في ظل التحولات السياسية والدستورية التي تشهدها سوريا بعد سقوط نظام الأسد، تتزايد الحاجة إلى مراجعة الأسس القانونية والتشريعية والدستورية التي تُبنى عليها الدولة، وعلى رأسها الإعلان الدستوري. في هذا السياق، يتحدث الشيخ حمود الحناوي، شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في سوريا، في العدد الرابع لصحيفة “963+” عن رؤيته للتحديات الراهنة ومآلات المرحلة المقبلة، مشدداً على ضرورة التكاتف حول سوريا المستقبل، والعمل على تعظيم المصلحة العامة، واحترام أسس المواطنة الكاملة لجميع مكونات المجتمع السوري، لتعزيز الاستقرار الوطني.
وبين الشيخ الحناوي أن أبناء المحافظة يرفضون أي محاولة لإقحامهم في صراعات لا تخدم المصلحة الوطنية، مشدداً على أن “السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا، والانتماء للوطن شرف وكرامة ومبدأ لا يمكن المساومة عليه”. وتابع قائلا : “ننظر إلى السوريين جميعاً من خلال منظور واحد هو الوطنية المشتركة”.
في هذا الحوار الخاص للعدد الرابع من صحيفة “963+”، يصوغ الشيخ الحناوي رؤيته في هذا الظرف الدقيق، ويتناول جملة من القضايا التي تهم الرأي العام، من الإصلاح الدستوري إلى دور المرجعيات الدينية في دعم التوافق الوطني.
كيف يمكننا الحديث عن سياق الحوار مع السلطة في دمشق؟
نرحب بالحوار دوماً ونسعى له وإليه. لم نغلق يومًا الباب أمام التفاهم الوطني. نحن أبناء هذه الأرض، والدولة السورية هي مرجعيتنا، وأي خلاف أو تباين يجب أن يُعالج بالحوار تحت سقف الوطن، لا خارجه.
إذاً، إلى أي حد تمضي الخطوات نحو ذلك؟
لا نتحدث إلا تحت المظلة الوطنية وبنية المواطنة الكاملة. بالتالي، ما نطلبه هو ما يطلبه كل سوري: العدالة والكرامة واحترام خصوصيات الناس. نحن يقيناً لا نخشى الحكم في دمشق، بل نخشى التهميش أو التعدي على خصوصيات أهلنا. يجب أن تكون التطمينات دستورية وميدانية، تُترجم واقعًا عمليًا، لا شعارات وأقوال. وهذا يجعلنا نقول إن الضمانة الحقيقية دوماً هي الدولة، حين يكون هناك عقد وطني جامع تراقبه مؤسسات دستورية.
كيف تقرأون ما حصل في الساحل؟ وهل يمكن أن يزيدكم رفضاً للحوار مع حكومة دمشق قبل تطمينات معينة؟
ما حصل في الساحل مؤلم يستدعي الوقوف عنده بكل مسؤولية. لكن، هذا لا يعني القطيعة مع الحوار، بل على العكس، هذا سبب إضافي لتأكيد ضرورة الاتفاق الوطني الشامل وضمان حقوق الجميع.
كيف تُقيِّمون علاقاتكم بالمكونات السورية الأخرى، تحديدًا المسيحيين والأكراد؟
علاقتنا بالمكونات السورية قائمة على الاحترام والتعاون المشترك. نحن شركاء في الأرض والمصير. للمسيحيين والأكراد وكل المكونات مكانتهم واحترامهم، وما يجمعنا أكثر كثيراً مما يفرقنا. إن البنية السكانية في سوريا قائمة على التعدد الديني والقومي، لذلك لجأ الشعب السوري إلى التمسك بالقضية الوطنية التي تضمن وحدة الشعب. نصّت الدساتير السابقة على هذا الاتجاه، وحتى يتم بناء الدولة على أفضل وجه، لا بد من الآتي:
أولًا، الاستفادة من أخطاء الأنظمة السابقة التي أدت إلى التفكك، وطرحت مشاريع تقسيم نرفضها بشكل قاطع.
ثانيًا، يجب ألا تضيع فرحة الشعب السوري بالخلاص من القوانين الجائرة والظلم، من خلال العودة إلى نفس الظروف والمعاناة التي دمرت سوريا.
ثالثًا، انطلاقًا من طبيعة الشعب السوري، لا يُقبل التفرد بالحكم أو الاستئثار بالسلطة، ولا يُقبل الاستبداد أو الغلو الديني أو القومي أو الحزبي أو الطائفي.
رابعًا، ضروري صوغ دستور وطني يضمن كرامة المواطنين جميعًا، ويحمي حقوقهم، ويحترم عقائدهم وانتماءاتهم. وهذا لا يتحقق إلا بالتجرد والنزاهة والمحافظة على الوحدة الوطنية،
خامسًا، يجب رد المظالم، ورفع الحيف عن المواطنين الذين تعرضوا للظلم من قبل الأنظمة السابقة بسبب القوانين التعسفية، مع ضمان تعويض عادل لهم.
