تتجه أنظار العالم يوم السبت المقبل إلى سلطنة عُمان، حيث ستبدأ جولة أولى من المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران حول الملف النووي. فهل تنجح جهود الوساطة العُمانية في حل الأزمة أم ستشعل شرارة الحرب؟ وسط تصاعد لغة الحرب على إيران في الآونة الأخيرة على خلفية تطورات سياسية وعسكرية شديدة التعقيد تشهدها منطقة الشرق الأوسط.
روايتان متناقضتان
أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الاثنين، خلال لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في البيت الأبيض، أن بلاده ستشرع في محادثات مباشرة رفيعة المستوى مع إيران بشأن برنامجها النووي، اعتباراً من يوم السبت المقبل، محذّراً من أن “إيران ستكون في خطر كبير إذا فشلت المحادثات’’.
وبعد ساعات من التصريح الأميركي، أكدت طهران موعد المحادثات، مشيرةً إلى أنها ستُعقد السبت في سلطنة عُمان، لكنها شددت في المقابل على أن المحادثات ستكون غير مباشرة، وسيقودها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والمبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وفق ما أفادت به وكالة أنباء “تسنيم” الإيرانية.
وبالتزامن، ذكر وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في منشور على منصة “إكس”، أن واشنطن وطهران ستجريان محادثات غير مباشرة رفيعة المستوى في عمان، وقال إنها “فرصة بقدر ما هي اختبار، الكرة في ملعب أميركا الآن”.
وكان ترامب قد انسحب في عام 2018 بشكل أحادي من الاتفاق النووي السابق مع إيران والمعروف باتفاق الخمسة زائد واحد، الذي تم التوصل إليه مع إيران في تموز/يوليو 2015 ودخل حيز التنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر من العام ذاته لفترة عشر سنوات تنتهي في أكتوبر القادم.
اقرأ أيضاً: محادثات أميركية إيرانية غير مباشرة في عمان السبت المقبل
محادثات مباشرة أم غير مباشرة؟
الدكتور غازي فيصل، مستشار مركز العراق للدراسات الاستراتيجية، المقيم في عمان، أوضح أن التصريحات متضاربة بين ترامب الذي يتحدث عن محادثات مباشرة وهي جزء من الشروط الأميركية للذهاب إلى التفاوض مع طهران، وبين عراقجي الذي يؤكد أن المحادثات غير مباشرة لتأكيد منهج طهران بعدم الذهاب إلى مباحثات مباشرة مع واشنطن.
وأشار فيصل في تصريحات لموقع ‘‘+963’’ إلى أن ‘‘هناك وصية من الإمام الخميني قبل وفاته بعدم التطبيع مع أميركا وعدم عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وهذه الوصية تُعتبر ملزمة من الحكومات الإيرانية المتعاقبة لهذا السبب تجد طهران دائماً مشكلة في التفاوض المباشر مع واشنطن، لأن هذه المباحثات المباشرة تنتهك هذه الوصية’’.
الدوافع والأسباب
رأى الباحث في الشأن الإيراني، الدكتور مسعود إبراهيم حسن، في تصريحات لموقع ‘‘963+’’، أن المفاوضات الإيرانية الأميركية المحتملة في مسقط تمثل طوق نجاة لإيران التي تواجه أزمات متصاعدة داخلياً وخارجياً.
وأوضح حسن أن طهران تعاني داخلياً من أزمة اقتصادية خانقة بسبب العقوبات، إلى جانب احتجاجات شعبية على السياسات الاقتصادية. أما خارجيًا، فهي تعيش حالة تراجع بعد فقدان نفوذها في الشرق الأوسط، ما يجعلها بحاجة لالتقاط الأنفاس واستعادة التوازن.
وأشار إلى أن إيران، رغم شعاراتها عن الكرامة والقوة، باتت مستعدة لتقديم تنازلات خشية قرارات مفاجئة من ترامب، ومنعًا لأي تصعيد إسرائيلي ضد برنامجها النووي.
أما الدوافع الأميركية، بحسب حسن، فتكمن في احتواء النظام الإيراني وتهيئته للتكيف مع السياسات الأميركية الجديدة في المنطقة، إذ إن تشكيل شرق أوسط جديد يتطلب “إيران مستأنسة” تنصاع لتوجهات واشنطن وتتماهى مع رؤيتها.
