في وقت تتصاعد فيه مستويات التوتر في الشرق الأوسط، وتتجه الأنظار إلى مآلات المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية وما قد تفضي إليه من انعكاسات على معادلات الاستقرار الإقليمي، تبدو سوريا الجديدة، بما تمتلكه من موقع جغرافي وجيوسياسي، لاعبًا محتملًا في سياق الترتيبات التي يجري رسمها للمشهد الإقليمي المقبل.
فحتى وقت قريب، كانت سوريا واحدة من أبرز ساحات الصراع الإقليمي والدولي، حيث تقاطعت على أرضها مشاريع القوى المتنافسة وتحولت جغرافيتها إلى ميدان للحروب والنفوذ والاصطفافات. غير أن التحولات التي شهدتها البلاد، وفي مقدمتها سقوط نظام الأسد، بالتوازي مع المتغيرات التي تشهدها المنطقة، أعادت فتح النقاش حول موقع دمشق في خرائط التوازنات الجديدة التي تتشكل على المستويين الأمني والسياسي.
وبينما يتأرجح المشهد الإقليمي بين منطق السلاح ومقتضيات السياسة، وتبقى أدوات الردع حاضرة إلى جانب مسارات التفاوض والتسويات، لا يبدو أن الدبلوماسية فقدت مكانتها بوصفها أداة رئيسية في إدارة الصراعات وإعادة صياغة التفاهمات. وفي هذا السياق، يصعب تجاوز حقيقة الجغرافيا السياسية السورية، التي تضع دمشق أمام فرصة للانتقال من موقع الساحة التي تُدار فوقها الصراعات إلى موقع الطرف القادر على التفاعل مع ترتيبات المرحلة المقبلة والمساهمة، بدرجات متفاوتة، في رسم ملامحها ومحددات القوة والنفوذ فيها.
دمج في المحيط الإقليمي والدولي
في هذا السياق، يشير السياسي السوري طه عبدالواحد إلى أنه من المبكر القول إن سوريا أصبحت اليوم لاعباً رئيسياً في ترتيبات المنطقة الجديدة.
ويرى أن الوصف الأدق هو أن سوريا استعادت تدريجياً موقعها كعامل مؤثر في التوازنات الإقليمية، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها التاريخية مع دول الجوار.
ويضيف عبدالواحد في تصريحات لـ”963+” أن هذا التأثير تراجع إلى حد كبير، بل كاد يتلاشى خلال عهد النظام السابق، ولا سيما خلال سنوات الثورة السورية، عندما وجد النظام نفسه في عزلة إقليمية ودولية نتيجة سياساته والانتهاكات التي ارتكبها. إلا أن المشهد تغيّر بعد الإطاحة بالنظام، إذ تحركت الحكومة السورية الجديدة، بحسب عبدالواحد، بنشاط ملحوظ نحو إعادة دمج سوريا في محيطها الإقليمي والدولي واستعادة دورها الطبيعي كدولة مؤثرة في المنطقة.
ويؤكد أن الحكومة السورية نجحت إلى حد كبير في طي صفحة العزلة الدولية، مستشهداً بحالة الانفتاح المتزايدة من جانب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إضافة إلى عودة سوريا إلى محيطها العربي عبر علاقات متميزة مع عدد من الدول العربية الفاعلة، وفي مقدمتها قطر والمملكة العربية السعودية، فضلًا عن العراق والأردن.
كما يشير إلى أن القيادة السورية أظهرت قدرًا من المرونة والبراغماتية في التعامل مع ملف الجولان، من خلال مقاربة تستند إلى الواقعية السياسية بعيدًا عن الشعارات، إلى جانب إدارة الاتصالات والمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي بهدوء، بما يهدف إلى تجنب التوترات الأمنية والتأكيد في الوقت نفسه على الحقوق السورية وسيادة الدولة.
ويرى عبدالواحد أن هذه التطورات تسهم في إعادة سوريا تدريجيًا إلى موقع اللاعب المؤثر في صياغة الترتيبات الإقليمية الجديدة. ويضيف أن أهمية سوريا برزت بصورة أوضح مع تصاعد التوترات في منطقة الخليج العربي، إذ عادت الأنظار إلى موقعها الجغرافي بوصفها ممرًا محتملًا وخيارًا استراتيجيًا لربط أسواق المنطقة بالأسواق العالمية، ولا سيما في ما يتعلق بإمدادات الطاقة.
ويلفت كذلك إلى أهمية سوريا بوصفها عقدة ربط اقتصادية بين المشرق العربي وتركيا، مشيرًا إلى أن الاهتمام السعودي والتركي بسوريا يتعزز في سياق مشاريع الربط الإقليمي، ومن بينها المساعي الرامية إلى إحياء شبكة السكك الحديدية الحجازية التي تربط المملكة العربية السعودية بتركيا ومنها إلى الأسواق الأوروبية، عبر الأراضي السورية.
ويخلص عبدالواحد إلى أن سوريا تمثل اليوم عقدة وصل جيوسياسية واقتصادية مهمة، ما يجعلها عاملًا مؤثرًا في معادلات المنطقة. ويرى أنه كلما تقدمت عملية التعافي الداخلي على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ازدادت قدرة سوريا على التحول إلى لاعب ذي تأثير أكبر في رسم ترتيبات المنطقة ومستقبلها.
استراتيجية الاستقرار
إلى ذلك، يشير الكاتب السوري فراس علاوي إلى أن الواقع الحالي يضع سوريا ضمن استراتيجية الاستقرار في المنطقة التي تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى ترسيخها، من خلال إقصاء أو إنهاء نفوذ القوى ما دون مستوى الدولة، مثل الميليشيات، إضافة إلى الحد من التمدد الإيراني في المنطقة، بما يفضي إلى فرض خرائط استقرار جديدة.
