تتحول قوائم “المطلوبين شعبياً” في سوريا خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة واسعة الحضور على منصات التواصل الاجتماعي، مع تصاعد النقاش حول العدالة والمحاسبة بعد سقوط النظام السابق، وتزايد تداول أسماء يُزعم ارتباطها بملفات أمنية وعسكرية وانتهاكات خلال سنوات الصراع. وبينما تنظر شرائح واسعة إلى هذه القوائم كأداة لكشف المتورطين، يبرز جدل متزايد حول مصادرها، ودرجة موثوقيتها، والحد الفاصل بين التوثيق القانوني والتداول الشعبي غير المنضبط.
بين التوثيق والتسريب
تتباين القوائم المتداولة بشكل واضح من حيث المصدر والمصداقية. فبعضها يصدر عن منظمات حقوقية أو منصات توثيق تعتمد على أرشيفات وشهادات ووثائق يمكن التحقق منها، بينما يعتمد بعضها الآخر على تسريبات غير مؤكدة أو تجميعات غير منهجية تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
في المقابل، تظهر قوائم تُنسب إلى جهات أمنية أو سياسية، وأخرى تتشكل نتيجة إعادة نشر معلومات غير مدققة، ما يخلق حالة من الخلط بين ما هو توثيق حقوقي وما هو تداول إعلامي أو شعبي، ويؤدي إلى التعامل مع معطيات غير مثبتة وكأنها حقائق نهائية.
من يصنع هذه القوائم؟
يرى خبراء أن إنتاج القوائم في السياق السوري يتم عبر ثلاثة مسارات رئيسية: منصات حقوقية توثيقية، تسريبات أمنية أو عسكرية، وقوائم شعبية تنتشر عبر الصفحات المحلية والإعلامية دون مصادر واضحة.
في هذا السياق، يوضح محمود مصطفى الحمام محامي من نقابة المحامين بحلب، في تصريحات لـ”963+” أن التعامل مع هذه الظاهرة يجب أن ينطلق من القاعدة القانونية الأساسية التي تنص على أنه “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”، وأن أي اتهام لا ينتج أثراً قانونياً ما لم يصدر بحكم قضائي نهائي ومبرم.
ويضيف الحمام أن ما جرى خلال سنوات الصراع من تداول قوائم لأشخاص اتُهموا بالتشبيح أو الارتباط بالأجهزة الأمنية كان في كثير من الأحيان أقرب إلى آليات ضغط اجتماعي وعزل مجتمعي، وليس إلى إجراءات قضائية منظمة، مشيراً إلى أن هذا النمط من التداول خلق التباساً بين ما هو قضائي وما هو شعبي.
كما يلفت إلى أن التمييز بين المعطيات الأمنية الأولية وبين القرارات القضائية أمر جوهري، موضحاً أن النيابة العامة هي الجهة المختصة حصراً بإصدار إذاعات البحث ومذكرات التوقيف، وأن هذه الإجراءات لا تُتخذ إلا ضمن إطار قضائي واضح يضمن حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة.
ويؤكد الحمام أن المعلومات التي تجمعها الأجهزة الأمنية حول الاشتباه أو المتابعة تبقى في إطار التحقيق الأولي، ولا يمكن أن تُعتبر إدانة أو أساساً لاتخاذ إجراءات عقابية مستقلة، مشدداً على أن أي إجراء يجب أن يمر عبر القضاء المختص لضمان المشروعية القانونية.
بين العدالة والمخاطر المجتمعية
في المقابل، يقدّم بسام الأحمد المدير التنفيذي – سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، لـ”963+” قراءة أكثر ارتباطاً بسياق العدالة الانتقالية، محذراً من أن القوائم المتداولة، حتى عندما تتضمن بعض الأسماء الصحيحة، قد تتحول إلى أداة خطيرة إذا جرى استخدامها خارج إطار قانوني منضبط.
ويشرح الأحمد أن بعض هذه القوائم قد تتضمن بالفعل أسماء أشخاص تورطوا في انتهاكات أو كتبوا تقارير أمنية أو شاركوا في عمليات اعتقال أو تعذيب، ما يجعلهم موضوعاً محتملاً للمساءلة. لكنه يشدد على أن مجرد وجود الاسم لا يشكل دليلاً كافياً لإثبات المسؤولية القانونية، وأن معيار التحقق المستقل يبقى الخطوة الأولى قبل أي تصرف.
ويحذر من أن الاعتماد على قوائم غير موثقة أو مجهولة المصدر قد يقود إلى نتائج خطيرة، مثل الاعتقال التعسفي أو التشهير أو أعمال انتقامية، وهو ما يضر بالمجتمع ويقوض الثقة بمسارات العدالة نفسها.
ط
ويضيف أن الإشكال لا يقتصر على القوائم المفبركة، بل يمتد إلى القوائم الصحيحة إذا استُخدمت خارج الأطر القضائية، لأن العدالة، وفق تعبيره، يجب أن تبقى حكراً على المؤسسات المختصة، لا على ردود الفعل الشعبية.
كما يشدد على أن التوثيق المهني لا يقوم على جمع الأسماء فقط، بل على بناء ملفات مدعومة بأدلة قابلة للتحقق، مع ضرورة أن تتولى جهات قضائية مستقلة تقييم هذه الأدلة بعيداً عن الانتقائية أو الاستهداف.
