في ظل الارتفاع المستمر لأسعار الأدوية وتراجع القدرة الشرائية للسوريين، باتت شريحة واسعة من سكان دمشق تبحث عن بدائل أقل كلفة لتدبير احتياجاتها الصحية، الأمر الذي أدى إلى تنامي ظاهرة اللجوء إلى الإنترنت والأعشاب الطبية والعلاج الشعبي كخيارات بديلة عن الدواء التقليدي، رغم التحذيرات الطبية من المخاطر التي يسببها الاستخدام العشوائي لهذه الوسائل.
وخلال السنوات الأخيرة، لم يعد البحث عبر محركات الإنترنت أو الاعتماد على وصفات متداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي سلوكاً استثنائياً، بل أصبح جزءاً من الممارسات اليومية لعدد كبير من المرضى الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن تحمل تكاليف العلاج الدوائي، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى أدوية بشكل مستمر.
أولويات الإنفاق الصحي
يؤكد الصيدلاني أحمد الخطيب (33عاماً) في حديث لـ”963+” أن أسعار العديد من الأدوية شهدت ارتفاعات متتالية خلال الفترة الماضية، ما دفع كثيراً من المرضى إلى إعادة النظر في أولويات الإنفاق الصحي.
ويقول الخطيب إن عدداً متزايداً من مراجعي الصيدليات باتوا يسألون عن بدائل أرخص ثمناً، أو يطلبون شراء جزء من الوصفة الطبية بدلاً من الحصول عليها كاملة، في حين يلجأ آخرون إلى تأجيل شراء الأدوية أو الاستغناء عنها بشكل نهائي.
ويضيف في حديثه أن بعض المرضى، ولا سيما المصابين بالأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، يحاولون تخفيف الجرعات الموصوفة لهم أو تقليل عدد مرات تناول الدواء بهدف خفض النفقات، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على حالتهم الصحية.
ويشير إلى أن الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة جعل الإنفاق على الغذاء والطاقة والسكن يتقدم على حساب الرعاية الصحية لدى العديد من الأسر، ما أدى إلى تراجع الالتزام بالعلاجات الطبية الموصوفة.
ويقول حامد العبد الله ( 58عاماً) وهو موظف متقاعد من سكان دمشق، لـ”963+” إنه اتجه إلى استخدام الأعشاب الطبية بشكل متزايد خلال السنوات الأخيرة، بعدما باتت أسعار الأدوية تشكل عبئاً مالياً يفوق قدرته، خاصة مع حاجته إلى علاجات مستمرة لبعض الأمراض المزمنة.
ويوضح أن انخفاض تكلفة الأعشاب وسهولة الحصول عليها شجعاه على استخدامها، مشيراً إلى أن بعضها ساعده في التخفيف من اضطرابات الجهاز الهضمي ومشكلات القولون، ما دفعه إلى إدخالها ضمن روتينه الصحي اليومي.
ويضيف أن تجربته لم تكن إيجابية بالكامل، إذ تعرض في إحدى المرات لاضطرابات صحية بعد استخدام خلطة عشبية بناءً على نصيحة غير مختصة، الأمر الذي اضطره إلى مراجعة الطبيب والتوقف عن استخدامها.
ويشير العبد الله إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب المعلومات الدقيقة حول الجرعات المناسبة والتداخلات المحتملة بين الأعشاب والأدوية، مؤكداً أن كثيرين يعتقدون أن المنتجات الطبيعية آمنة بشكل مطلق، وهو اعتقاد غير دقيق.
ويؤكد أنه بات أكثر حذرا في استخدام الأعشاب، إذ لا يعتمد عليها بديلا عن الأدوية الموصوفة، بل يستخدمها كعامل مساعد وبعد استشارة المختصين، مشددا على أن توفير الأدوية بأسعار مناسبة يبقى الحل الأهم لتخفيف لجوء المرضى إلى البدائل غير المضمونة.
ومع انتشار الهواتف الذكية وسهولة الوصول إلى المعلومات، تحول الإنترنت بالنسبة لكثير من المواطنين إلى مصدر رئيسي للحصول على الاستشارات الصحية.
ضغوط اقتصادية
وتقول الباحثة الاجتماعية ريم الحسن ( 38 عاماً) لـ”963+” إن الضغوط الاقتصادية دفعت المواطنين إلى البحث عن حلول علاجية مجانية أو منخفضة التكلفة، موضحة أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تمتلئ بمجموعات وصفحات تقدم وصفات علاجية ونصائح صحية لمختلف الأمراض.
وتضيف أن عدداً كبيراً من المستخدمين يتعامل مع هذه المعلومات على أنها بديل عن الاستشارة الطبية، خاصة عندما تترافق مع تجارب شخصية لأشخاص يدّعون الشفاء من أمراض معينة باستخدام وصفات منزلية أو أعشاب طبية.
وتشير الحسن إلى أن سهولة الوصول إلى المحتوى الرقمي، إلى جانب ضعف الثقافة الصحية لدى بعض الفئات، أسهما في تعزيز ظاهرة “التشخيص الذاتي”، حيث يقوم الأفراد بتحديد طبيعة المرض واختيار العلاج بأنفسهم دون مراجعة الطبيب.
