أكثر من عشر سنواتٍ من الحرب تركت آثاراً مدمرة على قطاع الصناعات الغذائية في سوريا، أحد أبرز القطاعات الحيوية المرتبطة بالأمن الغذائي والاقتصاد الوطني. مصانعُ توقفت، ومنشآتٌ دُمّرت، وسلاسلُ إمدادٍ تعطلت، في مشهد يعكس حجم الانهيار الذي أصاب البنية الصناعية بالبلاد.
القطاع الذي كان يعتمد على المنتجات الزراعية والحيوانية، ويشكّل حلقة وصل مهمة بين الريف والصناعة، تراجع بشكل كبير، خاصة في مدن كبرى مثل حلب ودمشق وحمص، نتيجة العمليات العسكرية والقصف العنيف وانقطاع الخدمات الأساسية.
ووَفق تصريحاتٍ سابقة لوزير الصناعة في حكومة النظام المخلوع زياد صباغ، فإن إجمالي الأضرار التي لحقت بالقطاعين العام والخاص الصناعي خلال سنوات الحرب تجاوزت 600 ألف مليار ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 150 مليار دولار، كما أشار إلى أن نحو 67% من البنى التحتية والمشاريع الحيوية في البلاد قد دُمّرت، وهو رقم يعكس عمق الكارثة التي عصفت بالصناعة السورية ككل.
وكانت المؤسسة العامة للصناعات الغذائية في سوريا قد قدرت في شباط/ فبراير عام 2018 الخسائر الفعلية للقطاع بحوالي 590 مليون ليرة (نحو مليون دولار) خلال ذلك العام فقط، وذكرت أن انخفاض نسب تنفيذ الخطة الإنتاجية في كل من (زيوت حماة، زيوت حلب، ألبان دمشق، تجفيف البصل، عنب السويداء) يعود لعدم توافر المواد الأولية وفق الطاقات المخطط لها، إضافة إلى التسعير الإداري لمادة بذر القطن ما أدى إلى انخفاض نسب تنفيذ الخطة الإنتاجية لهذه الشركات.
اقرأ أيضاً: هيئة المنافذ البرية والبحرية السورية تحدد رسوم “الترانزيت” – 963+
الدكتور في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق عابد فضيلة، قال في تصريحات للعدد السابع من صحيفة “963+”، إن الحرب في سوريا أثرت سلباً على كافة القطاعات والأنشطة والفعاليات الاقتصادية الإنتاجية السلعية وخاصةً التي تقع على أطرف المدن وفي عمق الريف وعلى رأسها قطاع الزراعة، على اعتبار أن معظم الأعمال العسكرية كانت على أو إلى جانب الأراضي الزراعية ،لذلك يمكن القول أن آثار الحرب المباشرة لم تكن على التصنيع الزراعي الغذائي بل كانت أكثر وأشد ضرراً على المخرجات الزراعية التي تستخدم في التصنيع الزراعي إلى جانب نزوح بعض الفلاحين عن أراضيهم ولا سيما في مناطق شمال وشرق البلاد.
زراعة المخرجات التصنيعية
ويضيف فضيلة أن إحياء قطاع الصناعات الزراعية الغذائية في سوريا يبدأ بإحياء زراعة المخرجات التصنيعية التي تشجع وتحرض وتدفع بدورها لإحياء الصناعات الزراعية وخاصةً الغذائية والتي تعد من ضروريات الحياة الريفية في الاستهلاك، مبيناً أنها من أهم مدخلات الأسواق التجارية ليس لأن أغلبها غذائية بل لأن قسماً منها يعد من أهم المدخلات الصناعية الهامة والاستراتيجية غير الغذائية.
تريث وترقّب
وبحسب فضيلة فإن “من أهم المتغيرات التي تواجهها سوريا بعد سقوط النظام في قطاع الصناعات تتمثل بظروف التريث والترقب على مختلف الصعد الإنتاجية وغير الإنتاجية في مختلف القطاعات بما فيها قطاع التصنيع والإنتاج الزراعي الغذائي إلا إن هذه المرحلة بدأت تدخل نهايتها باتجاه الحراك الاقتصادي وذلك بعد ترسيخ الاستقرار الأمني وإيجابية المناخ السياسي داخلياً وخارجياً”.
وفي الثالث عشر من نيسان/ أبريل الجاري، حذر نائب المدير التنفيذي ومدير العمليات في برنامج الأغذية العالمي كارل سكاو، من تدهور الوضع الغذائي في سوريا، داعياً المجتمع الدولي إلى تخفيف العقوبات وتكثيف الاستثمارات في البرامج الإنسانية.
وأكد سكاو في كلمة خلال اجتماع بشأن سوريا بمنتدى “أنطاليا الديبلوماسي” في تركيا على “أهمية الاستثمار في دعم المزارعين السوريين، وتوفير النقد والغذاء بشكل مباشر”، منوهاً إلى أن “تحقيق الأمن الغذائي هو أساس الاستقرار في سوريا والمنطقة”.
اقرأ أيضاً: الزراعة في سوريا: كيف تستعيد مجدها؟ – 963+
افتقار إلى التنظيم
يرى الدكتور كميل الساري أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية في جامعة السوربون في أبو ظبي، أن القطاع الزراعي في سوريا يفتقر إلى تنظيم أسواق بيع المنتجات الزراعية، إلى جانب تخلف طرق جني ونقل وتخزين وتداول المنتجات، مما يرفع نسبة الفاقد على طول السلسلة ويحرم الإنتاج السوري من المنافسة على كسب أسواق خارجية.
ويشير خلال تصريحات للعدد السابع من صحيفة “963+”، إلى أنه “بعد اندلاع الثورة السورية في العام 2011 واستخدام نظام الأسد وسائل القتل والتدمير والتهجير، أصبحت التربة غير قابلة للزراعة بسبب وجود آلاف الذخائر غير المتفجرة والألغام في الأراضي”، مطالباً المنظمات الدولية بالمساهمة في إزالتها ليتمكن المزارع من زراعة أرضه وبالتالي المساهم في المنتجات الزراعية والغذائية في البلاد.
ووفق تقارير أممية، فإن هذا الانهيار في الصناعات الغذائية، انعكس بشكلٍ مباشر على الأمن الغذائي في البلاد، حيث ارتفعت الأسعار بشكلٍ غير مسبوق، وباتت سوريا من بين أكثر الدول معاناة من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
وبينما تظهر محاولات محدودة لإعادة تشغيل بعض المصانع، تبقى الحاجة ماسة إلى خطط شاملة لإعادة تأهيل هذا القطاع، بما يضمن استقراره واستعادة دوره في دعم الاقتصاد وتأمين لقمة العيش للملايين.
وتحتم الأهمية الكبيرة التي تمثلها الصناعات الغذائية في سوريا، على السلطات تشجيع المستثمر المحلي على العودة إلى تشغيل منشآته الإنتاجية، إضافةً إلى تشجيع رأس المال الأجنبي للمساهمة في تطوير الأساليب الصناعة التقليدية وتحديث التقنيات المستخدمة بما يحقق وفرة الإنتاج وتحسين نوعيته بهدف زيادة قيمته المضافة وزيادة القدرة التصديرية منها وتشغيل المزيد من اليد العاملة، بحسب خبراء في الشأن الاقتصادي.










