في توقيت إقليمي شديد الحساسية، يستعد الرئيس الفلسطيني محمود عباس لزيارة العاصمة السورية دمشق، للقاء نظيره السوري أحمد الشرع، في خطوة تثير تساؤلات عميقة حول دلالاتها السياسية. وبينما قد تبدو الزيارة بروتوكولية في ظاهرها، إلا أن ما تحمله من أبعاد جيوسياسية يوحي بتحولات استراتيجية في موازين التحالفات الإقليمية.
لقاء نادر بعد انقطاع دام عقدين
الزيارة المرتقبة هي الأولى من نوعها منذ ما يقارب العقدين، وتأتي وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط بفعل الحرب المتواصلة في غزة، والانخراط المتزايد لما يُعرف بمحور المقاومة بقيادة إيران. وهو ما ألقى بظلاله على استقرار المنطقة، وأعاد ترتيب أولويات الدول الفاعلة.
وكان الرئيس عباس قد التقى الرئيس الشرع للمرة الأولى على هامش القمة العربية الطارئة في القاهرة في آذار/ مارس الماضي. فيما مهّدت زيارة سابقة لرئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى في كانون الثاني/يناير إلى دمشق، الطريق لهذا اللقاء الرئاسي المرتقب.
وفد رفيع المستوى ورسائل سياسية دقيقة
يرافق عباس في زيارته وفد فلسطيني رفيع، يضم أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حسين الشيخ، وعضو اللجنة التنفيذية أحمد مجدلاني. وأكد مجدلاني في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية أن اللقاء مع الرئيس الشرع سيبحث في “العلاقة الثنائية والتهديدات المشتركة”.
وتشير هذه التصريحات إلى أن أجندة الزيارة لا تقتصر على المجاملات السياسية، بل تشمل ملفات حساسة تتعلق بالأمن الإقليمي وعلاقات السلطة الفلسطينية مع القوى الإقليمية الفاعلة.
اقرأ أيضاً: زيارة الشرع للإمارات: انفتاح سياسي ورسائل استراتيجية في ملفات الاقتصاد والإقليم – 963+
مرحلة جديدة في علاقات دمشق ورام الله؟
يرى مراقبون أن السلطة الفلسطينية تسعى من خلال هذه الزيارة إلى فتح آفاق جديدة في علاقاتها الإقليمية، خصوصاً مع سوريا التي كانت لعقود حاضنة لحركة “حماس”.
ويبدو أن القيادة الجديدة في دمشق تحاول بدورها إعادة التموضع والانفتاح على قوى “معتدلة” في المنطقة.
ويقول الدكتور عمر الرداد، خبير قضايا الأمن الاستراتيجي، في حديث لموقع “963+”، إن الزيارة تعكس أهمية متزايدة للسلطة الفلسطينية، بصفتها الممثل الشرعي عربياً ودولياً للشعب الفلسطيني.
ولفت إلى أن دمشق الجديدة، بقيادة الشرع، اتخذت خطوات عملية للتضييق على “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، ما يُهيئ بيئة مناسبة لتعزيز العلاقة مع رام الله.
ملامح تقارب استراتيجي
الخبير الأردني أشار إلى أن القيادة السورية ستقدّم تعهدات جديدة للحد من نشاط “حماس” على أراضيها، الأمر الذي قد يشكّل نقطة تحول في السياسة السورية تجاه الفصائل الفلسطينية، ويدعم رؤية رام الله كطرف أساسي في إعادة ترتيب أوراق الملف الفلسطيني.
في السياق ذاته، يرى الدكتور علي السلطان، مدير مؤسسة خطوات للتنمية المجتمعية في دمشق، أن زيارة عباس “خطوة محورية” في إعادة بناء العلاقات الثنائية، مشيراً إلى تقاطعات سياسية جديدة تجمع بين الطرفين على المستويين الإقليمي والدولي.
وأكد أن دمشق تسعى إلى تعزيز دورها في الملف الفلسطيني، ضمن استراتيجية أوسع للانخراط مجدداً في محيطها العربي.
اقرأ أيضاً: اتفاق سوري – أردني لتشكيل مجلس أعلى للتنسيق بين البلدين – 963+
زيارة تحمل رمزية مزدوجة
تمتد رمزية الزيارة إلى كون دمشق باتت نقطة تقاطع في ملفات إقليمية تمتد من لبنان والعراق إلى إيران وفلسطين. كما تعكس محاولة من السلطة الفلسطينية لكسر العزلة السياسية، وتعزيز موقعها في خريطة التحالفات الإقليمية.
ويقول مراقبون إن اللقاءات التي سبقت الزيارة، والتي ضمّت شخصيات رسمية من الجانبين، تكشف عن وجود إرادة سياسية لصياغة مرحلة جديدة من التعاون. ومن شأن هذا التقارب أن يؤثر في مسار المصالحة الفلسطينية، وعلاقة السلطة بفصائل تقليدية مثل “حماس”.
رؤية سورية جديدة تجاه الفصائل الفلسطينية
الكاتب السوري فراس علاوي يرى أن دمشق تسعى في هذه المرحلة إلى توثيق علاقتها مع الدول العربية كافة، وتقديم نفسها كداعم جامع للقضية الفلسطينية، دون الانحياز إلى فصيل دون آخر.
وفي حديثه لـ”963+”، أشار علاوي إلى أن الزيارة تحمل رسائل مزدوجة؛ الأولى تتعلق برغبة عباس في تعزيز موقع السلطة الفلسطينية، والثانية تتصل بمساعي سوريا لتأكيد حيادها تجاه الفصائل الفلسطينية، والتأكيد على دعمها للقضية ككل.
وتشير مجمل المؤشرات إلى أن زيارة الرئيس محمود عباس إلى دمشق ليست زيارة عابرة. فهي تأتي في لحظة سياسية حرجة، وتحمل رسائل واضحة إلى الأطراف الفاعلة في الإقليم. وبينما تسعى دمشق إلى إعادة التموضع عربياً، تجد السلطة الفلسطينية في هذا الانفتاح فرصة لتوسيع هامش تحركها، وربما رسم تحالفات جديدة تعزز من مكانتها داخلياً وخارجياً.