الخيار العسكري
وحول سيناريوهات ما بعد فشل المفاوضات، استبعد الدكتور مسعود إبراهيم حسن وقوع مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران، مرجعاً ذلك لتداعيات أي حرب شاملة على مصالح أميركا في الشرق الأوسط.
ورجّح حسن سيناريو مواجهة عسكرية بين إسرائيل وإيران برعاية أميركية، مشيراً إلى احتمالية قيام تل أبيب بضربة استباقية ضد المنشآت النووية الإيرانية لمنعها من بلوغ “النادي النووي”، لا سيما وأن واشنطن منحت الضوء الأخضر لذلك.
وأوضح أن نسبة تخصيب اليورانيوم الإيرانية بلغت 60%، بينما السقف المسموح به هو 4%، ما يعني اقتراب طهران من عتبة 90% المؤهلة لإنتاج السلاح النووي، وهو ما تعتبره إسرائيل “خطًا أحمر” وفق عقيدتها النووية التي ترفض أي منافس نووي في الشرق الأوسط، بدعم أميركي كامل.
أما الباحث فيصل، فحدد خيارين أمام إيران: إما القبول بصفقة على مقاس ترامب تشمل تفكيك البرنامج النووي، وقف تطوير الصواريخ البالستية، ووقف دعم الفصائل المسلحة؛ أو المواجهة العسكرية. وأضاف أن هذه الشروط الأميركية تتعارض جذريًا مع مبدأ “ولاية الفقيه” القائم على التمدد الإقليمي.
وأشار إلى أن إرسال البنتاغون حاملة طائرات ثانية للمنطقة يمثل رسالة واضحة من واشنطن بأن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً بقوة.
اقرأ أيضاً: فصائل عراقية مدعومة من إيران “مستعدة” لنزع سلاحها
هل إيران قادرة على المجابهة والحرب؟
وحول القدرة العسكرية الإيرانية، يتفق حسن وفيصل في نقطة أن استراتيجية التمدد التي بنتها إيران خلال 45 عام انتهت بهزيمة وانكسار أذرعها في سوريا ولبنان وغزة واليمن، وبالتالي هي غير قادرة على مواجهة واشنطن بسبب عدم وجود أي تكافؤ في علاقات القوة العسكرية بين طهران وواشنطن.
ونوه فيصل إلى أنه ‘‘مع كل أدوات إيران في سوريا من قواعد وصناعات مسلحة وحرس ثوري إيراني وفصائل عراقية وزينبيون وفاطميون والتدخل في الاستخبارات السورية، هُزمت في سوريا وهزمت في لبنان الذي كان يشكل قاعدة من القواعد المهمة والخطيرة لها واليوم تُهزم في اليمن، لذا عليها مراجعة سياساتها وتذهب لبناء نظام مدني’’.
اقرأ أيضاً: نتنياهو إلى واشنطن الإثنين. “ضرب إيران” على الطاولة
انعكاسات الاتفاق والعواقب
لا شك أن نجاح أو فشل المفاوضات ستكون له تداعيات كبيرة على الداخل الإيراني، وأمن المنطقة، وأسعار النفط العالمية.
وفي هذا السياق، يرى د. مسعود إبراهيم حسن أن نجاح الاتفاق سيُنعش الاقتصاد الإيراني ويدعم النظام سياسيًا في مواجهة الشارع المنتفض، كما سيساهم في استقرار سوق الطاقة عالمياً، في حين أن فشل الاتفاق يعني، بحسبه، انهيار النظام الإيراني عاجلاً أو آجلاً.
أما فيصل، فحذّر من أن فشل الاتفاق سيضع إيران في مواجهة مع القانون الدولي ويهدد علاقاتها مع القوى الكبرى، ويدفعها نحو حرب مدمرة سيكون الشعب الإيراني، الذي يعيش نصفه تقريباً تحت خط الفقر، أول ضحاياها.
وأضاف أن أي هجوم على المنشآت النووية الإيرانية ستكون له تداعيات استراتيجية بعيدة المدى على المنطقة والعالم، وستعيد رسم التوازنات الإقليمية.
ورغم استمرار الجهود الديبلوماسية، فإن التحركات العسكرية الأميركية توحي بأن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً بقوة، في ظل تصاعد التوترات وتشابك الملفات الساخنة في الشرق الأوسط.










