بعد استكمال تشكيل مجلس الشعب السوري وعقد أولى جلساته، تتجه الأنظار إلى طبيعة التمثيل داخل المؤسسة التشريعية، ومدى قدرتها على عكس صورة المجتمع السوري بمختلف فئاته وشرائحه، في ظل مرحلة جديدة تتطلب مؤسسات قادرة على التعبير عن تطلعات المواطنين والمشاركة في بناء مستقبل البلاد.
ويطرح تشكيل المجلس تساؤلات حول حضور المرأة والشباب والمكونات الاجتماعية والمستقلين داخله، ومدى التوازن في تمثيل هذه الفئات، باعتبار أن التنوع المجتمعي يعد أحد العوامل الأساسية لتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة، وضمان وصول مختلف القضايا والاحتياجات إلى قبة البرلمان.
وأهمية أي مجلس تشريعي لا ترتبط فقط بتشكيلته، وإنما بقدرته على أداء دوره الحقيقي في التشريع والرقابة، وتحويل وجود مختلف الفئات داخله إلى مشاركة فعلية في مناقشة القوانين وصياغة السياسات العامة.
ويشكل حضور المرأة في المؤسسة التشريعية أحد أبرز الملفات المرتبطة بمفهوم التمثيل العادل، إذ لا يقتصر دورها على المشاركة العددية، بل يرتبط بقدرتها على المساهمة في النقاشات البرلمانية، والمشاركة في اللجان المختصة، وطرح القضايا التي تمس المجتمع بشكل عام.
كما يبرز ملف مشاركة الشباب، باعتبارهم شريحة واسعة من المجتمع السوري وأكثر الفئات ارتباطاً بمستقبل البلاد، حيث أن تعزيز حضورهم داخل المؤسسات السياسية يمكن أن يساهم في إدخال رؤى جديدة، وطرح قضايا ترتبط بالتنمية والتعليم وفرص العمل والمشاركة العامة.
وفي ظل التنوع الاجتماعي والثقافي والقومي الذي تتميز به سوريا، يبرز أيضاً ملف تمثيل المكونات المختلفة، إذ أن وجود تمثيل يعكس هذا التنوع يمكن أن يسهم في تعزيز الشراكة الوطنية، وتوفير مساحة أوسع للتعبير عن مختلف الآراء والتوجهات داخل المؤسسة التشريعية.
اعتبارات استثنائية
يقول حسام نجار، المحلل السياسي المقيم في بولندا، إن آلية تشكيل مجلس الشعب في المرحلة الحالية جاءت استناداً إلى اعتبارات استثنائية تفرضها الظروف التي تمر بها سوريا، موضحاً أنها لا تمثل النموذج الأمثل للحياة السياسية، وإنما تعد إجراءً مؤقتاً يتناسب مع متطلبات المرحلة الانتقالية.
ويضيف نجار في حديث لـ”963+” أنه بعد تحقيق الاستقرار والوصول إلى حالة من اليقين السياسي والأمني، ينبغي اعتماد آلية مختلفة لاختيار أعضاء المجلس، تقوم على منح الشرعية للنائب من خلال تمثيله المباشر لمنطقته، سواء عبر دوائر انتخابية صغيرة أو دوائر أوسع، مشيراً إلى أن لكل نظام انتخابي مزاياه بحسب طبيعة المرحلة.
ويشير نجار إلى أن الحد من النزعات المناطقية والقبلية والتشرذم المجتمعي قد يتحقق من خلال تطوير نظام حزبي فاعل، على غرار ما هو معمول به في العديد من الدول الجمهورية والملكية الدستورية، لافتاً إلى أن خصوصية الحالة السورية تتطلب دراسة دقيقة تضمن تمثيلاً واسعاً يشمل جميع مكونات المجتمع وفق نسبها السكانية أو دوائرها الانتخابية، معتبراً أن التكتلات والتجمعات السياسية قد تكون مفيدة خلال المرحلة المقبلة إذا اقترنت بدوائر انتخابية مصغرة.
وينوه نجار إلى أن المرحلة الحالية تتطلب التعامل بحذر مع عملية بناء مؤسسات الدولة، مضيفاً أن “سوريا تقف على أرضية تحتاج إلى تعزيز وترسيخ قبل الشروع في بناء مؤسسات مستقرة وقادرة على أداء دورها”.
ويشدد نجار على أن بناء الدولة لا يتحقق إلا من خلال التنوع، ولا يمكن الحفاظ عليها إلا عبر ترسيخ ثقافة النقد البناء، وتعزيز الرقابة الذاتية، وتطبيق القوانين على جميع المواطنين دون تمييز، موضحاً أن حرية الفرد تمثل قيمة أساسية، لكنها يجب أن تمارس ضمن إطار القانون وبما لا يتعارض مع حقوق الآخرين أو مع مصلحة الدولة، مؤكداً أن الحقوق تقترن دائماً بالواجبات، وهو ما يميز المجتمعات والدول المتقدمة.
ويضيف نجار أن نسبة الأعضاء الذين جرى اختيارهم من قبل رئيس الجمهورية أسهمت، بحسب رأيه، في تعزيز التنوع داخل المجلس، موضحاً أن بعض الشخصيات التي تم اختيارها كان من الصعب أو المستحيل وصولها عبر آلية الانتخاب المعتمدة، الأمر الذي أتاح تمثيل شرائح وخبرات متنوعة داخل المؤسسة التشريعية.
