أقل، لكن ما يهمني أكثر أنني أستطيع النزول إلى السوق وشراء ما أريد دون أن يُسألني أحد: من أنت؟ ولمن تنتمي؟ هذا هو التغيير الحقيقي: أن تشعر أنك إنسان لك حقوق، لا مجرد تابع”.
اقرأ أيضاً: تشكيل “المجلس الوطني المشرقي” في دمشق – 963+
الطيبة باقية… ولكن بدون خوف
يعود مجد الفحل إلى دمشق بعد 11 عاماً قضاها في تركيا، حيث درس الأمن السيبراني، ويجد أن “روح الناس لم تتغير”، لكنه يلاحظ الفرق الأكبر في حرية التعبير: “في السابق، مجرد كلمة قد تؤدي بك إلى السجن أو الاختفاء. أما الآن، فالنقاشات تجري في المقاهي والجامعات والبيوت، حتى في الشارع، دون خوف من الأذن الكبيرة للدولة”.
المهندس والسياسي باسل كويفي، رئيس الكتلة الوطنية، يصف المرحلة الحالية بأنها “تأسيسية بامتياز”، تحتاج إلى صبر ووعي جماعي.
ويقول لـ”963+”: “الحكومة الحالية حكومة تكنوقراط، وهي تشاركية إلى حد مقبول، لكننا نأمل أن تتوسع أكثر لتشمل طيفاً أوسع من المجتمع. نؤمن أن العدالة الانتقالية ومأسسة العمل السياسي هما ركيزتان لبناء سوريا الجديدة”.
كويفي شدد على أهمية تشكيل مجلس تشريعي تمثيلي، وقال إن تلك هي اللبنات الأولى التي دفع السوريون ثمنها باهظاً للوصول إلى دولة مدنية ديموقراطية.
خطاب أممي… ورفع علم الثورة
من التطورات السياسية المهمة التي أشار إليها كويفي كانت كلمة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في الأمم المتحدة، التي وصفها بـ”التاريخية والمفصلية”، لا سيما في ظل رفع علم سوريا الحرة لأول مرة أمام مبنى الهيئة الأممية.
وأضاف كويفي: “هذا ليس رمزية فقط، بل رسالة للعالم بأن سوريا تعود إلى المجتمع الدولي، ولكن بهويتها الجديدة الحرة. الوزير الشيباني قدم خطاباً متزناً، تضمن تطمينات سياسية ووعوداً بالعدالة والمصالحة”.
وطالب كويفي بتوسيع نطاق الحوار السوري – السوري ليشمل كل المحافظات: “نحتاج إلى نقاش صريح حول العدالة الانتقالية، ولا يمكن أن نبني المستقبل بدون محاسبة من تلطخت يداه بالدماء أو استولى على المال العام، لكن دون انتقام، بل في إطار قانوني واضح”.
وأضاف أن المجتمع المدني والأحزاب يجب أن تكون حاضرة بقوة، لا كأدوات، بل كشركاء حقيقيين في عملية البناء.
الإنعاش الاقتصادي… أولويات المواطن
في ختام حديثه، شدد كويفي على أن الأولوية القصوى للمواطن اليوم هي “العيش الكريم”: “الناس يريدون الكهرباء، وفرص العمل، والدواء، والتعليم لأطفالهم. نحن لم نتجاوز الشهر الرابع بعد السقوط، وعلينا أن نكون واقعيين. حتى في الدول الديمقراطية، هناك فترات انتقال، مثل أمريكا التي تأخذ فيها الحكومة الجديدة 3 أشهر للاستلام. أما نحن فخرجنا من تدمير كامل للمؤسسات، وهذا يتطلب وقتاً وصبراً”.
وختم بالقول: “التعافي الاقتصادي هو مفتاح الكرامة، ولا يمكن بناء الكرامة بلا موازنة بين الدخل والإنفاق. الحكومة الانتقالية بدأت بخطوات صحيحة، لكن عليها أن تُسرّع العمل لتبقى ثقة الشارع موجودة”.










