وعد مصرف سوريا المركزي منذ الأيام الأولى لإطلاق عملية استبدال الليرة بأن المهمة ستُنجز خلال تسعين يوماً – ثلاثة أشهر لا أكثر. اليوم، بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على انطلاق العملية، لا تزال الليرة القديمة تُهيمن على المعاملات اليومية في أسواق دمشق وحلب وسائر المحافظات، فيما يتحرج المركزي من الإجابة عن سؤال واحد: لماذا لم تنته بعد؟ فدفاتر المصرف المركزي تُقدّر الكتلة النقدية بـ42 تريليون ليرة – لكن لا أحد يعرف أين هي بالضبط.
مسيرة التمديد
في 29 كانون الأول/ ديسمبر 2025، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي ـ السابق ـ عبد القادر الحصرية رسمياً عن آليات العملة السورية الجديدة، مؤكداً أن الكتلة النقدية المستهدفة تبلغ 42 تريليون ليرة سورية، تمثّل ما يقارب 13 مليار قطعة نقدية تضخّمت منذ عام 2011 حين كانت عند حدود تريليون واحد فقط. وحدّد المركزي الأول من كانون الثاني/ يناير 2026 موعداً لانطلاق العملية، على أن تنتهي خلال 90 يوماً قابلة للتمديد، وفي 24 شباط/ فبراير 2026.
وأعلن المركزي عن استُبدل 35% من الكتلة النقدية (نحو 13 تريليون ليرة)، وفي 2 مارس 2026 كان التمديد الأول 60 يوماً إضافية حتى نهاية أيار/ مايو 2026، وفي أوائل مايو 2026 أعلن المركزي استُبدل 56% من الكتلة النقدية، وفي 1 مايو 2026 كان التمديد الثاني 30 يوماً إضافية حتى 30 حزيران/ يونيو 2026ثم في 31 مايو 2026 كان التمديد الثالث 30 يوماً إضافية حتى 30 تموز/ يوليو 2026.
ويقول الخبير المالي رشاد الصالح في تصريح لـ”963+” إن المعادلة واضحة، فقد أُعلن عن 90 يوماً وانتهى بثلاثة تمديدات متتالية، وبحلول نهاية مايو 2026، تجاوزت العملية حاجز الخمسة أشهر دون أن تُكتمل، والتمديد الثالث الصادر قبل أيام يرفع الرقم الإجمالي إلى ما يتجاوز سبعة أشهر، وبالتالي الأرقام تحكي قصة مختلفة.
ووفق البيانات الرسمية الصادرة عن المصرف المركزي، فقد بلغت نسبة الاستبدال 35% بعد الشهر الأول والنصف، ثم ارتفعت إلى 56% بعد أربعة أشهر تقريباً، وهذا يعني أن 44% من الكتلة النقدية المُعلنة – أي نحو 18.5 تريليون ليرة قديمة – لا تزال خارج المنظومة المصرفية بعد كل هذا الوقت.
ويضيف الصالح أن ما يلفت الانتباه في هذه الأرقام أن وتيرة الاستبدال تباطأت بشكل لافت في الأشهر الأخيرة، ففي حين استُبدل 35% خلال الشهرين الأولين، لم يُضَف سوى 21% خلال الشهرين التاليين، وهو ما يعكس تعثراً حقيقياً في الإقبال على تسليم العملة القديمة، لا مجرد مسألة لوجستية.
ويحذر الصالح من الفرضية الأخطر – نقود طُبعت في الظلام ـ فهناك ثمة سؤال لم يُجب عنه المركزي بشكل مباشر: هل الـ42 تريليوناً هي فعلاً كل ما في السوق؟
وفي تصريح لافت أدلى به حاكم المصرف لقناة الجزيرة في يناير 2026، جاء فيه أن “دفاتر مصرف سوريا المركزي تشير إلى وجود 42 تريليون ليرة سورية، لكن لا أحد يعرف أين هي على وجه التحديد بعد الحرب وتداعياتها”. هذه الجملة وحدها تستحق وقفة تأمل طويلة، فهل طُبعت كميات من الليرة السورية خارج السجلات الرسمية للمصرف المركزي؟ وهل جرى ذلك بهدف استنزاف احتياطيات العملة الأجنبية في سوريا لصالح رموز النظام السابق؟ وتدعم هذه الفرضية جملة من المعطيات:
أولها انتقل حجم الإصدار النقدي من تريليون ليرة عام 2011 إلى 42 تريليوناً عام 2024 – أي تضخّم بمقدار 42 ضعفاً في 13 عاماً، في اقتصاد منكمش أصلاً، ثم بعد نحو خمسة أشهر من الاستبدال المجاني عبر أكثر من ألف منفذ، لا تزال نسبة 44% خارج دائرة الاستبدال.