وفي ما يتعلق بالقوائم المرتبطة بـ”المخبرين” أو “العملاء” السابقين، يوضح الأحمد أن هذا النوع من البيانات يتطلب حذراً مضاعفاً، نظراً لاحتمال إدراج أسماء لأسباب شخصية أو انتقامية أو نتيجة معلومات غير دقيقة، ما يفرض تدقيقاً صارماً قبل اعتمادها أو تداولها.
ويضيف أن غياب المصدر الأصلي أو غموض منهجية إعداد القوائم يمثل مؤشراً أساسياً على ضعف موثوقيتها، لافتاً إلى أن تجارب سابقة أظهرت وقوع جهات مختلفة في أخطاء بسبب اعتمادها على وثائق تبيّن لاحقاً أنها غير صحيحة أو مجتزأة.
ويؤكد أيضاً أن حتى في حال ثبوت صحة بعض المعلومات، فإن ذلك لا يلغي الحاجة إلى تحقيقات قضائية عادلة ومستقلة، تأخذ في الاعتبار ظروف الإكراه أو الضغط التي قد تدفع بعض الأشخاص للتعاون مع جهات أمنية.
ويختم بالتشديد على أن أي عملية عدالة حقيقية يجب أن تمر عبر محاكمات علنية عادلة تضمن حقوق الدفاع والشفافية، معتبراً أن كسر دائرة العنف ومنع إعادة إنتاج الانتهاكات لا يتحقق إلا عبر سيادة القانون، وليس عبر الانتقام أو الأحكام المسبقة.
الذاكرة المحلية ودور المجتمع
أما عمار جلو الباحث في مركز الحوار للأبحاث والدراسات بواشنطن فيربط في تصريحات لـ”963+” انتشار القوائم الشعبية بالبنية الاجتماعية المحلية في سوريا، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً منها ينشأ من “الذاكرة الجماعية” للمجتمعات التي عايشت أحداث الحرب بشكل مباشر.
ويشرح جلو أن هذه القوائم لا تظهر عادة كنتاج فردي معزول، بل تنبثق من بيئات اجتماعية تعرف الأشخاص الواردة أسماؤهم، سواء من خلال دورهم في مؤسسات أمنية أو عسكرية، أو من خلال مواقفهم خلال سنوات الصراع، ما يمنحها في بعض الحالات قبولاً اجتماعياً داخل تلك البيئات.
ويضيف أن هذا القبول لا يعني بالضرورة دقة المعلومات، لكنه يعكس حالة من “الإدانة الاجتماعية” التي تتشكل داخل المجتمعات المحلية، حيث تُبنى الأحكام على التجربة المباشرة والذاكرة الجمعية أكثر من اعتمادها على إجراءات قانونية.
ويشير إلى أن التوازنات العائلية والعشائرية داخل المجتمع السوري تلعب دوراً في ضبط أو توسيع هذه القوائم، إذ يمكن أن تؤدي إلى اعتراضات قوية في حال إدراج أسماء لا تحظى بإجماع اجتماعي، ما يجعل العملية حساسة ومعقدة في آن واحد.
كما يوضح أن بعض القوائم قد تأخذ طابعاً رمزياً بوصفها “قوائم عار”، تعكس موقفاً أخلاقياً أو اجتماعياً أكثر من كونها وثيقة قانونية، وهو ما يعمّق الفجوة بين العدالة الشعبية والعدالة المؤسسية.
ويحذر جلو من أن استمرار غياب مسار واضح للعدالة الانتقالية قد يدفع المجتمعات إلى إنتاج أشكال بديلة من العدالة خارج إطار الدولة، مثل النبذ الاجتماعي أو الثأر أو الاعتداءات، ما يهدد بتحول الاحتقان إلى سلوك عنيف خارج القانون.
ويؤكد أن الحل يكمن في إطلاق مسار عدالة انتقالية حقيقي يدمج بين محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وضمان حقوق الضحايا، بما يمنع تحول القوائم إلى أدوات صراع اجتماعي مفتوح.
من التداول الشعبي إلى المسار القضائي
تظهر المعطيات المتداولة أن جزءاً من هذه القوائم بدأ ينتقل تدريجياً من الفضاء الشعبي إلى مسارات أكثر رسمية، سواء عبر تعاون قضائي دولي أو عبر تحقيقات مرتبطة بملفات انتهاكات سابقة، أو من خلال مذكرات توقيف وإجراءات قانونية يجري العمل عليها.
لكن هذا التحول لا يلغي أن النسبة الأكبر من القوائم المنتشرة تبقى خارج أي إطار مؤسسي واضح، وتعتمد على إعادة تدوير معلومات غير مؤكدة أو تسريبات غير قابلة للتحقق.
وتكشف ظاهرة قوائم المطلوبين في سوريا عن شبكة معقدة من التداخل بين التوثيق الحقوقي، والتسريبات الأمنية، والذاكرة الاجتماعية، والرغبة الشعبية في المحاسبة. وبين هذه المستويات المختلفة، يبقى الفاصل الحاسم هو معيار القانون القائم على التحقيق والتثبت القضائي، لا على التداول أو الانتشار.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى التعامل مع أي قائمة باعتبارها ادعاءً يحتاج إلى تحقق، لا حكماً نهائياً، شرطاً أساسياً لتفادي الظلم، وحماية مسار العدالة من الانزلاق نحو الفوضى أو الانتقام.










