واشنطن
أثار قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية شاملة على الواردات الأجنبية موجة من الغضب والاستنكار على المستوى العالمي، حيث اعتبرته العديد من الدول تهديدًا مباشرًا للتجارة الحرة، وقد يؤدي إلى تصعيد غير مسبوق في السياسات الحمائية. وتوعدت العديد من الدول، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي، بالرد على هذه الإجراءات عبر فرض تدابير مضادة لحماية مصالحها الاقتصادية، وسط مخاوف من اندلاع حرب تجارية عالمية تؤثر بشكل سلبي على الأسواق والاقتصادات الوطنية.
ردود الفعل الأوروبية
في أول رد فعل رسمي من الاتحاد الأوروبي، وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، الرسوم الجمركية الأميركية بأنها “ضربة موجعة” للاقتصاد العالمي، محذرة من التداعيات السلبية لهذا القرار على دول ضعيفة اقتصادياً قد تواجه صعوبة في التعامل مع ارتفاع الرسوم الجمركية الأميركية.
وخلال بيان لها صدر في مدينة سمرقند بأوزبكستان، قبيل قمة للشراكة بين الاتحاد الأوروبي وآسيا الوسطى، أكدت فون دير لاين أن الاتحاد الأوروبي يستعد لاتخاذ إجراءات انتقامية في حال فشلت المفاوضات مع واشنطن.
وأوضحت أن الاتحاد الأوروبي يضع بالفعل اللمسات الأخيرة على الحزمة الأولى من الإجراءات المضادة، والتي تتضمن فرض رسوم جمركية انتقامية على سلع أميركية تصل قيمتها إلى 26 مليار يورو (28.4 مليار دولار) خلال الشهر الجاري، وذلك ردًا على الرسوم الأميركية المفروضة على واردات الصلب والألمنيوم، التي دخلت حيز التنفيذ في 12 آذار/ مارس.
وفي ألمانيا، دعا اتحاد الصناعات الكيميائية الألماني، الذي يضم شركات كبرى مثل “باير” و”باسف”، إلى التروي في التعامل مع الإجراءات الأميركية، معتبرًا أن “التصعيد لن يؤدي إلا إلى تفاقم الضرر”.
وندّد اتحاد صناعة السيارات الألماني بالرسوم الجمركية الجديدة، مؤكداً أنها ستؤدي إلى “خسائر فادحة” للصناعات الأوروبية، داعياً الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ موقف صارم لحماية المصالح الأوروبية.
كما أشار إلى أن الخسائر لن تقتصر على الشركات الألمانية فحسب، بل ستطال أيضاً المستهلك الأميركي نفسه وصناعة السيارات الأميركية، التي تعتمد بشكل كبير على سلاسل التوريد الأوروبية.
وأعربت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، عن استيائها من قرار الولايات المتحدة، واصفة إياه بأنه “إجراء خاطئ”، محذرة من أن اندلاع حرب تجارية سيضعف الغرب بشكل عام. وأضافت أن حكومتها ستبذل قصارى جهدها للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة لتجنب التصعيد.
ومن جانبه، أكد وزير التجارة البريطاني جوناثان رينولدز أن المملكة المتحدة ملتزمة بالمفاوضات مع واشنطن لتخفيف تأثير الرسوم الجمركية الجديدة، مشدداً على أن بلاده لا تعتزم اتخاذ إجراءات انتقامية فوراً. ومع ذلك، اعتبرت جماعة الضغط المعنية بالتصنيع “ميك يو كي” أن هذه الرسوم “مدمرة” وتهدد عقوداً طويلة من سلاسل التوريد المتكاملة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة.
وعبّرت هذه الدول عن رفضها القاطع للرسوم الجمركية الأميركية. حيث أعرب رئيس الوزراء الإيرلندي مايكل مارتن عن “أسفه الشديد” ودعا إلى رد “متناسب” من قبل الاتحاد الأوروبي. في حين أكد وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوك راسموسن، أن “لا أحد سينتصر في حرب تجارية”، محذراً من العواقب السلبية لهذا القرار.
وأكدت الرئيسة السويسرية كارين كيلر-سوتر أن بلادها ستحدد بسرعة الخطوات المقبلة، مشيرة إلى أن الأولوية تكمن في حماية المصالح الاقتصادية للبلاد، خاصة في ظل فرض رسوم جمركية بنسبة 31% على الصادرات السويسرية.
ردود الفعل العالمية
تعهّد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بالرد على رسوم ترامب الجمركية، معتبراً أنها “ستغيّر جذرياً” موازين التجارة الدولية.
وأقر البرلمان البرازيلي قانوناً يسمح للحكومة باتخاذ إجراءات انتقامية، فيما أكدت حكومة الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا أنها ستلجأ إلى منظمة التجارة العالمية للطعن في هذه الرسوم.
وانتقد رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي الرسوم الأميركية، محذراً من أنها قد تؤثر سلباً على العلاقات الثنائية بين البلدين.
وأعلنت الصين رفضها القاطع للإجراءات الأميركية، مؤكدة أنها ستتخذ “تدابير مضادة” لحماية مصالحها. كما حذّرت اليابان من أن هذه الرسوم قد تشكل انتهاكاً لقواعد منظمة التجارة العالمية. بدورها، عبّرت كوريا الجنوبية عن قلقها من نشوب “حرب رسوم جمركية عالمية”.
ومن جهته، حذّر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الدول من الرد على الرسوم، مشيراً إلى أن أي تصعيد مضاد سيؤدي إلى تفاقم الأزمة التجارية العالمية.
ردود الفعل في الدول العربية
طالت الرسوم الجمركية مجموعة واسعة من الدول العربية وأثارت قلق تلك الدول حيث جاء بعضها مرتفعاً بشكل خاص وهي على الشكل التالي: “41% على سوريا، 39% على العراق، 31% على ليبيا، 30% على الجزائر، 28% على تونس، 20% على الأردن، 10% على باقي الدول العربية، بما في ذلك دول الخليج، مصر، المغرب، لبنان، السودان، اليمن، جيبوتي، موريتانيا، وجزر القمر”.
وتأتي هذه الإجراءات في وقت تعاني فيه العديد من الدول العربية من تحديات اقتصادية، مما قد يزيد من الضغوط المالية على الحكومات والشركات المصدرة. كما أن ارتفاع تكاليف الاستيراد سيؤثر بشكل مباشر على أسعار السلع الأساسية في الأسواق المحلية، ما سيؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين.
ويرى محللون اقتصاديون أن هذه الرسوم ستؤدي إلى انخفاض تنافسية الصادرات العربية في السوق الأميركية، ما قد يجبر هذه الدول على البحث عن أسواق بديلة، مثل الصين وأوروبا، لتعويض الخسائر.










