ليس بجديد على سوريا، غزو البضائع التركية للأسواق، فقبل سقوط النظام السوري في كانون الأول/ديسمبر الماضي، كانت تدخل بضائع تركية إلى مناطق سيطرته، وتصل عبر طرقات التهريب.
تتميز المنتجات التركية بتنوعها ورخص أسعارها مقارنة بالسلع الأخرى وبغض النظر عن جودتها، فهناك من يتجه لشرائها خاصة في ظل تدني القدرة الشرائية للسوريين.
وبعد سقوط النظام السوري، شهدت الأسواق السورية تزايداً ملحوظاً في المنتجات التركية التي غزت محلاتها، ويتم عرضها بأسعار منخفضة مقارنة بالمنتجات المحلية، بنسبة تصل إلى 30-40% مقارنة بنظيراتها السورية، مما يجعلها الخيار الأول للكثير من المستهلكين.
وتُعرض المنتجات التركية في الأسواق السورية، وخلقت حالة من التنافس بتخفيض أسعار المواد، وقد حاز الأمر استحسان السوريين، الذين يأملون بسوق تنافسية دون احتكار للسلع، وتعدد أصناف وأريحية من حيث السعر.
وفي 27 كانون الثاني/يناير الماضي، أشارت وزارة التجارة التركية إلى أن سوريا انتقلت إلى نظام جمركي جديد يوم 11 يناير 2025، حيث تم تعديل 6302 تعرفة جمركية تشمل الحدود السورية مع تركيا والأردن ولبنان والعراق.
وتهدف التعديلات وفقاً لوزير التجارة التركي عمر بولاط، إلى تحصيل إيرادات لتغطية النفقات العامة، ولم تكن موجهة بشكل خاص ضد المنتجات التركية. من جهتها، أفادت صحيفة “ديلي صباح” بأن الحكومة السورية قررت خفض الرسوم الجمركية على 269 منتجاً تركياً، بعد مشاورات بين وزارتي التجارة التركية والسورية.
وتشمل المنتجات المعنية، البيض والطحين والذرة والحليب والقشدة ومنتجات الحديد والصلب والمواد الصحية، وهي سلع أساسية لقطاعي الغذاء والبناء في سوريا.
اقرأ أيضاً: اليتم والفقدان في سوريا.. جراح الطفولة التي لا تندمل
وبدأت سوريا وتركيا مناقشات لإعادة تفعيل اتفاقية التجارة الحرة الموقعة عام 2007، والتي تم تعليقها مع اندلاع حرب في سوريا في 2011. وبلغت صادرات تركيا إلى سوريا في عام 2024 نحو 2.2 مليار دولار، في حين سجلت الواردات من سوريا 450 مليون دولار قبل انهيار النظام في ديسمبر الماضي، وفق الوزير التركي.
وكانت قيمة التجارة الثنائية بين البلدين قد بلغت 2.3 مليار دولار في 2010، لكنها انهارت إلى 565 مليون دولار في 2012 بسبب اندلاع الحرب، وفقًا للبيانات الصادرة عن معهد الإحصاء التركي (تركستات).
نتائج إيجابية
يقول صلاح قيراطة، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، لموقع “963+”، إن توفير سلع تركية بأسعار أقل قد يكون إيجابياً للمستهلكين في ظل الأزمة الاقتصادية، لكنه يضر على المدى البعيد بسبب تراجع الإنتاج المحلي.
أما من حيث الجودة، فهي متفاوتة؛ بعض السلع مقبولة، لكن الكثير منها موجه للأسواق الفقيرة بجودة أقل من المعايير الأوروبية، على حد قوله.
ويرى قيراطة أن المنتجات التركية تضر بالصناعات المحلية فالمنافسة غير المتكافئة مع السلع التركية الرخيصة تؤدي إلى تراجع المبيعات المحلية، وإغلاق المصانع، وفقدان الوظائف، وزيادة الاعتماد على الاستيراد بدلاً من الإنتاج الذاتي.
ومنتصف الأسبوع الماضي، أعلن مدير العلاقات العامة في الهيئة العامة للمنافذ البحرية والبرية مازن علوش، عن توصل الجانبين التركي والسوري إلى قرار برفع القيود المفروضة على تصدير البضائع والمنتجات السورية إلى داخل الأسواق التركية، إلى جانب فتح أراضيها لإعادة تفعيل حركة تصدير البضائع (ترانزيت) إلى الدول الأجنبية.
وأشار علوش إلى أن القرار جاء عقب جلسات ومباحثات بين الهيئة العامة ووزارة التجارة التركية، معتبراً أن الخطوة تعكس عمق العلاقات التجارية بين البلدين، ما يساهم في تعزيز التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري المشترك على أمل استمرار العمل المثمر بين المؤسسات لتحقيق مزيد من التقدم والازدهار.
ويقول دكتور كميل الساري، أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية في جامعة السوربون، لـ”963+”، إن تركيا تنتج سلعاً جيدة الجودة من حيث الصناعات الغذائية، وكذلك الإلكترونيات المنزلية والكهربائيات.
وتتميز تركيا بالإنتاج على نطاق واسع في البلاد، وتستهدف في صناعاتها خفض التكاليف، وفي الوقت ذاته تمثل الواردات التركية خطراً على الإنتاج المحلي، وغياب منافسة الصناعة المحلية.
آثار سلبية أيضاً
يوضح الساري أن مليارات الدولارات تخرج من سوريا إلى تركيا، ثمناً للبضائع التي توردها إلى سوريا، كما أنها تحرم آلاف العائلات من العمل، عبر تسببها بأضرار للصناعة المحلية وإيقاف المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
ويدعو الساري إلى دعم الصناعات المحلية على حساب البضائع الأجنبية، وتشجيع السوريين ممن يمتلكون شركات في الخارج إلى الاستثمار في بلادهم وتوفير فرص العمل للسوريين.
اقرأ أيضاً: في أقبية الظلام: شهادة ناجٍ من التعذيب في سوريا
ويرى قيراطة أن الحل لمواجهة البضائع التركية يتمثل بفرض رقابة جمركية صارمة على الاستيراد والحد من التهريب. ودعم المنتجين المحليين بتخفيض تكاليف الإنتاج وتحفيز الصناعات الوطنية.
كما أن فرض ضرائب أو رسوم على المنتجات المستوردة من شأنه تأمين حماية السوق المحلية. ودعا تشجيع الاستهلاك المحلي عبر حملات توعية بأهمية دعم المنتجات الوطنية، بحسب قيراطة.
ومنتصف يناير الماضي، قال رئيس مجلس الأعمال التركي السوري التابع لمجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي إبراهيم أوزتشوركتشي، إن هناك جهوداً تبذل لرفع حجم التجارة بين تركيا وسوريا إلى 10 مليارات دولار على المدى القصير والمتوسط.
وذكر أن الشركات التركية ستلعب دوراً مهماً في عملية إعادة إعمار سوريا بفضل الميزة التي تتمتع بها تركيا بقدرتها الإنتاجية والصناعية واللوجستية.