وهذا يطرح احتمالاً: أن جزءاً من الكتلة النقدية يتجاوز ما هو مُسجَّل فعلاً، وأيضاً الاستمرار في التمديد رغم الإعلان عن ‘تقدم جيد’ تعبير متناقض. لأنه لو كانت العملية تسير بسلاسة، لما احتاجت إلى ثلاثة تمديدات متتالية، وهناك العوامل البنيوية الأخرى، ولكن بمعزل عن فرضية الطباعة غير الموثّقة، ثمة عوامل بنيوية أقل إثارة لكنها لا تقل أهمية في تفسير التأخير، فالجغرافيا المعقدة تلعب دورا وسوريا ليست دولة بمؤسسات موحدة، فمنطقة شمال شرق سوريا خضعت لإدارة مختلفة لسنوات، وسوق البدائل النقدية فيها متجذّر.
ولا يزال المصرف المركزي يُعالج خصوصية الاستبدال في الرقة والحسكة بمعايير مختلفة، وأيضاً الاكتناز والخوف فقد اعتاد المواطن السوري على عقود من اللا ثقة بالمؤسسات المالية، وكثيرون يُفضّلون الاحتفاظ بالنقد تحت الوسادة بدلاً من توجيهه عبر القنوات الرسمية، بصرف النظر عن نوع العملة، والأهم المخزون الخارجي، فقسم غير محدد من الليرة السورية موجود خارج حدود سوريا، في يد اللاجئين والمغتربين والتجار الإقليميين الذين تعاملوا بها، ومن الواضح أن الوصول إلى هذه الكتلة أصعب بكثير من الكتلة الداخلية، يضاف إلى ذلك ضعف البنية التحتية المصرفية، فرغم إعلان أكثر من ألف منفذ، لا تزال المصارف في بعض المحافظات تعمل بطاقة محدودة، وبعض مناطق الريف تفتقر إلى أي تمثيل مصرفي فعلي.
ويوضح الصالح أن ما يترتب على هذا كله هو أنه إذا كانت الكتلة النقدية الفعلية أكبر مما هو مُسجَّل رسمياً، فهذا يعني أن المصرف المركزي يواجه ضغطاً تضخمياً مخفياً، ولكن – وهذا ما يصعب تحديده بدقة دون مراجعة مستقلة للسجلات النقدية – يبقى التمييز ضرورياً بين ثلاثة احتمالات، أولها أن الكتلة النقدية هي فعلاً 42 تريليوناً لكن البنية اللوجستية وسلوك الاكتناز يُبطّئان الاستبدال، وهذا ما يؤكده المركزي رسمياً.
أما الاحتمال الثاني، بحسب الصالح، فثمة كتلة نقدية إضافية غير مُسجَّلة طُبعت في عهد النظام السابق، وهذا يستدعي تحقيقاً مستقلاً شاملاً، والاحتمال الثالث هو أن جزءاً من الكتلة قد تلف أو أُتلف في سنوات الحرب، وبالتالي لن يُستبدل أبداً، وهذا سيناريو إيجابي تقنياً لكن يصعب التحقق منه، والأرقام تشير إلى واحد من ثلاثة: إما نقص في الكفاءة التشغيلية، أو كتلة نقدية مخفية، أو كليهما معاً.
ما يجب أن يحدث الآن؟
يرى عامر المحمد “مصرفي مقيم في الخليج” في تصريحات لـ”963+” أنه بصرف النظر عن السبب الحقيقي وراء التأخير الحاصل في استبدال العملة السورية الجديدة، ثمة إجراءات يجب اتخاذها، أهمها مراجعة مستقلة للبيانات النقدية، فلا يمكن للمصرف المركزي أن يكون حكَماً وخصماً في الوقت نفسه، يجب أن يخضع سجل الإصدار النقدي لمراجعة هيئة مستقلة أو جهة دولية متخصصة، وأيضاً الإفصاح التفصيلي عن نسب الاستبدال الجغرافي، أي أين تحديداً النسبة الأعلى والأدنى؟ وما هي المناطق المتعثرة؟
وهذه معلومات يحق للرأي العام معرفتها، ثم تحديد آليات امتصاص السيولة الزائدة، سواء جاءت من كتلة غير محسوبة أو من بطء الاستبدال، يجب أن يكون المركزي مستعداً بأدوات لسحب فائض السيولة “سندات حكومية قصيرة الأجل، أو آليات إيداع مُحفِّزة” ومن الضروري تحديد موعد نهائي صارم وغير قابل للتفاوض، التمديدات المتكررة تُرسّخ انطباعاً بأن المؤسسة المصرفية الجديدة لا تختلف في أسلوبها التشغيلي عن سابقتها.
ويختم المحمد إن عملية استبدال الليرة السورية لم تكن مجرد إجراء تقني – كانت اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسة المصرفية السورية الجديدة على التخطيط والتنفيذ والشفافية، بعد خمسة أشهر وثلاثة تمديدات، يتضح أن الاختبار أصعب مما قُدِّر.
فالأرقام الرسمية تقول 56% تم استبداله. لكن ما لا تقوله الأرقام هو لماذا لم يُستبدَل الـ44% المتبقي، ومن أين جاء، وهل هو فعلاً ضمن الـ42 تريليوناً المُعلنة أصلاً. والإجابة عن هذه التساؤلات ليست ترفاً صحفياً، بل هي ضرورة لاستقرار الاقتصاد السوري في مرحلة التعافي.










