في خطوة تكشف أبعاداً أعمق من مجرد منح حق اللجوء لديبلوماسي سابق، كشفت تقارير صحفية أن روسيا منحت بشار الجعفري، نائب وزير الخارجية السوري وسفير النظام السابق في موسكو، حق اللجوء السياسي، برفقة زوجته وابنته.
التحرك الروسي حيال الجعفري لا يبدو قراراً إنسانياً أو فردياً بحتاً، بل يأتي ضمن سياق استراتيجي يعكس طبيعة العلاقة المركّبة والمتغيّرة بين موسكو ودمشق، في ظل تحولات داخلية تشهدها البنية السياسية السورية بعد الحرب.
رفض العودة
بحسب مصادر مطلعة، رفض الجعفري العودة إلى دمشق بعد انتهاء مهمته الديبلوماسية، وسط أنباء عن تحفظه على الاتجاهات الجديدة في السياسة السورية. بالتزامن، أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني عبر منصة “إكس”، عن البدء بإعادة هيكلة السفارات، مشيراً إلى أهمية ضمان “تمثيل ديبلوماسي مشرّف”، ما اعتبره مراقبون تلميحاً إلى تطورات داخلية غير مُعلنة في السياسة الخارجية السورية.
ويُعد بشار الجعفري من أبرز وجوه النظام السوري خلال العقدين الماضيين، وكان الصوت الرسمي للنظام في الأمم المتحدة طوال سنوات الحرب، ومدافعًا شرسًا عن سياسات الأسد.
لكن تغيّر مواقفه، وظهوره في ديسمبر/كانون الأول 2024 بتصريحات غير مسبوقة من موسكو، أثار علامات استفهام واسعة، حين قال: “سوريا لم تكن تخضع لنظام حقيقي، بل لهيمنة منظومة فساد ومافيا رهنت البلاد لمصالحها الخاصة”. “البلاد اليوم لكل أبنائها، وأنا أثق بقدرة الشعب على تجاوز المحن”.
اقرأ أيضاً: الشيباني يعلن عن بدأ إعادة هيكلة البعثات الديبلوماسية السورية – 963+
روسيا تُعيد تموضعها داخل البنية السورية
يرى ديمتري بريجع، مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، أن قرار روسيا بمنح اللجوء للجعفري ليس إجراءً إدارياً تقليدياً، بل تحرّك سياسي محسوب.
وفي حديثه لموقع “963+”، أكد بريجع أن موسكو تنتهج سياسة إعادة التموضع في المشهد السوري، مستخدمة أوراقاً بشرية كانت سابقاً جزءاً من النظام، لكنها أصبحت اليوم خارج دائرته المباشرة.
وأوضح أن الجعفري ليس مجرد ديبلوماسي، بل “أرشيف حي” يختزن أسرار العلاقة بين موسكو ودمشق، من تفاهمات سياسية وخطابات مغلقة، إلى تفاصيل التحركات العسكرية والدبلوماسية في سنوات الأزمة.
ومنح اللجوء لشخصية محورية كالجعفري، بحسب مراقبين، يُفهم في سياق بناء روسيا لما يشبه “بنك احتياطي” من شخصيات تمتلك معرفة عميقة بالبنية الداخلية للنظام، يمكن استخدامها في لحظة ما لإحداث توازن أو حتى لطرح بدائل.
ويُضاف ذلك إلى أدوات روسيا السياسية والعسكرية في سوريا، ما يؤكد أن موسكو لا تتحرك بمحاذاة الأحداث، بل تخطط للاحتفاظ بهوامش مناورة تمكّنها من التأثير في موازين القوى داخل البلاد.
اقرأ أيضاً: الشيباني يصدر قراراً بنقل سفيرين إلى الإدارة المركزية في دمشق – 963+
توتر محتمل مع القيادة الجديدة في دمشق
لكن هذه الخطوة، بحسب بريجع، قد تثير قلق الإدارة السورية الجديدة، التي تسعى إلى تثبيت شرعيتها بعيدًا عن رموز الحرس القديم.
واستضافة موسكو لشخصيات باتت غير مرغوبة في دمشق، مثل الجعفري، تضعها أمام معادلة حساسة: “كيف يمكنها دعم شرعية جديدة تحاول تجاوز إرث الماضي، وفي الوقت ذاته التمسك برموز ذلك الماضي كورقة ضغط؟”
وحذّر بريجع من أن روسيا قد تواجه خطر فقدان التوازن في علاقتها مع سوريا، إذا لم تُحسن إدارة هذه المعادلة، خاصة أن الرسالة قد تُفهم كـ”عدم ثقة” في مستقبل النظام الحالي.
من جانبه، اعتبر الصحفي السوري براء عثمان، أن روسيا تحرص على عدم التخلي عن رجالها السابقين، لما في ذلك من رسائل استراتيجية إلى حلفائها في المنطقة.
وقال في تصريحات خاصة لـ”+963″: “الجعفري لم يكن مجرد سفير، بل كان الواجهة الرسمية للنظام السوري خلال الثورة، وموسكو تدرك أنه ورقة ثمينة في سجلّها السياسي”.
وأشار عثمان إلى أن استضافة موسكو للجعفري ليست مجرّد لجوء، بل “خطوة سياسية بامتياز” تتيح لها استخدامه كورقة تفاوض مستقبلية، أو مصدر معلومات داخلي.
لكن في الوقت ذاته، رأى أن الخطوة قد تُربك المسار السياسي مع الحكومة السورية الحالية، التي بدأت تبعث بإشارات انفتاح سياسي نحو موسكو، دون رغبة في العودة إلى وجوه النظام السابق.
مخاوف من استخدام الجعفري كأداة مواجهة
وأردف عثمان أن “موسكو قد تستفيد جزئياً من وجود الجعفري، لكن استخدامه كأداة ضغط أو توظيفه ضد دمشق قد يشكّل عامل توتر دائم”، مشيراً إلى أن “الجعفري أحد الصناديق السوداء للنظام السابق، ومجرد وجوده داخل روسيا كفيل بإثارة الحذر”.
واختتم بالقول: “تجارب روسيا مع حلفائها السابقين لا تدعو إلى الاطمئنان. من مصير السفير الروسي في تركيا إلى مؤسس فاغنر، مروراً بمسؤولين خدموا روسيا ثم انتهوا في صفقات سياسية. من يراهن على الحماية الروسية لا يملك ضمانات حقيقية”.
وإذا ما تأكد رسمياً منح بشار الجعفري اللجوء السياسي في روسيا، فإن الخطوة، بحسب مراقبين، تمثل بداية لمرحلة جديدة في التعاطي الروسي مع سوريا، تقوم على ما بعد “الحرس القديم”، وربما ما بعد الأسد نفسه.
وبينما تسعى موسكو إلى الحفاظ على حضورها في المعادلة السورية، تبقى خياراتها محفوفة بالتعقيد، لا سيما حين تتحول أدوات النفوذ إلى مصادر للريبة، وتصبح التحالفات القديمة عبئاً على الشرعيات الناشئة.