وتوضح أن هذه الممارسات لا ترتبط بالعامل الاقتصادي فقط، وإنما أيضاً بحالة من فقدان الثقة لدى بعض المواطنين بقدرتهم على تحمل تكاليف المعاينة الطبية والفحوص المخبرية والأدوية معاً.
في المقابل، عاد العلاج الشعبي والأعشاب الطبية ليحتلا مساحة أكبر في الحياة اليومية للسكان، خاصة في الأحياء الشعبية والأسواق التقليدية التي تشهد إقبالاً متزايداً على محال العطارة.
ويقول محمد الخليل ( 58 عاماً)، وهو صاحب محل عطارة في دمشق، لـ”963+” إن الطلب على الأعشاب الطبية ارتفع بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أن الزبائن يقصدون محاله بحثاً عن خلطات لعلاج أمراض مختلفة، بدءاً من نزلات البرد ومشكلات الجهاز الهضمي، وصولاً إلى أمراض مزمنة كارتفاع السكر وضغط الدم.
ويضيف أن الكثير من المواطنين يفضلون الأعشاب لأنها أقل تكلفة من الأدوية، فضلاً عن اعتقاد سائد بأنها “طبيعية” وآمنة ولا تسبب آثاراً جانبية.
إلا أن مختصين يحذرون من أن هذا الاعتقاد ليس دقيقاً دائماً، إذ يمكن لبعض الأعشاب أن تتداخل مع الأدوية أو تؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة إذا استخدمت بشكل خاطئ.
ويؤكد اختصاصي الأمراض الباطنية الدكتور سامر العلي (43 عاماً) لـ”963+” أن بعض الأعشاب تمتلك بالفعل خصائص علاجية مثبتة علمياً، إلا أن استخدامها يجب أن يتم تحت إشراف طبي، خاصة لدى المرضى الذين يتناولون أدوية بشكل منتظم.
ويقول العلي إن المشكلة الأساسية تكمن في اعتماد المرضى على وصفات غير موثقة أو معلومات يتم تداولها عبر الإنترنت دون أساس علمي، موضحاً أن عدداً من المرضى يراجعون العيادات بعد تدهور حالتهم الصحية نتيجة إيقاف العلاج الدوائي والاعتماد على وصفات شعبية.
ويضيف أن بعض المرضى يلجؤون إلى تناول خلطات عشبية مجهولة المصدر على أمل علاج أمراض مزمنة أو مستعصية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تأخير التشخيص الصحيح أو تفاقم المرض.
كما يحذر من أن بعض الأعشاب قد تسبب تأثيرات جانبية خطيرة على الكبد والكلى، أو تؤدي إلى تفاعلات دوائية غير متوقعة عند استخدامها بالتزامن مع أدوية أخرى.
وتبدو آثار هذه الظاهرة أكثر وضوحاً لدى المصابين بالأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى علاج دائم، إذ يجد كثير منهم أنفسهم أمام معادلة صعبة تتمثل في الموازنة بين الاحتياجات الأساسية للأسرة وتكاليف العلاج.
ويرى الممرض محمد الحلاق ( 28 عاماً) أن تراجع القوة الشرائية للمواطنين انعكس بشكل مباشر على أنماط الإنفاق الصحي، موضحاً أن الإنفاق على العلاج أصبح يشكل عبئاً متزايداً على ميزانيات الأسر السورية.
ويشير الحلاق إلى أن ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية لا يقتصر على أسعار الأدوية فحسب، بل يشمل أيضاً أجور المعاينات الطبية والفحوص المخبرية والصور الشعاعية، ما يدفع بعض المرضى إلى تجنب مراجعة الأطباء أساساً.
ويضيف أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات المضاعفات الصحية على المدى الطويل، نتيجة عدم الالتزام بالعلاج أو اللجوء إلى بدائل غير مضمونة.
الحاجة إلى تدخلات داعمة
يرى مختصون أن الحد من تنامي ظاهرة العلاج الذاتي يتطلب إجراءات متكاملة تشمل دعم القطاع الدوائي وضمان توافر الأدوية الأساسية بأسعار مقبولة، إضافة إلى توسيع مظلة الرعاية الصحية وتعزيز برامج التوعية الصحية.
كما يشددون على أهمية تكثيف الحملات الإعلامية التي تشرح مخاطر الاعتماد على المعلومات الطبية غير الموثوقة، وتحث المواطنين على استشارة الأطباء قبل استخدام أي وصفات أو مستحضرات عشبية.
ويؤكد خبراء اقتصاديين أن تحسين الواقع الاقتصادي ورفع القدرة الشرائية للمواطنين يبقى العامل الأكثر أهمية في الحد من هذه الظاهرة، إذ إن توفير الدواء بأسعار مناسبة وضمان الوصول إلى الخدمات الصحية يشكلان حجر الأساس لحماية الصحة العامة.
وفي ظل استمرار الضغوط الاقتصادية، يبدو أن اللجوء إلى الإنترنت والعلاج الشعبي سيبقى خياراً مطروحاً لدى كثير من سكان دمشق، إلا أن المختصين يحذرون من أن الكلفة الصحية لهذه الخيارات قد تكون في بعض الأحيان أكبر بكثير من كلفة الدواء نفسه.










