في زمن لم تعد فيه المهارة الفردية كافية لحسم نتائج المباريات، بات تحليل الأداء الركيزة الجديدة التي تعتمد عليها الفرق الكبرى لتحقيق الانتصارات. هذا المجال الذي يجمع بين علم البيانات، التكنولوجيا، والتحليل التكتيكي، لم يعد ترفاً أو خياراً إضافياً، بل ضرورة ميدانية لا غنى عنها لأي نادٍ يسعى للمنافسة على البطولات.
ومع هذا التحول الكبير في عالم الكرة، تبرز قصص ملهمة لروّاد عرب يخوضون هذا التخصص بخطى واثقة، ومن بينهم المحلل السوري مجد إسماعيل، الذي استطاع أن يشق طريقه من الملاعب السورية إلى واحدة من أعرق الفرق في آسيا، نادي الفيصلي الأردني، مستنداً إلى شغفه بالتحليل وأدواته الحديثة.
من حطين إلى المنتخب السوري
بدأت رحلة إسماعيل في عالم تحليل الأداء عام 2014، من بوابة نادي حطين السوري، حيث اقتصر دوره آنذاك على تجميع مقاطع فيديو للخصوم وتحليلها بطريقة بدائية مقارنة بما هو متاح اليوم. لكن نقطة التحول الحقيقية جاءت في عام 2017، حين التحق بالجهاز الفني لمنتخب شباب سوريا، وهو ما وصفه بـ”البداية الحقيقية للتخصص الاحترافي في التحليل الفني والتكتيكي”.
لم يكتفِ بالعمل الميداني، بل انطلق في مسار تعليمي أكاديمي، إذ حصل على دورات تدريبية معتمدة من الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” ومنصات عالمية مرموقة في مجال تحليل الأداء. ومع تراكم الخبرات، أصبح إسماعيل نموذجاً للمحلل العصري، الذي يوازن بين المعرفة التكنولوجية والرؤية الفنية.
اقرأ أيضاً: أليسار اليوسف: من مضامير الحواجز إلى أولمبياد باريس.. قصة نجاح سورية تُروى – 963+
“ليست مشاهدات… بل بيانات”
في تصريحات خاصة في العدد السابع من صحيفة “963+” الإلكترونية، أوضح إسماعيل أن المفهوم السائد عن التحليل لا يزال قاصراً في بعض الدول العربية، قائلاً: “كرة القدم الحديثة لم تعد تعتمد على المشاهدة فقط، بل على البيانات الدقيقة التي تكشف التفاصيل الخفية”.
وأوضح أن العمل كمحلل لا يقتصر على مونتاج مقاطع الفيديو، بل يمتد إلى تفسير الأرقام وتحويلها إلى رؤى استراتيجية تساعد المدربين على اتخاذ قرارات حاسمة قبل وأثناء وبعد كل مباراة.
محطة الفيصلي الأردني: تجربة احترافية على مستوى عالٍ
اليوم، يشغل إسماعيل منصباً فنياً مهماً ضمن الجهاز الفني لنادي الفيصلي الأردني، أحد أكثر الأندية تتويجاً في العالم، وصاحب المركز العاشر عالمياً من حيث عدد الألقاب. ويصف إسماعيل هذه التجربة بالقول: “العمل مع نادي بهذا التاريخ هو شرف كبير، والدوري الأردني يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة بعد تعاقد الاتحاد مع شركة Wyscout العالمية، التي رفعت من جودة التحليل والبيانات بشكل كبير”.
ويعمل إسماعيل تحت إشراف المدرب المخضرم جمال أبو عابد، أسطورة الكرة الأردنية والمدرب الحالي للفيصلي، والذي وصفه إسماعيل بأنه “مدرسة كروية متكاملة تهتم بأدق التفاصيل”، كاشفًا في الوقت ذاته عن الجانب الإنساني في شخصية أبو عابد، حيث قال: “كان يرسل وجبات إفطار رمضانية للفريق بأكمله، وهذا يعكس مدى اهتمامه باللاعبين كأشخاص قبل أن يكونوا عناصر تكتيكية”.
اقرأ أيضاً: محمد إسطنبلي: تحديات التدريب العربي وتطلعات الكرة السورية نحو المستقبل – 963+
تحديات الداخل السوري وآفاق المستقبل
رغم النجاحات التي يحققها خارج سوريا، لا يخفي إسماعيل خيبة أمله من النظرة القاصرة لتحليل الأداء في بلده الأم، قائلاً: “في سوريا، لا يزال الكثيرون يعتبرون تحليل الأداء مجرد مونتاج فيديو، بينما هو علم كامل يعتمد على بيانات ضخمة وأدوات تحليلية متقدمة”. ومع ذلك، يبقى متفائلاً بمستقبل هذا التخصص، خاصة في ظل الاستثمارات الكبيرة التي بدأت تشهدها بعض الدول الخليجية، وعلى رأسها الدوري السعودي الذي تعاقد مع شركة Opta العالمية، الرائدة في مجال الإحصائيات الرياضية.
وفي ختام حديثه مع “963+”، عبّر إسماعيل عن أمله بأن يشهد القطاع الرياضي السوري تحولًا حقيقيًا بعد “انتصار الثورة”، مضيفاً: “أتمنى أن نطوي صفحة الفساد، ونعتمد على المنهجية العلمية لتطوير كرة القدم السورية، فلدينا مواهب حقيقية لكنها تحتاج إلى بيئة صحية واحترافية”.
تجربة مجد إسماعيل تمثل شهادة حيّة على أن كرة القدم الحديثة هي لعبة الأرقام بقدر ما هي لعبة المهارات. ففي زمن شُحّت فيه المفاجآت على المستطيل الأخضر، أصبح التحليل العلمي هو السلاح الأقوى. وهكذا، بات المحللون التقنيون شركاء حقيقيين في صناعة الفوز، يقرؤون المباريات بمنظور مختلف، حيث قد تكمن الهزيمة أو الانتصار في تفصيلة صغيرة ترصدها عين محلل محترف.