ويرى نجار إلى أن تشكيلة المجلس تعكس، وفق قراءته، تنوعاً مذهبياً وفكرياً وعرقياً، معتبراً أن هذا التنوع لم يتأثر بالمحاصصة، وإنما جاء في إطار السعي إلى بناء مؤسسات الدولة، رغم وجود بعض التكتلات الطبيعية بين الأعضاء، لافتاً إلى أن متابعة الجلسة الافتتاحية للمجلس تعطي انطباعاً بوجود هذا التنوع، حتى مع استمرار اعتراض بعض المواطنين على عدد من الأسماء أو الشخصيات.
ويؤكد أن سوريا تمر بمرحلة مفصلية تتطلب دراسة جميع الخطوات بعناية، لأنها تؤسس لمرحلة جديدة في بناء الدولة ومؤسساتها، موضحاً أن أي دولة لا تستطيع الوصول إلى مجتمع مثالي خالٍ من الأخطاء، وأن عمليات البناء والإصلاح بطبيعتها تحتاج إلى مراجعة مستمرة وتصويب دائم.
ويبين أن إعادة بناء الدستور والمؤسسات بعد سنوات من التهميش تجعل من مجلس الشعب الركيزة الأساسية في عملية التشريع والرقابة ومتابعة حسن تنفيذ القوانين، محذراً من أن أي مجلس يفتقر إلى الكفاءة أو الاستقلالية لن يكون قادراً على أداء دوره في بناء الدولة أو تصحيح الانحرافات.
ويؤكد نجار على أن تحقيق تمثيل متوازن لجميع فئات المجتمع السوري يعد من أهم متطلبات المرحلة المقبلة، نظراً لما تتميز به سوريا من تنوع عرقي وإثني وفكري، إضافة إلى المتغيرات الاجتماعية التي أفرزتها سنوات الحرب، ومنها ارتفاع أعداد الأيتام والأرامل، مؤكداً أن هذه الفئات تحتاج إلى تمثيل حقيقي داخل المؤسسات التشريعية للدفاع عن حقوقها والمشاركة في رسم السياسات العامة، بما يسهم في بناء دولة تقوم على الشراكة والتمثيل الواسع لجميع مكونات المجتمع.
تماشي مع الرؤية الحكومية
يقول المحلل السياسي محمد بديع إن تشكيلة مجلس الشعب السوري جاءت بما يتماشى مع الرؤية الحكومية لإدارة المرحلة الانتقالية، موضحاً أن المجلس يفترض أن يعكس مختلف الفئات السياسية والشرائح الاجتماعية، بما يضمن تمثيل أكبر شريحة ممكنة من الشعب السوري، بمختلف مكوناته وطوائفه وتوجهاته، ويمنحه القدرة على التعبير عن مصالح المواطنين وقضاياهم داخل المؤسسة التشريعية.
ويضيف بديع في حديث لـ”963+” أن أهمية مجلس الشعب لا تتوقف عند طبيعة تشكيلته أو آلية اختيار أعضائه، وإنما ترتبط بالدرجة الأولى بأدائه خلال المرحلة المقبلة، مشيراً إلى أن المعيار الحقيقي لنجاح المجلس يتمثل في مدى قدرته على ممارسة صلاحياته الدستورية، ومدى استقلالية أعضائه في مناقشة القضايا العامة، واتخاذ المواقف التي تعبر عن المصلحة الوطنية.
ويشير إلى أن الأنظار تتجه إلى الكيفية التي سيؤدي بها المجلس مهامه، وما إذا كان سيقتصر دوره على إضفاء الطابع الشكلي على القرارات الحكومية، أم سيتحول إلى مؤسسة فاعلة تمتلك القدرة على مناقشة التشريعات ومراقبة الأداء الحكومي والإسهام في معالجة التحديات التي تواجه البلاد خلال المرحلة الانتقالية.
ويؤكد بديع أن المرحلة التي تمر بها سوريا تتطلب وجود مؤسسة تشريعية قادرة على مواكبة التحولات السياسية والإدارية، والمشاركة في وضع التشريعات اللازمة لإعادة بناء مؤسسات الدولة، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة المقبلة، ويسهم في تعزيز الاستقرار السياسي والمؤسسي.
ويضيف بديع أن مجلس الشعب يمكن أن يؤدي دوراً محورياً في مرافقة عملية الانتقال نحو مرحلة أكثر استقراراً، من خلال فتح المجال أمام النقاشات البرلمانية، والاستماع إلى مختلف الآراء، والعمل على صياغة قوانين تستجيب لاحتياجات المواطنين وتدعم مسار التعافي وإعادة الإعمار.
وينوه بديع إلى أن الدور الأساسي للمجالس التشريعية في مختلف دول العالم يتمثل في وظيفتين رئيسيتين، هما التشريع والرقابة، موضحاً أن المجلس مطالب بإقرار القوانين التي تنظم عمل مؤسسات الدولة وتواكب التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب ممارسة رقابة فعالة على أداء السلطة التنفيذية، ومتابعة تنفيذ السياسات العامة، ومساءلة الجهات الحكومية عند وجود أي تقصير أو خلل.
ويشدد بديع على أن نجاح مجلس الشعب في أداء هذه المهام سيعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة، وسيسهم في ترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات، وتطوير الحياة السياسية، مؤكداً أن قدرة المجلس على ممارسة دوره التشريعي والرقابي بصورة حقيقية ستكون أحد المؤشرات المهمة على نجاح المرحلة الانتقالية، وعلى بناء مؤسسات دولة أكثر فاعلية واستجابة لتطلعات السوريين.