ويرى علاوي في تصريحات لـ”963+” أن الساحة السورية لا بد أن تكون جزءًا من هذه الحالة الاستقرارية، نظراً إلى الموقع الجيوسياسي الذي تشغله سوريا، بوصفها نقطة التقاء بين المشاريع الإقليمية المتنافسة؛ التركية والإسرائيلية والإيرانية.
ويضيف أن وجود حكومة سورية قوية، وهو ما تدعمه الولايات المتحدة الأميركية، من شأنه أن يعزز الاستقرار، موضحًا أن سوريا تحولت من ساحة تنافس بين إيران وروسيا والولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل قبل سقوط النظام، إلى ساحة يُراد لها أن تكون منطقة هادئة ومستقرة.
ويؤكد الكاتب السوري أن الهدف يتمثل في إبعاد خطوط التماس المباشرة بين هذه المشاريع المتنافسة، بما يخفف من حدة التوتر في المنطقة. وبحسب علاوي، فإن تحويل سوريا من منطقة تماس مباشر إلى مساحة تقل فيها احتمالات الاحتكاك يمثل هدفًا أميركيًا يصب في إطار تعزيز استقرار الشرق الأوسط.
ويخلص إلى أن هذه المعطيات تفترض أن تكون سوريا جزءًا مهمًا جدًا من الترتيبات الإقليمية الجديدة في المنطقة.
سلام داخلي
بينما يرى الكاتب السوري درويش خليفة أنه من المبكر الحديث عن تحوّل سوريا إلى لاعب مؤثر في الترتيبات الإقليمية المقبلة، مشيراً إلى أن الحرب لا تزال مستمرة، وأن الوسطاء الإقليميين، بما في ذلك باكستان بوصفها دولة نووية، إلى جانب التحركات القطرية والتركية، ما زالوا يعملون على إيجاد حلول للأزمات التي يشهدها الإقليم.
ويعتقد خليفة في حديثه لـ”963+” أن سوريا ما تزال بحاجة إلى تحقيق السلام الداخلي واستكمال مسار الاستقرار الوطني قبل الانتقال إلى مرحلة التأثير في ترتيبات المنطقة. ويضيف أن عملية بناء التوافق الداخلي لم تُنجز بعد، الأمر الذي يجعل الحديث عن دور سوري مؤثر في الملفات الإقليمية سابقاً لأوانه.
وفي ما يتعلق بالملف اللبناني، ولا سيما قضية نزع سلاح “حزب الله”، يؤكد خليفة أنه كان ولا يزال يدعو القيادة السورية الجديدة إلى عدم الانخراط في أي ملفات خارجية في الوقت الراهن، معتبراً أن الأوضاع الداخلية في سوريا لا تزال تعاني من الترهل والتفكك، ما قد يجعل إعادة ترتيب الأولويات الداخلية أكثر صعوبة في حال الانخراط في صراعات أو ملفات إقليمية.
ويحذر خليفة من أن أي دور سوري مباشر في لبنان، سواء من خلال دعم السلطات اللبنانية أو تنفيذ مطالب أميركية مرتبطة بنزع سلاح “حزب الله”، قد يستفز إيران ويدفعها إلى الرد بوسائل مختلفة، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على الأمن والاستقرار في سوريا.
وبحسب خليفة، فإن مثل هذه السيناريوهات قد تفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية في الشأن السوري، ما من شأنه أن يعقّد جهود إعادة البناء والتنمية وترسيخ الاستقرار والتوافق الوطني.
ويخلص إلى أن هذه التحديات تضع القيادة السورية الجديدة أمام مسؤولية إعطاء الأولوية للملف الداخلي خلال المرحلة الحالية.
بدوره، يرى جوشوا لانديس، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما، أن الجغرافيا السورية لطالما شكّلت عنصراً بالغ الأهمية في معادلات المنطقة. ويضيف لانديس في تصريحات لـ”963+” أن النظام الجديد يروّج لمشروع “البحار الأربعة” بهدف تحويل سوريا إلى مركز لخطوط أنابيب النفط والغاز وشبكات الطرق العابرة للحدود.
كما ينبّه إلى أن أي إغلاق لمضيق مضيق هرمز قد يجعل سوريا خيارًا منطقيًا لمرور خطوط أنابيب خليجية جديدة، وهو ما يفسّر أيضًا الأهمية التي تمثلها بالنسبة للعراق.
ويلفت لانديس إلى أن الحدود السورية مع إسرائيل تمنح دمشق وزناً إضافياً في التوازنات الإقليمية. ويرى أن إسرائيل تسعى إلى ترسيخ نفوذها الإقليمي بصورة متسارعة، ما يجعل سوريا ساحة مهمة في حسابات القوى الإقليمية.
ويضيف أنه إذا أرادت تركيا والسعودية موازنة النفوذ الإسرائيلي أو الحد من حرية تحركه العسكري في المنطقة، فإن سوريا قد تمثل شريكًا رئيسيًا في هذه المعادلة.
كما يشير إلى وجود مخاوف إسرائيلية من تنامي الدور التركي في سوريا، إذ تخشى تل أبيب أن تسهم أنقرة في تعزيز قدرات الجيش السوري بما قد يحدّ من حرية الحركة الإسرائيلية أو يعرقل مساعيها للتأثير في التوازنات الإقليمية. وينبّه أيضاً إلى أن السعودية أبدت، في أكثر من مناسبة، رغبتها في رؤية سوريا أكثر قوة واستقرارًا.
ويخلص لانديس إلى أن هذه العوامل، وغيرها، تفسّر لماذا تظل سوريا، رغم ما تعانيه من ضعف اقتصادي وتحديات داخلية، لاعباً محورياً في الشرق الأوسط.










