أشهر أربعة مضت على تحرير سوريا، شهدت فيها البلاد خطوات سريعة باتجاه بناء الدولة وإعادة الاستقرار، ليتحول الحديث السوري كلياً عن “سوريا ما بعد الأسد” من ملف سياسي بحت إلى سؤال اقتصادي مصيري: من يموّل إعادة الإعمار؟ وكيف؟ ولمصلحة من؟
تبرز مسألة إعادة الإعمار باعتبارها التحدي الأكبر أمام السوريين والمجتمع الدولي على حد سواء. فالمعركة لم تعد معركة جبهات وسلاح، بل تحوّلت إلى معركة اقتصادية – سياسية، تتقاطع فيها الأجندات وتتنافس القوى الإقليمية والدولية على تموضع جديد في سوريا ما بعد الاستبداد.
وفي هذا السياق، يعود الدور العربي، والخليجي تحديداً، إلى الواجهة، كمحور أساسي في معادلة التمويل والتأثير، وسط تنافس إقليمي ودولي على النفوذ في “سوريا ما بعد الأسد”، لا بصفته داعماً مالياً محتملاً فحسب، بل صاحب مصلحة استراتيجية في إعادة رسم مستقبل سوريا والمنطقة.
إعادة الإعمار اليوم لا تشكّل مجرد استحقاق اقتصادي، بل هي اختبار سياسي ومعنوي للدولة الجديدة، ولمدى قدرتها على الخروج من تحت ركام الحرب إلى مرحلة بناء حقيقية.
تمويل مشروط برؤية سياسية
تقدّر كلفة إعادة الإعمار في سوريا بأكثر من 400 مليار دولار بحسب البنك الدولي، وهذا رقم يعكس حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والقطاعات الحيوية، بواقع تضرر أكثر من1,2 مليون وحدة سكنية، فيما خرجت 60 في المئة من المرافق الصحية عن الخدمة، وتدمّرت 70 في المئة من المنشآت الصناعية في مدن مثل حلب. أما قطاع التعليم، فيحتاج إلى إعادة بناء وتأهيل ما لا يقل عن 7000 مدرسة. وهذه الأرقام لا تشير إلى عمق الدمار وحده، بل تشير أيضاً إلى حجم الاستثمار المطلوب لإعادة إطلاق دورة الحياة، والاقتصاد، واستعادة ثقة المجتمع.
عقب انهيار النظام، أعلنت عدة دول خليجية، في مقدمتها السعودية والإمارات وقطر، عن استعدادها للمشاركة في تمويل الإعمار من خلال مبادرات تم الإعلان عنها في مؤتمر “شراكة من أجل سوريا” الذي انعقد في الرياض. وتمثّلت أبرز الالتزامات في حزمة دعم أولية بقيمة 38 مليار دولار، تشمل مشاريع البنية التحتية الأساسية، وقطاعات الصحة والتعليم، على أن تُدار بشفافية وبموجب شراكات مع مؤسسات سورية انتقالية ومجتمع مدني مستقل.
لكن هذه المساهمة الخليجية ليست مبادرة إنسانية فحسب، إنما هي استثمار سياسي يُعيد رسم حدود التأثير في المشهد السوري، بعد عقد من الانكفاء النسبي.
اقرأ أيضاً: المرأة.. كلمة السر الضرورية في بناء سوريا المستقبل
ما بين الطموح والتعقيد
رغم الإعلان عن النوايا والدعم المالي، يواجه ملف الإعمار عقبات جدّية، أبرزها الفراغ الإداري وغياب مؤسسات تنفيذية قادرة على استيعاب التمويل وتحويله إلى مشاريع فعالة، ناهيك عن الانقسام الجغرافي والسياسي، مع وجود سلطات أمر واقع مختلفة، ما يصعّب من إطلاق خطة وطنية موحّدة.
ومن أهم التحديات التي تواجه الاستثمار في إعادة الإعمار، التنافس الروسي -الإيراني بوجه الخليجي على العقود والتأثير، في ظل سعي الطرفين المذكوؤين آنفاً إلى الحفاظ على موقعهما في الخارطة السورية الجديدة، بعد أن أسقط تحرير البلاد خططهما بعيدة المدى.
يُضاف إلى ما سبق كله شبه انعدام الثقة الشعبية حيال بعض الجهات المانحة، والقلق من تحوّل الإعمار إلى وسيلة لإعادة إنتاج نخب المصالح القديمة، بدلًا من دعم قوى التغيير الحقيقي.
إعمار البشر قبل الحجر
على الرهان العربي، والخليجي تحديداً، ألا يقتصر على تمويل مشاريع بنية تحتية، بل عليه أن يكون جزءاً من إعادة بناء العقد الوطني السوري، عقد اجتماعي يضمن استقراراً مستداماً، ويعني ذلك ربط الدعم المالي بتحقيق شروط أساسية مهمة منها، أهمها ضمان استقلالية القرار السياسي السوري، وعدم رهنه لأجندات خارجية. ولا بد من التعلم من أخطاء الماضي وتمكين المجتمع المدني المحلي من لعب دور رقابي وتنفيذي في إدارة المشاريع. وفي ذات السياق تعزيز اللامركزية والتنمية المتوازية بين المحافظات، حتى لا تعاد عجلة التهميش مجدداً التي كانتها أيام النظام البائد.
وعلى رأس الأولويات، لا بد من إرساء آليات شفافة للمحاسبة، بما يضمن عدم تسرب التمويل إلى قنوات فساد أو شبكات محسوبة على النظام السابق.
نافذة الفرصة… تضيق
اليوم، أمام دول الخليج نافذة حقيقية لإعادة تشكيل دورها في سوريا، لا بصفتها دولاً مانحة فحسب، بل بصفتها شريكة استراتيجية في صناعة السلام والاستقرار.
لكن هذا الدور لن يكون فاعلًا إلا إذا ارتبط برؤية سياسية واضحة، لا تقتصر على إعادة الإعمار كعملية هندسية، بل تشمل دعم انتقال سياسي عادل، وترسيخ سيادة القانون، وتمكين السوريين أنفسهم من تقرير مستقبلهم.
ربما تكون إعادة الإعمار بوابة نحو سوريا جديدة، أو فخاً لإعادة إنتاج الاستبداد بمظهر حديث. والمطلوب من الفاعلين العرب ألّا يكتفوا بضخ الأموال، بل أن يكونوا شركاء في بناء نموذج يليق بتضحيات السوريين.
نشرت هذه المادة في العدد السابع من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 18 نيسان /إبريل 2025.
لتحميل كامل العدد السابع من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










