لطالما أثبت، ويثبت، الأصوليون أنهم بحكم مساراتهم الحركية والهيكلية والأيديولوجية العدمية أنهم «على» الدولة، لا «مع» ـها. فوات الدولة لا يغذيهم فحسب، بل يمنحهم بيئة خصبة لإعادة التكيف والتمدد وفقاً للأطر السوسيولوجية والسياسية التي تتحرك بمقتضاها حركاتهم على الأرض. في هذا السياق، قدّم لبنان خلال السنوات التي أعقبت سنة 2011 نموذجاً صارخاً للعلاقة الجدلية بين اللادولة وصعود الطائفية-الأصولية، والتي يعتبر “حزب الله” فيها (وبعض الحركات الأصولية السنيّة اللبنانية) إحدى أهم الأمثلة في إعادة مساره بما يتوافق والخراب.
وما دام لا يمكن إهمال البعد الطائفي في فهم التوتر بين “حزب الله” والإدارة السورية الجديدة، بعدما خسر الحزب عموده الفقري في سوريا والمنطقة عموماً، فإنه ليس بمستغربٍ أن يعيد الحزب رسم استراتيجيته مستفيداً من الخراب السوري المديد، المرشح للاستمرار اليوم. فرغم أن خسارة النظام السوري مثلت له ضربة قوية في تهديد مصالحه وصولاً إلى إيران (وخاصة مع فقدانه رئة التمويل وانقطاع خطوط الإمداد)، لا يمكن إغفال أن دوام الخراب في سوريا يمثل مصدر غنى لـ”حزب الله” الذي انتقل من موقع مقاومة إسرائيل إلى كونه قوة طائفية إقليمية، ساهمت وتساهم في الصراعات الطائفية التي تشهدها سوريا.
من هنا، ليس بمستغرب أيضاً صعود احتماليتين: الأولى، سعي الحزب إلى تعزيز وجوده العسكري في المناطق الحدودية السورية القريبة من لبنان، مع محاولة استقطاب فصائل وجماعات محلية سورية تدين له بالولاء الطائفي للحفاظ على نفوذه هناك، والتي يمكن أن يقدم الحزب نفسه حامياً لها ويدعمها ضد السلطة الجديدة في دمشق؛ والثانية، إعادة ضبط سيطرته على حاضنته الشيعية في لبنان كوسيلة لإعادة توحيد الطائفة الشيعية حوله (التي حاول تصدير صورة تمثيلها بعد تصدعها أفقياً نتيجة الضربات الإسرائيلية التي تلقاها الحزب)، وهو الأمر الذي سيقود حكماً إلى إعادة تطييف الحركات الأصولية في سوريا ولبنان، التي تشمل كذلك بعض الأطياف السنية السلفية ممن يؤيد الشرع ويستميت اليوم تشبيحياً في الدفاع عنه، حالهم كحال الكثير من السوريين ممن يشبح له، الذين يثبتون الولاء للطائفة السنية ما يتجاوز الولاء للدولة. ومع خيار كهذا، من الممكن أن نشهد مستقبلاً (وذلك بحسب المنطق الأصولي الطائفي الذي تعود عليه الحزب) إثارة توترات طائفية إضافية في سوريا ولبنان، إما عبر عمليات أمنية أو من خلال تصعيد إعلامي ضد الإخوة/الأعداء السنة، بغية إبقاء الشيعة متماسكين تحت قيادته.
لا يعني فقدان “حزب الله” لعمقه السوري نهاية القصة، بل يمكن ذلك أن يحوله إلى ذئب جريح طائفي مرتبط بطهران، يستثمر في الخراب اللبناني وفي غياب الاستقرار السوري الذي لا يعمل على تغذية مثل هذه الحركات فحسب، بل يوفر لها بيئة حاضنة تعيد تشكيل ذواتها وفق الديناميكيات الإقليمية. وهكذا، ليس الخراب المستمر في سوريا إلا مرآة لأصولية الحزب وطائفيته.
نشرت هذه المادة في العدد الثالث من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 21 آذار/مارس 2025.
لتحميل كامل العدد الثالث من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