الدستور السوري… كيف يعبّر عن المكونات السورية جميعها بمواطنة كاملة غير منقوصة؟
الدساتير الصادرة في سوريا منذ الاستقلال اعترفت بالطوائف الإسلامية والمسيحية وغيرها، وأُصدرت قوانين تضمن حقوق هذه الطوائف بما يساهم في الحفاظ على وحدة الشعب السوري. لكن، مؤسف أنه، رغم قوة النصوص الدستورية، وقعت تعديات في مختلف العهود، وتم استخدام سياسة “فرّق تسُد” لإثارة النعرات الطائفية، ما أدى إلى الاقتتال وشنّ الحملات، والتاريخ خير شاهد على ذلك. ونحن بدورنا عشنا هذه التجارب، ونأمل اليوم أن تُصاغ في دمشق رؤية واعية وعادلة، تزيل الخوف من نفوس الطوائف والأقليات – إن صح التعبير – وهذا مرهون بوعي القيادة الحالية في دمشق.
وماذا عن محاولات بعض الجهات الخارجية استغلال اسم طائفة الموحدين الدروز؟
لا بد من التأكيد على أمر هام، بل شديد الأهمية، وهو أن الطائفة لا تقبل التدخلات الأجنبية، ولن تكون ذراعاً لصالح أي جهة أو طرف خارجي. وربما يجب الإشارة إلى أننا لم نقم في أي يوم من الأيام بأي عمل يسيء إلى الوحدة الوطنية، كوننا نؤمن بأننا سوريون أولاً وأخيراً، وذلك من خلال التأكيد الكامل على أن الموحدين الدروز كانوا دائماً جزءاً من النسيج الوطني السوري، ولم يسبق لهم أن مدّوا أيديهم إلى أي جهات خارجية، مشدداً على أن الطائفة مسالمة وتحترم كل المكونات السورية، لكنها في الوقت نفسه لن تسمح بالمساس بكرامتها أو سيادتها.
ما تطلعاتكم لمستقبل طائفة الموحدين الدروز في سوريا؟
إننا لا نعتبر أنفسنا أقلية، بل نرى أنفسنا أكثرية في وطنيتنا وأخلاقنا وعقيدتنا واحترامنا للآخرين. فالانتماء إلى الوطن شرف لكل مواطن، ونتمنى أن ينسحب هذا الشعور على جميع السوريين. إلا أن ما يبعث على الأسى هو وجود نعرات طائفية لدى بعض من يُحسبون على الأكثرية، تتجلى في تكفير الآخرين وتسفيه عقائدهم، نتيجة الغلو الديني، وهي ظاهرة مؤلمة.
كلمة أخيرة؟
إننا نترقب وننتظر ما ستقدمه دمشق من خطوات حقيقية لرفع الظلم والجور عن الشعب السوري، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال صياغة دستور جديد يُلبّي طموحات الشعب. كما أننا نحترم حق الأكثرية في القيادة، ولم يسبق لنا تاريخيًا أن تجاوزنا هذا الحق، بل نؤمن بالتشارك النسبي بين جميع المكونات.
نشأ الشيخ الحناوي، المولود في الأول من شهر كانون الثاني/يناير 1943 في قرية “سهوة البلاطة”، ضمن مجتمع يحب العلم وينشده بكل السبل، وفي أسرة عريقة كانت من أشد المقاومين لبراثن الاستعمار العثماني والفرنسي. جده الشاعر والشيخ والقائد أبو علي قسام الحناوي جمع تلك الصفات بمواقفه، وتسلم مقاليد مشيخة العقل في سوريا، وكذا والده أيضاً.
كان لوالدته سكرية الحناوي الفضل في تعليمه؛ فهي واحدة من اللواتي تعلمن الابتدائية في قرية ذبيين، وبعد الإعدادية في قرية المزرعة، والثانوية في دار الحكمة بمدينة السويداء، درست معلم صف، وتخرجت في عام 1963، وعملت معلمةً في دير الزور 14 عاماً، ثم انتقلت للتعليم بمدارس قريتي الكفر وسهوة البلاطة.
خلال خدمته الإلزامية التي اقتربت من خمس سنوات، درس في كلية الآداب، قسم اللغة العربية، وتخرج فيها في عام 1975. بعدها، سافر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وعمل مدرّساً للغة العربية، مضيفاً إلى ذلك العمل في صحيفتي “البيان” و”الخليج”.
أوكلت إليه مهام مشيخة العقل في سوريا، وهو مستمر في ذلك حتى يومنا.
نشرت هذه المادة في العدد الثالث من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 28 آذار/مارس 2025.
لتحميل كامل العدد الثالث من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










